على مدار عدة عقود، كان التحالف بين مصر والسعودية بمثابة مرساة لنظام جيوسياسي موالٍ للغرب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد كانت المصالح والفرص المشتركة والمخاوف من التهديدات المشتركة في سبعينات القرن الماضي أسبابًا في تعزيز العلاقات القوية بين مصر، وهي الدولة العربية الأكثر سكانًا، والسعودية، التي تعتبر الدولة العربية الأكثر ثروة.

وقد واجهت مصر عدة تحديات أمنية وسياسية واقتصادية خلال السنوات الأخيرة، واعتمدت بشكل كبير على المساعدات المالية المقدمة من المملكة الغنية بالنفط. أما السعودية فقد عوّلت على مصر باعتبارها قوة عسكرية ذات خبرة للتصدي لما يصفه السعوديون بالتوسع الإيراني، وعملياتهم «العدوانية» في جميع أنحاء المنطقة.

لكن العلاقة بين القاهرة، والرياض تدهورت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، ففي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي قامت مصر بالتصويت في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لصالح القرار الروسي، الذي يدعو إلى وقف إطلاق النار في سوريا باستثناء حلب. كانت هذه الخطوة بمثابة خيانة غير متوقعة بالنسبة للسعودية، والتي ظلت لسنوات تعارض التحالف الذي نشأ في سوريا، والذي يضم روسيا وإيران وحزب الله اللبناني والنظام السوري. وقد تحدث المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة عبد الله المعلمي عن تصويت مصر لمشروع قرار روسيا واصفًا إياه بالمؤلم. بعد ذلك بأربعة أيام، أعلنت شركة أرامكو السعودية عن نيتها لوقف إمداد النفط لمصر، التي تعاني من أزمة في الطاقة.

تحولات إستراتيجية

 

تحت سطح هذه القرارات غير المسبوقة، هناك عدد من التطورات -في مصر والسعودية والمنطقة ككل- كانت سببًا في تزايد التوتر في العلاقات الثنائية بين البلدين. باختصار، القيادة الحالية في كل من مصر والسعودية، اللتان تعتبران الدولتين العربيتين السنيتين الرئيسيتين، لا ترى المنطقة بنفس الطريقة التي اعتادت رؤيتها في فترة حكم حسني مبارك، والملك عبد الله.

كان من الأسباب الرئيسية وراء دعم الرياض للحكومة المصرية بقوة في فترة ما بعد حكم محمد مرسي أن الملك عبد الله -الملك السابق للسعودية في الفترة من 2005 إلى 2015- أراد محاربة كل من إيران والإخوان المسلمين في الوقت ذاته. لكن القيادة الحالية للسعودية متمثلة في الملك سلمان ترى أن الإخوان المسلمين شريك تكتيكي، أو حليف طبيعي -بحسب وصف أحد المسئولين السعوديين- في صراع الرياض ضد إيران.

على الجانب الآخر، فإن المسئولين المصريين منذ عام 2013 لا ينظرون إلى إيران باعتبارها مصدرًا للقلق بالقدر الذي تراه السعودية. لذلك لم ترغب مصر في اتخاذ موقف متشدد معادٍ لإيران مثلما كان الحال في فترة حسني مبارك. بدلًا من ذلك، كانت أولوية نظام عبد الفتاح السيسي هي مواجهة الخصوم السياسيين المباشرين، مثل الإخوان المسلمين، وبعض الجماعات الإسلامية السنية الأخرى، بل وأظهر نظام السيسي بعض الاهتمام لبناء علاقات أفضل مع طهران.

في يوم 23 سبتمبر/ أيلول الماضي، اجتمع وزيرا خارجية مصر وإيران في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة الصراع في سوريا. بعد قرابة الأسبوع، سافر رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية فى طهران، ياسر عثمان، إلى طهران واجتمع بمستشار رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني للشؤون الدولية، حسين أمير عبد اللهيان، الذي أشاد بموقف مصر تجاه سوريا، ودعا إلى مزيد من التعاون بين مصر وإيران. بعد فترة قصيرة، وافقت إيران على حضور محادثات لوزان بشأن سوريا بعدما تمت دعوة مصر والعراق للمحادثات، إذ أرادت إيران من مصر والعراق دعم موقفها. وقد أرادت طهران تجنب تفوق الدول التي تسعى لمغادرة الأسد للسلطة -وهي قطر والسعودية وتركيا- عليها في العدد، وأكدت على أن الأزمة السورية قد أوجدت أرضية مشتركة بين مصر -التي تدعم نظام الأسد سرًّا- وإيران، الحليف الأقرب للنظام السوري في المنطقة. وبالطبع، جاءت هذا التحول في السياسة المصرية على حساب التحالف التاريخي بين القاهرة، والرياض.

خلال الشهر الماضي، وقعت مصر والعراق مذكرة تفاهم، يُقال إن إيران توسطت فيها، بحيث تمد العراق مصر بالنفط والغاز. وتعتبر مذكرة التفاهم بين مصر والعراق -والتي تعتبر حليفًا لإيران في السنوات الأخيرة- إلى جانب مذكرة تفاهم أخرى بين مصر وأذربيجان، مؤشريْن على سعي مصر للتعاون مع بائعين جدد للنفط والغاز خارج دول مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا مع انخفاض إنتاج الطاقة، وزيادة الاستهلاك في مصر.

وتلعب روسيا دورًا رئيسيًّا في المناورة الجيوسياسية المصرية التي تسببت في إزعاج المملكة، فقد تكونت شراكة بين السيسي وبوتين، وتطورت بشكل كبير في السنوات الأخيرة. في سبتمبر/ أيلول 2014، وقعت مصر وروسيا صفقة أسلحة بقيمة 3.5 مليار دولار. وفي مايو/ أيار من العام الجاري، أعلنت مصر عن نيتها لبناء محطة للطاقة النووية بقرض من موسكو قيمته 25 مليار دولار. وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، استضافت مصر مناورة عسكرية مشتركة مع روسيا. إلى جانب ذلك، فقد تقاربت مصالح مصر في سوريا مع مصالح روسيا بشكل متزايد، إذ إن السيسي يحاول التوصل لحل للأزمة السورية يُبقي الأسد في السلطة. من وجهة نظر السيسي، فإن خصوم الأسد في الصراع السوري قد خسروا الصراع بالفعل، لذلك فإن التحالف معهم من أجل إرضاء السعودية غير مُجدٍ. أما من وجهة نظر السعودية، فإن بقاء الأسد يهدد بتعزيز نفوذ إيران في بلاد الشام على حساب السعودية.

كانت الأزمة اليمنية عاملًا آخر ساهم في تدهور العلاقات المصرية السعودية. بالرغم من مشاركة مصر في عملية عاصفة الحزم في مارس/ آذار الماضي، إلا أنها لم تؤدِ الدور الذي كانت تنتظره منها السعودية في اليمن. كان أحد أهم الأسباب تردد السيسي في تقديم مساهمة كبيرة في الحملة العسكرية السعودية ضد الحوثيين أن القوات المصرية حققت خسائر فادحة في حرب اليمن في ستينيات القرن الماضي، والتي ما تزال في ذاكرة المصريين حتى الآن. ومن الأسباب التي أدت إلى خلق حالة من التوتر في العلاقات بين القاهرة والرياض، تقارب السعودية من فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر واليمن لتأمين دعم السنة للحرب على اليمن. في مارس/ آذار الماضي، تسبب السيسي في غضب السعوديين عندما تحدث في قمة جامعة الدول العربية المقامة في مصر، وألقى خطابًا صاغه بوتين يدعو إلى حل الأزمة اليمنية بدون أي تدخل خارجي. وقد سمحت مصر لجماعة «الحوثي» بإقامة معرض للصور في القاهرة يعرض صور الضحايا اليمنيين نتيجة الحملة العسكرية التي تقودها السعودية، مما زاد الأمور سوءًا بين مصر والسعودية.

فيما يتعلق بالأزمتين السورية واليمنية، تجاهلت مصر كليهما في البداية مع التركيز على التهديدات التي يشكلها المتطرفون المسلحون في شبه جزيرة سيناء وليبيا، ثم انضمت بعد ذلك مع التحالف الروسي الإيراني الذي يُعيد تشكيل النظام الجيوسياسي في المنطقة.

على الرغم من أن السعودية كانت قادرة لسنوات على استخدام أموالها من أجل إبقاء مصر تحت نفوذها، إلا أن التحول الذي قام به السيسي أكد أن المملكة لا يمكنها أن تشتري الولاء لها دائمًا. في الوقت ذاته، أدرك المسئولون المصريون أن في الوقت الذي يضعف فيه نفوذ السعودية، يزداد نفوذ الجبهة الإيرانية الروسية، مما يُعتبر حافزًا قويًّا لمصر للتحالف مع كل من إيران وروسيا. من خلال جهوده لتقوية العلاقات المصرية بالقوتين الروسية والإيرانية، أوصل السيسي رسالة للسعودية بأنه يستطيع الاستغناء عن التحالف المصري السعودي، وأن مصر لديها خيارات أخرى إذا ما قررت السعودية وقف دعمها لمصر.

السياسات الداخلية لمصر

 

 (احتجاجات في مصر على قرار تسليم جزيرتي تيران وصنافير للسعودية)

لا شك أن الرأي العام في مصر قد أثّر في قرارات السيسي فيما يتعلق بالعلاقات مع السعودية. على الرغم من أن 25% من المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن البلاد تواجه مشاكل اقتصادية ضخمة، الكثير من المصريين وطنيون للغاية، ولديهم حساسية حول مفهوم السيادة. أي أن صورة السيسي باعتماده المتزايد على السعودية ودول الخليج تشكل خطرًا سياسيًّا كبيرًا عليه، فعَقِب زيارة الملك سلمان لمصر في أبريل/ نيسان الماضي التي وافق فيها المسئولون المصريون على إعادة جزيرتين في البحر الأحمر إلى سيادة المملكة، اندلعت موجة من الغضب بين الكثير من المصريين.

ومن الأسباب التي ساهمت في تدهور العلاقات المصرية السعودية أيضًا الرفض السياسي والاجتماعي والديني للوهابية السعودية من جانب الكثير من المصريين. كان الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر كثيرًا ما يُلقي خطابات حماسية ينتقد فيها نموذج السعودية للإسلام السنّي، ووصفه بالرجعي والمتخلف، كما اتهم الحكام السعوديين بأنهم دُمَى للقوى الغربية، وأنهم متواطئون في العنف الإسرائيلي ضد العرب. وخلال عهد أنور السادات، ابتعدت مصر في سياستها الخارجية عن الكرملين والدول القومية العربية، واتجهت إلى الولايات المتحدة والسعودية وغيرها من دول شبه الجزيرة العربية. على الرغم من ذلك، ما يزال فِكر عبد الناصر يلقى شعبية بين قطاعات كبيرة من المجتمع المصري، بالأخص في الأوساط القومية والعلمانية. اتخاذ السيسي نفس أسلوب عبد الناصر قد يكون وسيلته للاحتفاظ بالسلطة.

في أواخر شهر أغسطس/ آب الماضي، شاركت مصر في مؤتمر يضم الدعاة وعلماء الدين في العاصمة الشيشانية جروزني، وقامت كل من روسيا والإمارات العربية المتحدة بدعم المؤتمر. حضر المؤتمر العديد من الدعاة والعلماء من دول إسلامية مختلفة، ويمثلون مدارس مختلفة من الإسلام السني، لكن لم يشارك أي أحد من السعودية. كان السؤال الرئيسي للمؤتمر «من هم أهل السنة والجماعة؟»، وعند إجابة هذا السؤال في البيان الختامي للمؤتمر، ذكر البيان المؤسسات الإسلامية الرئيسية، والتي ضمت جامعة الأزهر بمصر، وجامعة القرويين بالمغرب، وجامعة الزيتونة التونسية، وجامعة حضرموت في اليمن، دون ذِكر أية مؤسسة سعودية. وقد أثار مؤتمر جروزني الكثير من الغضب في السعودية، فوصف أحد الكُتّاب البارزين السعوديين المؤتمر بأنه «حرب فكرية جديدة ضد المملكة العربية السعودية».

مستقبل العلاقات المصرية السعودية

 

منذ الانقلاب العسكري في 3 يوليو/ تموز 2013، دعمت السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي نظام السيسي دعمًا غير محدود، في صورة معونات مادية تقدر بعشرات المليارات من الدولارات، سواء كمساعدات مباشرة أو في صورة قروض. حاليًا، تنتشر حالة من الإحباط في السعودية نظرًا لأن السيسي -والذي أخبر الملك سلمان في مارس/ آذار الماضي أن أمن الخليج هو خط أحمر بالنسبة لمصر- لم يحترم تلك الصفقة الضمنية مع الرياض، بالإضافة إلى أن رفض مصر لانتهاج خطى الرياض، وتبني نفس سياساتها في سوريا واليمن، والتقارب الذي حدث مع موسكو وطهران وبغداد أثار غضب الكثير من المسئولين في الرياض.

وتأتي تلك التوترات في العلاقة بين مصر والسعودية في وقت صعب بالنسبة للمملكة، إذ تأتي في ظل تراجع أسعار النفط الذي قاد الرياض لاتخاذ تدابير تقشفية لتعويض عجز الميزانية، وكذلك التكلفة المرتفعة لحرب اليمن، والأزمة السورية التي تبذل فيها السعودية جهدًا كبيرًا لإسقاط نظام الأسد، في حين يذهب ذلك الجهد حتى الآن دون جدوى. خروج مصر من الفلك الجيوسياسي للسعودية يمثل أيضًا خسارةً إستراتيجيةً جديدةً للرياض، إذ إن البلاد مقبلة بالفعل على عصر اقتصادي جديد يتمثل في إصلاحات اقتصادية، ورؤية جديدة للسعودية 2030 -والتي تعد محاولة لتنويع اقتصاد البلاد ليكون أكثر استقلالًا عن إنتاج النفط، وهو ما يتطلب استثمارات داخلية وخارجية كبرى- وهنا تأتي رسالة السعودية للسيسي والتي كانت واضحة، بأن الرياض لن تكون مجرد ماكينة أموال له، وأن ربما لديهم الكثير من المال، ولكن ليس بلا حدود.

على الرغم من خيبة الأمل والإهانة التي قد تشعر بها، إلّا أن السعودية قدمت دعمًا كبيرًا لمصر، ففي الوقت الذي يحارب فيه الجيش المصري فروع تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء، أدرك المسئولون السعوديون أن التهديدات الإرهابية في سيناء سوف تكون لها آثارها على أمن دول مجلس التعاون الخليجي.

ومع طرح الأسئلة حول مستقبل الأمن الغذائي في السعودية ودول الخليج الأخرى، كان المسئولون في الخليج بحاجة لتأمين خطوط الإمداد، لذلك أرادت السعودية إبقاء قناة السويس والبحر الأحمر طريقًا مفتوحًا خاليًا من النشاط الإرهابي. وعلاوة على ذلك، فإن خطورة أن تدخل مصر في حالة من الاضطرابات السياسية مثلما حدث في 2011 يعتبر السيناريو الأسوأ بالنسبة للسعودية. فبالرغم من خيبة أمل السعوديين من قرارات السيسي وخُذلانه لهم، إلا أن القيادة السعودية تُدرك أن استقرار مصر يمثل أولوية قصوى لها، إذ إن السعودية سوف تواجه أزمة أمنية خطيرة في حالة انهيار الاقتصاد المصري، أو في حالة حدوث صراعات سياسية تؤدي إلى تفاقم الإرهاب والعنف.

نظرًا للقيمة الإستراتيجية لبلاده لدى السعودية، ربما اعتقد السيسي أنه بإمكانه أن يغامر بالتحالف مع إيران، العدو اللدود للسعودية، وكذلك روسيا والعراق. نظرًا لأنه لا مصر ولا السعودية تستطيع الاستغناء عن الطرف الآخر تمامًا، يبدو أن «زواج» مصر والسعودية لم يدخل في مرحلة الطلاق. لكن بالنظر إلى التغيرات في قيادات البلدين، والتغير في الأولويات والرؤية لمستقبل المنطقة، فإن «زواج مصر والسعودية» في حالة خطر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات