عندما انطلق قطار يوروستار من لندن إلى باريس عبر نفق المانش، لم أستطِع منع نفسي من التفكير في آلاف المهاجرين الذين يعانون على جانبي القناة. تكافح الأنظمة السياسية المحلية والإقليمية مرةً ثانيةً للتكيُّف مع مأساة إنسانية متفاقمة، وتتضمَّن آثارها الجانبية عرقلةً للتجارة، ويؤجِّج كل هذا أزمة سياسية.

إنَّ اقتصاديات أزمة المهاجرين في القناة واضحة إلى حدٍّ ما، فهي تتعلَّق في الأساس بالعَرض والطلب والفشل التنظيمي. كما تُلقي بالضوء على الحلول المُحتمَلة، على الرغم من أنَّها ستستغرق وقتًا لكي تتحقَّق.

تُزيد من عَرض المهاجرين إلى أوروبا موجاتٌ من الهاربين من الشقاء الاجتماعي والاقتصادي في أوطانهم، وفي بعض الحالات، من القمع السياسي والاضطهاد والعنف، يفعلون ذلك أملًا في مستقبل أفضل لأنفسهم ولأبنائهم. إنَّ ما يضاعف من إغراء البعض ليحاولوا قطع كل هذا الطريق إلى المملكة المتحدة، بعد عبور البحر الذي يكون غالبًا محفوفًا بالمخاطر ورحلة عبر أنحاء أوروبا الغربية، هو جاذبية الاقتصاد ذي نسبة البطالة المنخفضة والخدمات الاجتماعية الشاملة، والدولة التي يعرف الكثيرون لغتها بالفعل.

على الرغم من ازدياد عَرض المهاجرين، إلَّا أنَّ الطلب على العمالة المهاجرة قد سار في الاتجاه المعاكس. فقد زادت القوانين الحازمة من صعوبة توظيف أصحاب العمل لعُمَّال غير نظاميين وخطورته، وتضاءل الطلب أكثر مع وجود معدل بطالة أكثر من 10 بالمئة في أوروبا.

ليس اختلال التوازن بين العَرض والطلب اختلالًا يمكن أن تعالجه آلية الأسواق الموازِنَة العادية، فالأجور التعادلية – وهي الأسعار التي قد تُقلِّل من التحفيز على الهجرة بينما تُسهِّل من امتصاص أولئك الذين ما زالوا يميلون إلى المخاطرة بحياتهم- أقل من الحد الأدنى للأجور المنتشر في أنحاء أوروبا، وأي انخفاض كبير في الأجور سيشمل عرقلة اجتماعية كبيرة وغير مقبولة للسكان المحليين في أوروبا.

كما لا تساعد الأنظمة التنظيمية كثيرًا، فهي مضغوطة في مراحل متعددة، من الدول الأصلية حتى نقاط العبور والدخول إلى أوروبا، وحتى المقاصد النهائية. وعندما تساعد الحواجز المادية – مثل القناة الإنجليزية- النظام التنظيمي، توجد علامات واضحة للجميع على يأس المهاجرين وحرمانهم. وخلال هذه العملية يتعطَّل النقل البري لجميع أنواع البضائع، ممَّا يتسبَّب في خسائر اقتصادية خطيرة. يتعفَّن الطعام على الشاحنات بانتظار عبور القناة، وتُشَلّ حركة السيارات ممَّا يُعطِّل سلاسل الإمدادات، ويخضع النقل الخاص، بما في ذلك النقل السياحي، لتأخيرات طويلة بسبب الطُرُق المكتظة والفحوص الأمنية الزائدة. وحتى إذا كانت الرغبة موجودة، فإنَّ شبكات الأمان الاجتماعي ضعيفة بدرجةٍ لا تسمح بالتكيُّف مع المآسي الإنسانية التي تتطوَّر كل يوم.

يُزيد كل هذا من الضغوط على السياسيين ليحلُّوا المشكلة، ومع ذلك ما تزال الحلول الفعالة غائبة عنهم، على المستويين المحلي والإقليمي.

ليست هذه المشكلة من المشاكل التي ستزول قريبًا، وذلك لسبب بسيط مُحبِط، وهو أنَّ اقتصاديات هذا الموقف المأساوي تدعو إلى حلٍّ تعاوني شامل، ولكن أفضل ما يستطيع النظام السياسي الوصول إليه هو منهج تدريجي مع تنسيق ضعيف. وهو ناتج يمكنه في أفضل الأحوال تخفيف بعض المشاكل، ولكنَّه لن يحلّها بأسلوب حاسم ودائم.

في عالم مثالي، كان التعاون الهام سيصحب المناهج المحلية المُتجدِّدة، ليس فقط بين الدول الأوروبية التي تُمثِّل مقصدًا، ولكن أيضًا بينها وبين دول الموطن الأصلية وتلك الدول التي يسافر عبرها المهاجرون غير النظاميين. ولكن للأسف وممَّا يُثير الأسى، قد يكون هذا على الأرجح أكثر ممَّا يجب توقُّعه في عالم تكافح أوروبا فيه لحل مشاكلها الداخلية، بما في ذلك أزمة اليونان، بينما الدول التي يهرب منها الكثير من المهاجرين هشَّة، وبعضها على وشك أن يصبح دولًا فاشلة، إن لم يكُن قد أصبح كذلك بالفعل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد