مع بداية فعاليات مؤتمر البحرين الاقتصادي، وطرح الجزء الاقتصادي مما يسمى بصفقة القرن، التي تقترحها الإدارة الأمريكية كحلٍ طويل الأمد للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، تتباين ردود الأفعال سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي.

وفي ظل هيمنةٍ أمريكية على الصفقة، وغياب الفاعلين الرئيسين حتى الآن، وبالأخص الجانب الفلسطيني وممثليه، يتناول الباحثان مورييل أسيبرج وهيو لوفات في هذا المقال الذي نشرته مجلة «فورين بوليسي» كيف من المفترض بأوروبا أن تنظر للصفقة وشقها الاقتصادي البارز، ويستعرضان المحددات التي ينبغي على القادة الأوروبيين الالتزام بها في تكوين موقفهم من الصفقة الأمريكية.

أوضح الباحثان أنَّ الاقتصاد يحتل مركز الصدارة في الورشة التي تُقام تحت رعاية الولايات المتحدة في البحرين، التي انطلقت في 25 يونيو (حزيران) الجاري. وبحسب مقالهما، تأمل إدارة ترامب في أن يؤدي الكشف عن الشق الاقتصادي فيما يسمى بصفقة القرن إلى تشجيع الاستثمارات الإقليمية والدولية في الاقتصاد الفلسطيني، ومن ثمّ المساعدة في التغلب على العوائق التي تحول دون التوصل إلى اتفاق سياسي، والدفع بعملية صنع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

رفض فلسطيني.. وفتور دولي

يشير الباحثان إلى أنَّ المبادرة قُوبلت بمقاومةٍ قوية من الفلسطينيين، الذين أبدوا شكوكًا في نوايا الولايات المتحدة. ورغم ذلك، سعت الولايات المتحدة إلى حشد مزيجٍ من المسؤولين الحكوميين وكبار رجال الأعمال من الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا. وكان العديد من الشركاء الدوليين قد أبدوا فتورًا تجاه المبادرة، بما في ذلك حلفاء الولايات المتحدة التقليديين، مثل مصر والأردن.

ويرى أسيبرج ولوفات أنَّ ذلك التحفُّظ الذي أظهره الحلفاء منطقي؛ فالفكرة التي ينطوي عليها المؤتمر من أنَّ الحوافز الاقتصادية يمكنها أن تنجح فيما أخفقت فيه الدبلوماسية هي فكرةٌ لديها سجل قاتمٌ إلى حد كبير على مدار القرن الماضي.

والراجح، بحسب المقال، أن تفشل خطة جاريد كوشنر الجارية، كما فشل مثلها الكثير من قبل. ومن ثمَّ، فإنَّ الكاتبان يريان أنَّ القادة الأوروبيين عليهم ألا يغتروا بدعم خطة محكوم عليها بالفشل، من شأنها أن تجعل الأمور أكثر سوءًا، وأنَّهم لا ينبغي عليهم تأييدها إلا في حال كانت تكفل حقوق الفلسطينيين السياسية الأساسية، وتضمن حماية قواعد وأحكام القانون الدولي.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من أنَّ الولايات المتحدة نفسها قد أقرَّت بمحدودية المقاربة الاقتصادية، واعترفت بأنَّ نجاحها مرتهنٌ باقترانها برؤية سياسية قوية، فإنَّ البيت الأبيض حتى الآن لم يطرح سوى التفاصيل الاقتصادية على طاولة المناقشات.

يُبدي الكاتبان شكّهما في أن يرى الشق السياسي من الخطة الذي طال انتظاره النور أبدًا. ففي الوقت الذي ما تزال فيه التفاصيل الكاملة لخطة كوشنر طيّ الكتمان، تشير التعليقات المتداولة لأعضاء إدارة ترامب والسياسات التي تتبعها إلى الوقت الراهن إلى أنَّ الجزء السياسي من الخطة سوف يأتي على حقوق الفلسطينيين، ضاربًا بها عرض الحائط، ومتجاهلًا المبادئ الأساسية للقانون الدولي (مثل مبدأ عدم جواز الاستيلاء على أراضي الآخرين بالقوة)، ومتخلّيًا عن المعايير المقرَّرة التي تقوم عليها فكرة وجود دولتين ذواتي سيادة.

بدلًا من ذلك، يبدو أنَّ ما سيتم عرضه في البحرين، بحسب المقال، أقرب ما يكون إلى ما أطلق عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «السلام الاقتصادي». تقوم هذه الفكرة على افتراضٍ مفاده أنَّ إدخال تحسيناتٍ معتبرة على الظروف المعيشية للفلسطينيين يمكن أن يصبح بديلًا لسلوك مساراتٍ مجدية نحو حصول الفلسطينيين على حق تقرير المصير وحق العودة للاجئين. وقد برز هذا الاعتقاد في المقابلات الأخيرة التي عقدها كوشنر، وكذلك التي جرت مع محامي قضايا الإفلاس ومستشار حملة ترامب السابق ديفيد فريدمان، السفير الأمريكي الحالي لإسرائيل.

ورغم أنَّ المقاربة الاقتصادية قد لا تؤدي إلى إبرام اتفاقية سلامٍ نهائي، فإنَّ الحجة التي قال بها المؤيدون لها في بعض العواصم الأوروبية، وفي ذلك المقال الذي نشرته مجلة «فورين بوليسي»، هي أنَّها يمكن أن تسهم على الأقل في استقرار الوضع في الأراضي الفلسطينية. وبطبيعة الحال، فإنَّ بعض المسؤولين الأوروبيين سوف يبذلون قصارى جهدهم في سبيل إيجاد عناصر إيجابية في الخطة الأمريكية يمكن البناء عليها أو التعامل معها.

غير أنَّه، لسوء الحظ، يرى الباحثان أنَّ التعامل شديد السوء مع القضية الفلسطينية من قبل إدارة ترامب، واستخفافها بالحساسيات الفلسطينية، قد جعل أي مقاربة تدعو إلى الاستقرار على أساسٍ اقتصادي محكوم عليها بالفشل قبل السير فيها.

يستعرض المقال أسباب ذلك الرأي، فيقول إنَّ الولايات المتحدة، التي بدأت أولًا بإظهار العصا للفلسطينيين عن طريق قطع التمويلات عن مؤسساتهم وبرامجهم الإنمائية ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين، وكذلك إغلاق مكتب بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، جعلت من الطبيعي أن تبدو الجزرة التي توشك الآن على إظهارها للفلسطينيين غير جذابة بالنسبة إليهم على الإطلاق.

وزيادةً على ذلك، فإنَّ محاولات الولايات المتحدة إقصاء الحركة الوطنية الفلسطينية من خلال مغازلة عددٍ من الشخصيات الهامشية التي لها صلاتٌ مع المستوطنين الإسرائيليين قد أتت بنتائج عكسية. ومن ثم لم يعد الرفض الصريح للخطة الأمريكية هو الموقف المُعلن للقيادة الفلسطينية فحسب، بل غدا الرأي السائد بين الغالبية العظمى من مجتمع الأعمال الفلسطيني أيضًا.

فيشير المقال إلى أنَّ التقديرات الأخيرة تقول إنَّ الرأي العام الفلسطيني يعارض بشدة المبادرة الأمريكية. إذ يعتقد 79% من فلسطينيي الضفة الغربية وغزة أنَّ السلطة الفلسطينية ينبغي عليها أن ترفض الخطة الأمريكية. لذلك، فإنَّه لن يكون ثمة وجود فلسطيني ذي اعتبار في مؤتمر المنامة. ورجال الأعمال القليلون الذين يُتوقع حضورهم هم من الشخصيات التي تعد هامشيةً إلى حدٍ كبير، ومنبوذة من الفلسطينيين منذ أمدٍ طويل.

تاريخ من إخفاقات المبادرات التي تتجاهل الجوانب السياسية

يرى الكاتبان أنَّه لا مفاجأة في توقُّع فشل الخطة إذا استحضرنا أنَّ ذلك النوع من مقاربات «الاقتصاد أولًا، والسياسة لاحقًا» قد جرت تجربته، وفشل لمراتٍ عديدة. ففي عام 1967، على سبيل المثال، حاول وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشيه دايان كسرَ حدة الطموحات السياسية الفلسطينية، من خلال عرض توفير فرص عمل للفلسطينيين داخل إسرائيل، ودعم الاستثمار الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

Embed from Getty Images

هذا بالإضافة إلى أنَّ عروض توفير فرص العمل في المستوطنات، لم تزل تُطرح على الفلسطينيين منذ منتصف السبعينيات. وقد شهدت فتراتٌ تالية جهودًا استثمارية دولية كبرى في الضفة الغربية، بُذلت لدعم مساعي السلام الأمريكية، ومنها تلك الجهود التي قام عليها رئيس الوزراء البريطاني السابق ومبعوث الرباعية الدولية توني بلير (وهو أحد المتحدثين في ورشة البحرين). ورغم ذلك، فلم تقد أيٌ من تلك الجهود إلى تحقيق تنمية مستدامة أو نمو اقتصادي، ولم ينجح أيٌ منها في الدفع بالفلسطينيين إلى نسيان تطلعاتهم الوطنية.

على أنَّ أيًا من تلك الخبرات لا يبدو أنَّه قد أزعج فريق السلام الأمريكي الذي يقوده كوشنر. فبحسب المقال، حرص الأخير على استحضار نماذج التنمية الاقتصادية، خاصةً النموذج الكوري الجنوبي، بوصفها مصدر إلهام يجدر بالفلسطينيين اتباعه.

وأعربت الحكومة الأمريكية مرارًا وتكرارًا عن الحاجة إلى إدخال تحسيناتٍ مؤسسية تفسح المجال أمام نموٍ اقتصادي فلسطيني، وتعزز من ثقة المستثمرين، على الرغم من أنَّ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كليهما يُعدان فلسطين جاهزةً لتصبح دولة. بيد أنَّ ذلك التركيز الكامل على التفاصيل الفنية للوضع الفلسطيني ينطوي على تجاهلٍ تام للسياق السياسي الكامن ورائه.

بعبارةٍ أخرى، يتجاهل حقيقة أنَّه، على خلاف الكوريين الجنوبيين، فإنَّ الفلسطينيين واقتصادهم يقعون تحت احتلالٍ عسكري.

ويرى الباحثان أنَّ الورشة المقامة في البحرين تستبدل بدعم السيادة الاقتصادية الفلسطينية تعزيز الاعتماد الاقتصادي الفلسطيني على إسرائيل على النحو المنصوص عليه في بروتوكول/اتفاقية باريس 1994، الذي تناول العلاقات الاقتصادية بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

فعلى سبيل المثال، يحظر البروتوكول على الفلسطينيين امتلاك عملة أو سياسات نقدية خاصة بهم، ويجعل السلطة الفلسطينية معتمدةً على إسرائيل في إدارة الصادرات والواردات الفلسطينية، وفي تحصيل ضرائب القيمة المضافة، والمدفوعات الجمركية نيابةً عنها. وهي ترتيبات استخدمتها إسرائيل بعد ذلك لسنوات للضغط على السلطة الفلسطينية بشأن قضايا سياسية عديدة.

ويشير المقال إلى أنَّ رغبة الولايات المتحدة في وضع التحديات السياسية جانبًا، وقصر تركيزها على الجوانب الفنية، يُعبِّر عن التصور المطروح عن غزة من قبل إدارة ترامب، الذي خرجت به العام الماضي خلال جلسة العصف الذهني التي عُقدت مع دبلوماسيين أجانب في البيت الأبيض. فقد قللت تلك الجلسة من شأن التعقيدات الناجمة عن تقديم الدعم المالي لغزة في مواجهة الانقسامات الداخلية بين السلطة الفلسطينية وحماس، والقيود الإسرائيلية المفروضة على القطاع.

ويلفت الكاتبان الانتباه إلى أنه بدون وجود جهة سياسية مستقرة تشرف على عملية توجيه الاستثمارات الدولية، فإنَّه ليس هناك ما يضمن أنَّ إدارة ترامب ستسعى إلى تمويل ومساندة مشروعات تعمل بحقٍ على مساعدة الفلسطينيين أو دعم حل الدولتين.

بل قد ينتهي الأمر إلى تمويل أنشطة الاستيطان الإسرائيلية غير القانونية بموجب القانون الدولي، إذا وضعنا في الاعتبار ذلك الدفع الأمريكي لتعميق الروابط التجارية بين المستوطنين الإسرائيليين ورجال الأعمال الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، على نمط تلك الروابط التي نشأت من خلال «غرفة تجارة وصناعة يهودا والسامرة» التابعة للمستوطنين.

قيود الاحتلال

وفقًا للمقال، تكمن المشكلة الاقتصادية الرئيسة في المسار الاقتصادي البحت في أنَّه حتى في حالة نيل ذلك المسار موافقة الجانب الفلسطيني، فإنَّ القيود الناشئة عن نظام الاحتلال الإسرائيلي ستظل تعرقل التنمية الاقتصادية، وتثبط من مساعي مستثمري القطاع الخاص.

Embed from Getty Images

ويستدل الكاتبان على ذلك بالوضع في الضفة الغربية. فالقيود التي فرضتها إسرائيل على استخدام الموارد، وعمليات البناء والتخطيط، والحركة الحرة للبضائع والأفراد، أعاقت نمو الاقتصاد، وأدّت إلى إقامة اقتصادٍ فلسطيني بطيء النمو، شديد الاعتماد على المساعدات.

ووفقًا للبنك الدولي، فإنَّ السماح للفلسطينيين باستخدام الموارد الطبيعية المتوفرة في المنطقة ج (نحو 60% من أراضي الضفة الغربية الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة) سيضيف ما يصل إلى 3.4 مليار دولار (ما يعدل 35% إضافية) إلى إجمالي الناتج المحلي الفلسطيني، ويوفر زيادة قدرها 35% في معدلات الوظائف. وزد على ذلك أنَّه وفقًا لتقرير آخر صادر عن البنك الدولي، فإنَّ بروتوكول باريس 1994 يحرم السلطة الفلسطينية من مبلغ آخر يصل إلى نحو 285 مليون دولار (2.2% من إجمالي الناتج المحلي) سنويًا.

وينتقل المقال إلى غزة، حيث تراجعت خطة البنك الدولي 2004-2005 للتنمية الاقتصادية التي أيّدها الاقتصادي الأمريكي جيمس وولفنسون في أعقاب سحب إسرائيل المستوطنين من القطاع، بسبب عدم رغبتها في رفع القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع من وإلى غزة، وعدم التزامها بالتنفيذ الكامل لاتفاق 2005 بشأن حرية الحركة وإمكانية الوصول إلى القطاع.

وبعد فوز حماس في الانتخابات عام 2006، وسيطرتها اللاحقة على غزة، فرضت إسرائيل ومصر عليها حصارًا شاملًا. وانهار على إثره الاقتصاد الموجه للتصدير في غزة، وأمسى سكان غزة مجرد متلقين يعتمدون على المساعدات.

ومن ثم فإنَّ الكاتبين يقولان إنَّ الولايات المتحدة لو كانت صادقةً في رغبتها في تحسين الاقتصاد الفلسطيني، لكان عليها استخدام نفوذها وعلاقاتها الوثيقة بإسرائيل، لكي تخفف من تلك القيود التي تفرضها على الفلسطينيين. كما كان عليها التصريح بالرؤية السياسية التي ينبغي أن توجه خطة التنمية الاقتصادية.

غير أنَّ إخفاق الولايات المتحدة في القيام بأيٍ من تلك الأشياء يشير إما إلى سذاجة عميقة في ما يتعلق بما يمكن تحقيقه في ظل الظروف الحالية، وإما إلى أن البيت الأبيض يرى في ورشة البحرين، في المقام الأول، وسيلةً لمعاقبة السلطة الفلسطينية، وعزلها دوليًا.

إلا أنَّه في كلتا الحالتين، ففي تقديرهما تلك المساعي الأمريكية تخاطر بتصعيد الموقف المتوتر بالفعل، وتوفر غطاءً للحكومة الإسرائيلية لضم المزيد من أراضي الضفة الغربية، وترسيخ واقع الدولة الواحدة بما ينطوي عليه من عدم المساواة في الحقوق بالنسبة إلى الفلسطينيين تحت احتلالٍ إسرائيلي طويل الأمد.

ثم يتوجه الباحثان بالحديث إلى القادة الأوروبيين، الذي يرى أنَّ تصرفاتهم في أعقاب مؤتمر البحرين قد تقرر مصير الخطة الأمريكية، ومن ثم قد تكون حاسمةً في تحديد ما إذا كانت ستُقبل أم لا كنقطة مرجعية جديدة لنهج المجتمع الدولي في التعامل مع الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

ويخلُص أسيبرج ولوفات إلى أنَّ القادة الأوروبيين عليهم أن يتعاملوا مع الخطة الاقتصادية الأمريكية فقط إذا كانت متضمنةً في صفقة تحقق حق الشعبين في تقرير المصير الوطني، وتضمن الحقوق الكاملة للإسرائيليين والفلسطينيين بما يتوافق مع القانون الدولي، وينجز حق العودة للفلسطينيين في صورةٍ تحترم كلًا من حق الاختيار الفردي للاجئين، وسيادة الدول. أما إذا أخفقت خطة كوشنر في تحقيق ذلك، فإنَّ على الأوروبيين أن يرفضوا القيام بأي دورٍ في تمويلٍ يُطيل أمد الاحتلال الإسرائيلي أو يُسهم في ضمه المزيد من الأراضي.

«واشنطن بوست»: الأردن ربما يواجه أزمة هوية بسبب صفقة القرن

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد