زيادة الأجرة قد تكون بمثابة مسكن مؤقت بالنسبة لشبكة الشاحنات وسيارات الأجرة التي تواجه فيروس كورونا والتضخم والافتقار إلى مساعدة الحكومة.

كتب كريم شهيب وكلوي بينوا تقريرًا في موقع ميدل إيست آي حول الصعوبات التي تواجه قطاع النقل العام في لبنان، الذي تأثر سلبًا بالأزمة الاقتصادية وفيروس كورونا، فضلًا عن غياب الدعم من الدولة، وإن كان أحد العاملين البارزين في المجال يرى أن الأوضاع في لبنان يمكن أن تؤدي إلى إحداث تحول إيجابي كبير في هذا الجانب، لأن قلة فقط من اللبنانيين يستطيعون الآن تحمل نفقات السيارات الخاصة.

يستهل التقرير مع أبي سليمان، الذي يقود شاحنة عامة منذ 15 عامًا، ويسلك الطريق الطويل نفسه كل يوم من وادي خالد في محافظة عكار في أقصى شمال لبنان على طول الحدود السورية إلى جسر الكولا في بيروت.

ومثل سائقي النقل العام الآخرين في لبنان، اضطر أبو سليمان إلى التوقف عن العمل والبقاء في المنزل أثناء الإغلاق المفروض بسبب فيروس كورونا، الذي بدأ في مارس (آذار) وجرى تخفيفه على مراحل مختلفة منذ أوائل مايو (أيار)، قبل رفع القيود المفروضة على حركة المركبات في كل أنحاء البلاد بحلول منتصف يونيو (حزيران).

وقال أبو سليمان لميدل إيست آي: «الكثير من الناس يركبون شاحنتي للتوجه إلى عملهم في بيروت. ولكن خلال الأسبوعين الماضيين، لم يكن هناك سوى قلة من الركاب». غير أن مخاوف السائق تتجاوز الجائحة، فيما تواصل أزمة لبنان الاقتصادية المُعَوِّقة الانزلاق إلى الأسوأ.

وتوقع وزير الاقتصاد راؤول نعمة أن يهبط 60 في المئة من السكان إلى ما دون خط الفقر بحلول نهاية العام. وبدون نظام نقل عام مدعوم من الدولة في لبنان، يلفت التقرير إلى أن الشاحنات الصغيرة غير الرسمية والحافلات الصغيرة وسيارات الأجرة المشتركة المعروفة باسم «السرفيس» تعد هي الخيار الأسهل في تحمل التكلفة للتنقل بالنسبة للكثير من السكان.

لكن العمل أصبح على نحو متزايد غير مستدام، وفقًا لما ذكره سائقو الشاحنات والخدمات لميدل إيست آي، فيما تعتبر الزيادة الأخيرة في الأجرة غير كافية لمعالجة مدى الأزمة الاقتصادية وتعويض الافتقار إلى دعم مؤسسي للقطاع.

عربي

منذ شهر
«الجارديان»: اللبنانيون يبيعون أثاثهم من أجل الطعام.. إلى أين وصلت الأزمة؟

مع زيادة الأجرة يتناقص الدخل

ومثل سائقي الشاحنات الآخرين، يحصل أبو سليمان عادة على ألف ليرة لبنانية، وأكثر قليلًا من ذلك لمن يسافرون إلى بيروت. وتقدر قيمة العملة اللبنانية، المثبتة منذ وقت طويل عند سعر صرف رسمي 1500 ليرة مقابل الدولار الواحد، مما يعني أنه مقابل كل رحلة لراكب، سيكسب فقط 0.66 دولارًا بسعر الصرف الرسمي.

Embed from Getty Images

غير أن الانخفاض الشديد في قيمة العملة المحلية في السوق السوداء على مدى الأشهر التسعة الماضية يعني أنه يكسب الآن بالفعل أقل قليلًا من 0.13 دولارًا لكل رحلة راكب.

وأدى نقص الدولار منذ شهر سبتمبر (أيلول) إلى خفض قيمة العملة المحلية باطراد، وصل الآن بنحو 80 في المئة، وصاحب ذلك تضخمًا متقطعًا وخارجًا عن السيطرة في السوق اللبنانية.

وتحاول البلاد الآن بشق الأنفس استيراد القمح والوقود والأدوية، في حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 56 في المئة على الأقل، وفقًا لما يورده برنامج الغذاء العالمي.

وأعلن وزير الأشغال العامة والنقل ميشال نجار يوم الأربعاء عن زيادة رسوم النقل العام بما يمكن أن يزيد من تكلفة رحلة قياسية في خدمة النقل من ألفي ليرة إلى 3 آلاف ليرة، وللسيارات والشاحنات مثل أبي سليمان من ألف ليرة إلى 1500 ليرة. ويمثل هذا الإعلان أول زيادة في الأجرة منذ عام 2008.

غير أن ارتفاع أجرة النقل العام لا تعوض هبوط قيمة الليرة اللبنانية. ذلك أن الرحلة التي تتكلف ألفي ليرة في «السرفيس» كانت قيمتها تبلغ 1.33 دولارًا في سبتمبر. والآن، لا تتجاوز قيمة الرحلة نفسها التي تكلف 3 آلاف ليرة 0.33 دولارًا، وهو ما يعادل ربع قيمتها السابقة.

وفقًا لوثيقة الأسعار الجديدة التي حصل عليها موقع ميدل إيست آي، تتكلف رحلة من محافظة عكار إلى بيروت ما يقارب 0.63 دولارًا.

وقال مروان فياض رئيس الاتحاد العام لنقابات السائقين وعمال النقل في لبنان لميدل إيست آي، إن هذا حل «وسط» لكل من السائقين والزبائن.

وأضاف فياض: «قام المدير العام للنقل بوزارة الأشغال العامة والنقل بدراسة مع الخبراء أوصت بأن يرتفع سعر الرحلة العادية بين 3 إلى 4 آلاف»، موضحًا أن ذلك يأخذ في الاعتبار تكلفة المعيشة والصيانة المتزايدة. وتابع قائلًا: «وافقنا على 3 آلاف».

ينتقل التقرير إلى شادي فرج، المشارك في تأسيس جمعية المجتمع المدني «حقوق الركاب»، والذي يصف رفع الأجرة بأنها خيار صعب، بالنظر إلى الانتشار الواسع والتأثير الذي خلفته الأزمة الاقتصادية في هذا الوقت القصير.

وقال لميدل إيست آي «السائقون بحاجة إلى الزيادة، ولكن من منظور الراكب، لا يستطيع الكثير تحملها». ولاحظ فرج أيضًا أن «آراء الركاب» لم تؤخذ في الاعتبار عند تحديد ارتفاع الأجرة.

التشغيل بخسارة

يقول التقرير: حين تضافرت عواقب الجائحة والأزمة الاقتصادية كان لها تأثير مدمر على قدرة السائقين على كسب معاشهم. وفي ظل الافتقار إلى الدعم الحكومي أو النقابي للسائقين، يقول فرج إن منظمة «حقوق الركاب»، وهي منظمة تركز على عدالة التنقل وتدافع عن النقل العام في لبنان، كان عليها أن تتدخل عندما ظهر كوفيد-19 للمرة الأولى في البلاد.

Embed from Getty Images

قدمت المنظمة دروعًا وكمامات وجه للسائقين، وساعدتهم على تنفيذ إجراءات وبروتوكولات السلامة الصحية في سياراتهم. كما أطلقت المنظمة حملة لجمع التبرعات للمساعدة في تخفيف خسارة السائقين لإيراداتهم أثناء الجائحة. وتابع فرج: «نحن الآن نحاول إدارة أزمة مزدوجة: فيروس كورونا والأزمة الاقتصادية».

وقال أمين، وهو سائق «سيرفيس» في بيروت: إن إيراده اليومي الآن أقل من أي وقت مضى. وأضاف «لا يمكننا الآن أن نضمن الحصول على 60 أو 70 ألف ليرة (الآن تساوي نحو 7.50 دولار) يوميًا – أو 100 ألف (حوالي 12 دولار) بحد أقصى إذا ما عملت ساعات إضافية».

وأوضح أنه لم يشهد شيئًا كهذا خلال 30 عامًا من العمل سائقًا. وتابع «ليس لدينا فكرة في الواقع عما يجب أن نتوقعه حول كيفية تعامل الحكومة مع تغيير الأسعار وغيره».

يعود التقرير إلى عكار؛ حيث كان العديد من زبائن أبي سليمان يعملون في مجال الغذاء والمشروبات لكنهم خسروا وظائفهم الآن، ويخشى هو أن يستمر التدهور، إذ تستمر البطالة المتفشية في العصف بلبنان الذي يعاني اقتصاديًا.

وسوف يستمر أبو سليمان وزملاؤه من السائقين في العمل بخسارة، فيما يثقل كاهلهم بفاتورة مرتفعة للإنفاق على أسرهم ومركباتهم، حسبما يقول التقرير.

ولم ترهق الزيادات الهائلة في أسعار غالبية السلع في لبنان سائقي النقل العام بحسب، بل كبلتهم. ويقول فياض عن ذلك: «كان تغيير زيت المركبة يتكلف سبعة آلاف ليرة، الآن يتكلف 45 ألف ليرة».

والعديد من السائقين لا يكسبون الآن ما يكفي لملء خزان وقود مركباتهم. وهو ما يقول عنه أبو سليمان «قرر أحد زملائي إعادة الشاحنة التي استأجرها لمالكها بسبب قلة الزبائن. إذ ينتهي الأمر بنا إلى دفع ثمن الوقود من جيوبنا».

وفي حين أعلن وزير الاقتصاد راؤول نعمة مؤخرًا أن لبنان سوف يدعم 300 سلعة من المواد الغذائية، أعرب فياض عن أمله أن يكون هناك دعم لقطع غيار السيارات وبنود أخرى، وهو ما يمكن أن يخفف تكاليف الصيانة والتشغيل.

لكن فياض استدرك بلهجة يكسوها الإحباط لميدل إيست آي «وزارة الاقتصاد قالت لا. إنهم يعيشون في عالم آخر. يعيشون على القمر».

وردد بسام طليس وهو رئيس اتحاد نقل منافس أفكار فياض في مؤتمر صحفي يوم الأربعاء. وقال «لا أفهم كيف يمكن أن يكون الكاجو أو الفستق أكثر أهمية».

الأزمات وقود التغيير

يتزايد التوتر منذ بعض الوقت بين السائقين في لبنان. ففي أواخر مارس، أضرم سائق سيارة أجرة في بيروت النار في سيارته بعد تغريمه لمخالفته بروتوكول كوفيد-19. وبينما كان يحاول أن يضرم النار في نفسه، أوقفه المارة الذين راعهم المشهد.

Embed from Getty Images

يتابع التقرير: منذ ذلك الحين لم تزدد الأمور إلا سوءًا. قام سائقو سيارات الأجرة وسائقو النقل العام الآخرون باحتجاجات في بيروت في الأسابيع الأخيرة، غالبًا أمام مقر وزارة الداخلية بالقرب من حي وسط العاصمة، مطالبين الحكومة بدعم التكلفة المتزايدة وتقديم حوافز مالية للمساعدة في مواجهة الأزمة الاقتصادية.

وقال فرج: إن النقل العام في لبنان الذي يعامل منذ فترة طويلة على أنه «للعمال والفقراء فقط»، قد ينتهي به المطاف إلى تحول كبير بسبب الانكماش الاقتصادي، فيما لا يتمكن سوى عدد أقل من اللبنانيين من تحمل شراء السيارات أو صيانتها.

وتابع فرج أنه على مدار سنوات، دفعت جمعية حقوق الركاب إلى «دمج عادل» لشبكة النقل العام غير الرسمية في نظام وطني رسمي، والآن حان الوقت لكي تدفع السلطات اللبنانية من أجل تبني مثل هذه الإجراءات.

وأردف قائلًا: «إن الأزمات هي وقود التغيير، لكن كيف سنتعامل مع هذا التغيير، هذا هو السؤال الرئيسي. يجب أن يولوا اهتمامًا- كحكومة وبلديات- بالنظام… والبدء في زيادة الاستثمار في تلك الأنظمة (غير الرسمية) الآن، وتوفير المزيد من الوعي للناس، ومنحهم المزيد من الحوافز».

وأضاف «يمكنهم العمل بمئة طريقة، ولكن يجب أن يبدأوا في مكان ما»، وأشار فرج أنه نتيجة عدم تطوير نظام نقل عام وطني، وعدم دعم النظام غير الرسمي في أوقات الأزمات، دفعت الحكومة اللبنانية السائقين إلى رفع أسعارهم من أجل مواكبة الاقتصاد المتصاعد.

وتابع «إن الناس هم الذين يدفعون» للحفاظ على هذه الصناعة الحيوية قيد التشغيل، «وليس الحكومة». واستطرد «نحن نقوم بعملهم … لماذا لا يقومون هم بذلك؟».

وعبر أمين، مثل الكثير من السائقين الآخرين، عن قلقه من الافتقار إلى الفوائد التي يحصلون عليها من كونهم مسجلين في واحدة من نقابات النقل العديدة في البلاد. وقال لميدل إيست آي «أنا في النقابة، ولا أحصل على أي فوائد. لا شيء».

وردد فرج مخاوف مماثلة حول دور نقابات السائقين المتعددة في البلاد، التي تنقسم على طول خطوط سياسية. وسأل: «أين الأموال للسائقين؟ وأين كانت هذه النقابات أثناء فيروس كورونا؟ هل حاولوا مساعدة السائقين بالطريقة التي حاولنا مساعدتهم بها؟».

في الوقت الحالي تبدو الصورة قاتمة بالنسبة لسائقي النقل العام في لبنان. وكثير منهم ينهون الآن إيجار مركباتهم وينتظرون أيامًا أفضل. ووصل الأمر إلى نقطة لم يعد فيها العمل مستديمًا من الناحية المالية أكثر من المكوث في المنزل.

وختم التقرير بقول أبي سليمان: «لكي أكون أمينًا لا أدري ما هو الحل؟ آمل أن تساعد الدولة ببعض التعويضات. الأمور لا تسير على ما يرام».

عربي

منذ 3 أسابيع
«فورين بوليسي»: لماذا تريد الصين إنقاذ لبنان من عثرته؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد