نشر موقع «معهد الشرق الأوسط» مقالًا لمارسيلو بوناتو، المؤسس المشارك لمنظمة ري كوديد (Re: Coded)، وهي منظمة غير ربحية تقوم بتدريب الشباب في الشرق الأوسط لبدء حياتهم المهنية في مجال التكنولوجيا، أشار فيه إلى أوجه تراجع التعليم في المنطقة وكيف يمكن الارتقاء به مع الأخذ في الاعتبار ما أحدثته جائحة كورونا في مفهوم التعليم.

ويستهل الكاتب مقاله بالقول إن شبكة الإنترنت تعيد تشكيل الطريقة التي نتعلم بها. وقبل اندلاع أزمة كوفيد-19، كانت فكرة التعلم عبر الإنترنت مطروحةً بالفعل وتترسخ بسرعة. وشهد العقد الماضي صعود دورات التدريس المفتوحة عبر الإنترنت (MOOCs)، وإنشاء أسواق عبر الإنترنت للتعليم، وبدائل جديدة للكليات مثل معسكرات تدريب المستجدين على التشفير عبر الإنترنت. لكن الجائحة هزَّت أسس صناعة التعلم وتَعِد السنوات العشر القادمة بإحداث ثورة في التعليم.

تعليم

منذ شهرين
«الجارديان»: 1.5 مليار طفل قد يفقدون فرصهم في التعليم بسبب الجائحة

إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تنتظر فرصةً للارتقاء إلى حدود الاقتصاد الرقمي. وستتطلب هذه القفزة إلى الأمام جهودًا متضافرة لإجراء تغييرات مطلوبة منذ أمدٍ بعيدٍ في الأنظمة التعليمية، وخلق بيئة أفضل للأعمال التجارية الجديدة، لا سيما في تكنولوجيا التعليم (EdTech)، والاستثمار بكثافة في البنية التحتية لشبكة الإنترنت ذات النطاق العريض على نطاقٍ واسعٍ.

وضع التعليم الحالي

ويمضي الكاتب إلى أن الوضع الحالي للتعليم في المنطقة هو مؤشر كئيب على فشل أنظمة التعلم، مما يجعل المضي قدمًا إلى الأمام صعبًا. ووفقًا لمنظمة اليونيسف، لم يلتحق واحد من بين كل خمسة أطفال بالمدرسة قبل الجائحة. وأدَّى إغلاق المدارس نتيجةً لاحتياطات السلامة من كوفيد-19 إلى تفاقم الوضع، إذ تشير التقديرات إلى توقف 100 مليون طالب تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عامًا عن حضور الفصول الدراسية. بالإضافة إلى ذلك، خلَّفت النزاعات المسلحة في سوريا والعراق واليمن أكثر من 14 مليون طالب دون أي تعليم.

وهذا المزيج من الجائحة العالمية والحرب والتعليم المنخفض الجودة يعد أمرًا مثيرًا للقلق على نحوٍ خاص للمنطقة التي كان أداؤها تاريخيًّا يرزح في قاع التقييمات الدولية لنتائج التعلم، مثل التقدم في الدراسة الدولية لمحو الأمية (PIRLS) والاتجاهات في الدراسة العالمية للرياضيات والعلوم (TIMSS).

في حين أنه لا يوجد شك في أن جزءًا من الدفع نحو تعلم أفضل يتطلب الاستثمار في السنوات الأولى والصفوف الأولى، فإن الأولوية العاجلة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يجب أن تكون إحداث تحول في التعليم ما بعد الثانوي. وتعد معدلات بطالة الشباب في المنطقة هي الأعلى في العالم لأكثر من عقدين، إذ وصلت إلى 30% في عام 2017.

Embed from Getty Images

ويرجع ذلك جزئيًّا إلى عدم التوافق بين المهارات ومتطلبات سوق العمل في المنطقة، إذ يعتقد 60% من الرؤساء التنفيذيين أن أنظمة التعليم تفشل في تزويد الطلاب بالمهارات المناسبة للتوظيف.

نقلة نوعية للتعليم ما بعد الثانوي

كان عام 2020 هو عام الكشف عن التعليم العالي على مستوى العالم. وخلال الجائحة، كافحت الجامعات للتكيُّف بسرعة مع الأوضاع الجديدة، فحوَّلت البرامج عبر الإنترنت كما كانت من قبل، دون إعادة التفكير في أصول التدريس وتجربة المتعلم من أجل شكل جديد مع الاستمرار في فرض الرسوم الدراسية نفسها على الطلاب.

ويوضح الكاتب أن الجانب الذي كانت مؤسسات التعليم العالي بطيئة في فهمه هو أن العالم اليوم مختلف تمامًا عن ذلك الذي صُممت الجامعة لخدمته منذ أكثر من قرنٍ مضى. وُلد التعليم كما نعرفه مع الثورة الصناعية الأولى، عندما كان الهدف تدريب قوة عاملة منضبطة للمصانع الجديدة. ولكن مع عصر الإنترنت، ظهر نوع جديد من الطلاب، وهو نوع يسيطر أكثر على تعلمه. ويجب ألا يهتم مسؤولو التربية في القرن الحادي والعشرين بالسيطرة والسلطة، بل بالأحرى يحب أن يهتموا بالتفكير النقدي والتعلم القائم على المشروعات والإبداع. وما يسمى «بالجيل زد» الذي يلي جيل الألفية، المولود بعد عام 1996، يتوقع من التعليم ما هو أكثر من الحفظ عن ظهر قلب. ولديهم تفضيل قوي للتعلم الذاتي وهم أكثر توجهًا نحو المهنة وريادة الأعمال.

 يقول الكاتب: يؤكد استطلاع عام 2021 الذي أجرته منظمتي غير الربحية، (Re: Coded)، مع 60 شابًا في ستة بلدان في الشرق الأوسط، أن الطلاب في المنطقة يطالبون بمزيد من التعليم الذي يتلقونه. وصرح حوالي 55% أنهم غير راضين أو غير راضين بالمرة عن تجربتهم الجامعية، وقال الجميع تقريبًا إنهم يعتقدون أنها لم تؤهلهم لمتطلبات مكان العمل الحديث.

كيف سيبدو مستقبل التعليم؟

سيُحدد مستقبل التعليم من خلال المحتوى والتكنولوجيا والإنترنت. وفي بيئة عمل شديدة التنافسية وسريعة التطور، سيصبح الجميع متعلمين عاملين، «دائمًا ما ينتقلون بين العمل والتعلم»، كما توضح الكاتبة ميشيل وايز في كتابها لعام 2021 «التعلم الطويل الأمد: الاستعداد لوظائف لم توجد بعد». ومن الناحية العملية، هذا يعني أن أنظمة التعليم يجب أن تتكيف لتقديم مسارات أكثر مرونة لتحسين المهارات وإعادة تشكيلها للطلاب والعاملين على حدٍ سواء.

Embed from Getty Images

وبدلًا من استهلاك التعليم في مجموعات في مؤسسات التعليم العالي، سيسعى الطلاب سعيًا متزايدًا لاكتساب أو تحسين المهارات التي يحركها السوق في وقتٍ أقصر وبأموال أقل. لقد أتاحت شبكة الإنترنت إمكانية إيجاد أسواق لأصغر المجالات، حيث تسمح نماذج التعلم عن طريق الممارسة بأن يحدث التعليم في كل مكان وفي أي وقت وأن يكون شديد التخصص. على سبيل المثال، تعمل معسكرات تدريب المستجدين على التشفير، مثل مدرسة لامبادا، والدورات التدريبية القائمة على المجموعات، مثل (AltMBA)، عبر الإنترنت بالكامل لفصول تضم ما يصل إلى 150 طالبًا وتعليم مهارات جاهزة للاستخدام في تطوير البرمجيات والتسويق، على التوالي، لجزء بسيط من الوقت والسعر لشهادة جامعية.

ويشير الكاتب إلى أن هذا لا يعني أن الشهادات الجامعية ستصبح بلا قيمة. لا يزال أرباب العمل في جميع أنحاء العالم، وخاصةً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يقدرون سمعة مؤسسة التعليم العالي. غير أنه سيتعين على الجامعات التكيُّف لتوفير نوعية أفضل من التعليم والاحتفاظ بالطلاب.

وعلى الرغم من التحديات التي تواجهها المنطقة، فإن هناك علامات واعدة على أن أنظمة التعليم بدأت في الاستجابة للتغييرات التي أحدثها فيروس كورونا. وفي مارس (آذار) 2020، تحركت وزارة التربية والتعليم في الأردن بسرعة لإطلاق منصة للتعليم الإلكتروني وقناتين تلفزيونيتين بالشراكة مع شركات تكنولوجيا التعليم وهي أبواب وموضوع 3 وجو أكاديمي. وفي الإمارات، أنشأت وزارة التربية والتعليم، بالتعاون مع جامعة حمدان بن محمد الذكية، دورة مجانية لتدريب المعلمين في غضون 24 ساعة فقط لتقديم التعليم عبر الإنترنت، حيث أكمل أكثر من 42 ألف شخص التدريب في الأسابيع القليلة الأولى.

التعليم في الشرق الأوسط: البنية التحتية

غير أنه للحفاظ على هذه المكاسب الصغيرة وتوسيع نطاقها، ستحتاج البلدان إلى الاستثمار في البنية التحتية والاضطلاع بتغييرات أكثر أهمية في أنظمة التعليم. واليوم، هناك ما يقرب من 280 مليون شخص في المنطقة (45% من السكان) متصلون بالإنترنت عبر الهاتف المحمول. وفيما يخص دولًا مثل السودان واليمن، تقل نسبة الوصول إلى الإنترنت عن 30%. ولا يزال الاتصال بالإنترنت يمثل أيضًا تحديًا في المناطق الريفية والمناطق المتضررة من النزاع، وكذلك في المناطق الحضرية خلال الأزمة الاقتصادية، مثل نقص الطاقة مؤخرًا في لبنان. وستكون شبكة الإنترنت ذات النطاق العريض سلعةً لا غنى عنها للتعليم في السنوات الخمس المقبلة، وستؤدي البنية التحتية المنهارة إلى حرمان المنطقة حرمانًا كبيرًا من إحراز تقدم في التدريس والتعلم.

Embed from Getty Images

ومع أنظمة التعليم، سيكون المسار ذا شقين: إصلاح المناهج الوطنية القديمة وإعادة تأهيل القوى العاملة القائمة بالتدريس. ولا تزال مجموعة الدورات المعروضة اليوم تعكس طلب السوق للتفضيلات التقليدية والأساليب النظرية. وفي (Re: Coded)، نقوم بتدريس طلاب جامعيين حاليين وسابقين في أربعة بلدان في الشرق الأوسط ممن يبدون القليل أو لا شيء من مهارات التشفير العملية قبل الانضمام إلى برامجنا. ولكن الأهم من ذلك، أن المناهج تحتاج أيضًا إلى التحديث لتعكس الاحتياجات المستقبلية. على سبيل المثال، قد يكون التكرار التالي لأنظمة التعلم مدعومًا بتقنية البلوكشين. ويمكن أن يساعد البلوكشين في تقليل حالات الاحتيال في التعليم، وتقديم مسارات جديدة للاعتماد، وإنشاء منصات تعليمية أفضل. غير أنه نادرًا ما تقوم الجامعات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بتدريسه.

إعادة تدريب المعلمين

أخيرًا، يجب إعادة تدريب المعلمين لتقديم تجربة تعليمية أقل اعتمادًا على التكرار والحفظ، وأكثر تركيزًا على حل المشكلات والتفكير النقدي والتعاون. ومن المهم أن ندرك أن المعلمين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفي جميع أنحاء العالم قاموا بعمل مذهل خلال الجائحة لتعليم الطلاب عبر الإنترنت.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
«عملة الدم».. تعدين العملات الرقمية في الصين يهدد البشرية

غير أن المرحلة التالية من التعليم ستتطلب التحول من المعلم بوصفه «الحكيم على المسرح» إلى «المرشد على الجانب» إلى «المتدخل في الوسط»، كما أوضحت الخبيرة التربوية إيريكا ماكويليام. ويجب أن يتعلم المهني القائم بالتدريس جنبًا إلى جنب مع الطلاب وأن يحسن التدريس باستمرار بناءً على البيانات والتعليقات من تلاميذه.

كان أفلاطون محقًا عندما قال إن الحاجة أم الاختراع. لقد دفعت أزمة فيروس كورونا بالفعل الحكومات والشركات إلى إجراء تحسينات طال انتظارها للتعليم في الشرق الأوسط وخارجه. ولن يستمر تأثير هذه الطاقة والحماس لمدة طويلة. ولكن لا يزال هناك متسع من الوقت لبلدان المنطقة لإعادة تشكيل التعليم في السنوات الخمس المقبلة والانضمام إلى الثورة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد