قارنت محللة شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لدى معهد ستراتفور، إميلي هاوثورن، الأوضاع بين مصر وتركيا خلال فترات زمنية مختلفة، وسردت بالتحليل أوجه الشبه والاختلاف بين البلدين والأسباب التي تعيق التقاء مساراتهما في الوقت الراهن.

قارنت محللة شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمعهد «ستراتفور»، «إميلي هاوثورن»، الأوضاع بين مصر وتركيا خلال فترات زمنية مختلفة، وسردت بالتحليل أوجه الشبه والاختلاف بين البلدين، والأسباب التي تعيق التقاء مساراتهما في الوقت الراهن.

تتذكر «هاوثورن» آراء الناس السياسية في مدينة الإسكندرية الساحلية، التي عاشت فيها لبعض الوقت في أعقاب ثورة عام 2011، وبالتحديد إبان فترة الانتخابات الرئاسية. كان الانفتاح يسود أجواء السياسة في مصر وقتئذٍ، وكان المحافظون في تلك المدينة يضعون آمالًا عريضة على جماعة الإخوان المسلمين، أكبر فصيل معارض لحكم الرئيس المخلوع «حسني مبارك»، والنظام العسكري القائم منذ منتصف القرن الماضي، والتي كانت أحكمت قبضتها على البرلمان، إلا أن العلمانيين كانوا يشككون في قدرة الجماعة على قيادة البلاد؛ فدعم العديد منهم المرشح المدني «حمدين صباحي» في السباق الرئاسي. فاز «محمد مرسي» بالرئاسة، وأقام أنصاره احتفالات صاخبة؛ فرحًا بهذا الانتصار التاريخي.

لنعد إلى الوراء قليلًا في التاريخ، تقول هاوثورن، وتحديدًا إلى العام 2002. كانت تركيا تشهد أجواءً مماثلة قبيل الانتخابات العامة، التي نتج عنها صعود الرئيس الحالي «أردوغان» وحكومته الإسلامية. أزاح «حزب العدالة والتنمية» منافسيه، من علمانيين وليبراليين، من طريقه. وبات أردوغان يسيطر على البلاد، وعلى الأرجح سيظل الإسلاميون على قمة هرم السلطة هناك لفترة طويلة، بالرغم من محاولات المؤسسة العسكرية المتكررة للانقلاب عليهم، التي كان أحدثها نهاية الشهر الماضي.

ولكن في مصر حدث العكس؛ فلم يدم حكم محمد مرسي سوى عامٍ واحد، ثم أطاح به الجيش في انقلاب الثالث من يوليو (تموز)، وتعمل المؤسسة العسكرية جاهدة الآن لعدم عودتهم، «الإخوان المسلمين»، مجددًا. وقد تسبب ذلك في أزمة بالعلاقات بين البلدين، إلا أن هاوثورن ترى أن أوجه التشابه بين البلدين تتجاوز اختلافاتهما الأيديولوجية.

اندماج مسارين

لا يدرك المصريون والأتراك أنهم يتحركون على نفس المسار، بالرغم من عدم اتفاقهما: وقعت مصر تحت الاحتلال العثماني في العام 1517، بدأت تتقارب في مواقفها مع الأتراك، وبعد سقوط «الخلافة العثمانية» بعد الحرب العالمية الأولى، كانت الدولتان تستلهمان تجارب بعضهما البعض خلال حقبة الحداثة التي اجتاحت الشرق الأوسط. حاول «جمال عبد الناصر» محاكاة «مصطفى كمال أتاتورك» في طريقة إدارة الدولة، وللجيش سلطة كبيرة في كلا البلدين؛ جعلتهما يشهدان انقلابات عسكرية بين حين وآخر، وتحظى المبادئ العلمانية بقبول واسع لدى الشعبين.

كما أن البلدين يقعان في مناطق استراتيجية، تجعلهما ممرات حيوية للتجارة الدولية، ولراغبي الهجرة. وبينما يتوزع الشعب التركي بعرقياته المختلفة على طول مساحة البلاد، يتحلق المصريون في انسجام كبير حول نهر النيل منذ آلاف السنين.

وكان للدين موطئ قدم راسخة في كلا البلدين، تقول هاوثورن، بل وصل الأمر إلى حد دخول الجماعات الدينية في صراع على السلطة مع المؤسسات القائمة. كان الزعيم الروحي للإسلام السياسي في تركيا «نجم الدين أربكان» قد استلهم أفكار «حسن البنا»، مؤسس جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر، في عشرينات القرن العشرين، إلا أنه أطيح به من رئاسة الوزراء في أواسط التسعينات؛ بعد أن اتهمه الجيش بخلط الدين بالسياسة. ولسخرية الأقدار، تكرر نفس المشهد مع محمد مرسي في مصر.

صعود تركيا وسقوط مصر

تمر منطقة الشرق الأوسط بفترة من الاضطرابات الشديدة، وبالرغم من أنها تملك أحد أقوى جيوش المنطقة، فقد فقدت مصر الكثير من مكانتها الإقليمية؛ منذ أن أطاح الجيش بأول رئيس مدني منتخب، قبل ثلاثة أعوام. وباتت مصر الآن غارقة في المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، التي ازدادت وتيرتها في العام الأخير.

على الجانب الآخر، تقول هاوثورن، انخرطت تركيا في مختلف نزاعات الشرق الأوسط؛ محاولة نقل نسختها من الإسلام السياسي إلى بقية دول المنطقة، ولكن على خلاف ما حدث في مصر، هب الشعب دفاعًا عن الديمقراطية في تركيا، وتصدى للمحاولة الانقلابية الأخيرة، وذلك بالرغم من حالة عدم الرضا الواسعة التي تسود أوساط الشعب على طريقة إدارة حزب العدالة والتنمية للبلاد. كما حلت أنقرة محل القاهرة كراعٍ لعملية السلام في أحيان كثيرة، لكن مساعيها عُرقلت دومًا؛ بسبب دعمها لحركة «حماس».

ترى هاوثورن أن السبب في الخلاف الكبير بين البلدين، هو اختلاف نمط الحكومة فيهما: فالنخبة العسكرية العلمانية التي تحكم مصر منذ إطاحتها بمحمد مرسي في 2013، تتجاهل تركيا؛ بسبب استضافتها للمنفيين من جماعة الإخوان المسلمين. وكان المصريون في بداية عهد مرسي يعتقدون أن مصر ستشهد نهضة مماثلة لما حدث في تركيا.

تواصل التوتر العميق بين البلدين

تقول هاوثورن: إن التوتر بين البلدين سيتعمق على الأرجح، التي كانت آخر حلقاته هي اشتعال الحرب الكلامية بين البلدين؛ على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا أواخر الشهر الماضي. فقد عبرت مصر صراحة عن انزعاجها من فشل المحاولة الانقلابية التي شهدتها تركيا، وعطلت صدور قرار من مجلس الأمن؛ يدين ما جرى، بل وصل الأمر إلى عرض استضافة «فتح الله كولن»، الذي تتهمه أنقرة بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية؛ إذا ما قامت أمريكا بطرده؛ بسبب الضغوط التركية. وردت تركيا بالقول إنه «لا عجب أن يحزن من أتوا عبر انقلاب، من فشل المحاولة الانقلابية».

لكن ثمة محاولات حثيثة من قبل «المملكة العربية السعودية» لرأب الصدع بين البلدين؛ وذلك في محاولتها لبناء تحالف سني في الشرق الأوسط. وعلى الأرجح ستتجاوب مصر مع تلك الرغبة السعودية، إلا أن ذلك يعني تخلي «أنقرة» عن الزعامة الإقليمية لصالح «الرياض»، وهو ما يتعارض مع طموح الأتراك.

وترى هاوثورن أن إجراء أية مصالحة بين البلدين سيشكل عملية معقدة؛ بسبب مواقفهما المتباينة من جماعة الإخوان المسلمين، التي قامت القاهرة بحظرها، وتصنيفها كجماعة إرهابية. وبسبب تواتر أنباء عن دعم مصر لـ«حزب العمال الكردستاني»، الذي تصنفه تركيا كمنظمة إرهابية.

ختامًا: يمكن القول إن ثمة أهدافًا مشتركة بين البلدين، يمكن البناء عليها في أية مصالحة مزمعة، مثل مواجهة خطر «تنظيم الدولة»، وبناء منطقة شرق المتوسط، ولكن سيبقى قدر من التوتر بين البلدين قائمًا، حتى لو توحدا حول بعض الأهداف.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات