تناول موقع «ميدل إيست آي» الفتوى التي أصدرها مفتي الديار المصرية بخصوص تحريم التجارة بالعملات الرقمية مثل البيتكوين وغيرها، والتي لاقت رفضًا من قبل تجار البيتكوين في مصر. ويستعرض التقرير الذي أعده الصحافي محمد محمود آراء عدد من المتاجرين بهذه العملات والنقاش حول التجارة نفسها وردود أفعالهم على تلك الفتوى. وفيما يلي ترجمة كاملة لنص التقرير:

ما ينفك حسن محمد عن النظر في شاشة هاتفه الذكي، للتحقق باستمرار من قيمة البتكوين – العملة الرقمية المثيرة للجدل – من خلال تطبيق على الهاتف.

يعتمد محمد (38 عامًا وأب لطفلين)، على العملة الرقمية لتجارته على الإنترنت، حيث يستورد قطع غيار لأجهزة الكمبيوتر وآلات النسخ وغيرها من الإلكترونيات. وتجري معظم معاملاته التجارية من خلال موقع «نيوإيج»، حيث تُقبل البتكوين باعتبارها مصدرًا مشروعًا للدفع. يقول محمد: «في سبع سنوات، بعت بضائع قيمتها أكثر من 100 ألف دولار. لم أكن قادرًا على تحقيق ذلك أبدًا من خلال البنوك، لأن هناك الكثير من القيود».

اقرأ أيضًا: مترجم: 9 أسئلة تشرح لك أساسيات العملات المشفرة وتكنولوجيا «بلوك تشين»

تسمح العملات الرقمية مثل البيتكوين بمعاملات سرية بين المستخدمين الفرديين، دون الحاجة إلى البنوك المركزية. ووفقًا لما ذكره محمد، فقد وفّر ما لا يقل عن 33% من رسوم المعاملات المصرفية، التي تفرض عادة 3.5% على الأقل لكل معاملة.

الحرية والمرونة

كانت انتفاضة عام 2011 التي أطاحت بالرئيس السابق حسني مبارك، قد أخافت السياح والمستثمرين. مما أدى إلى نقص في العملة الصعبة وتشديد القيود على التحويلات المصرفية.

صورة لإحدى منصات تداول البيتكوين.

وعلى الرغم من تحسن السيولة لدى البنوك ورفع القيود المفروضة على رأس المال في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي كجزء من اتفاقية قرض بقيمة 12 مليار دولار مع صندوق النقد الدولي، فإن الشركات ما زالت تلجأ إلى السوق السوداء للحصول على الدولار، حيث لا يزال النظام المصرفي الرسمي يعاني من شح في المعروض من الدولار.

من جانبها، تقول ريم سليم – المحللة الاقتصادية في المركز الدبلوماسي للدراسات الاستراتيجية الذي يتخذ من الكويت مقرًا له – إن «البيتكوين تسمح بسهولة الوصول إلى الأسواق الخارجية بحرية ومرونة كاملة». وأضافت: «يمكن تداولها في أي وقت ومكان وبدون رسوم مرتفعة أو إجراءات معقدة».

اقرأ أيضًا: مترجم: الوزير «الماركسيّ الضال»: البيتكوين فقاعة مثالية.. و«بلوك تشين» حلٌ رائع!

الفتوى غير منطقية

في الأول من يناير (كانون الثاني)، قال الشيخ شوقي علام، مفتي الديار المصرية، إن التداول في البيتكوين «حرام» شرعًا، وفقًا للأحكام الإسلامية. وقد جاء قراره بعد أسبوعين من إعلان الهيئة المصرية للرقابة المالية، المسؤولة عن تنظيم الأسواق المالية غير المصرفية، أن تداول البيتكوين في مصر غير قانوني.

كان محمد عمران – رئيس هيئة الرقابة المالية المصرية – قد أكد أنه سيعلن قريبًا عن مزيد من التفاصيل حول تداول البيتكوين في مصر، وأكد أن أي نشاط غير مسموح به، هو غير قانوني، وستفرض عقوبات على أي شخص يستخدمها، دون توضيح ما هي هذه العقوبات.

اقرأ أيضًا: مترجم: تعدين البيتكوين يستهلك كهرباء أكثر من 159 دولة بالكامل.. هل يجب أن نقلق؟

كما أوضح علام أن العملات الرقمية تحمل مخاطر «الاحتيال، ونقص المعرفة، والغش». وأضاف أنها يمكن أن توفر «موارد مالية مستقرة وآمنة للإرهابيين والجماعات الإجرامية». غير أن العديد من المصريين لم تردعهم هذه الإعلانات واستمروا في التعامل مع العملة والاستثمار فيها. وقال محمد حسن إن تصريحات علام «سخيفة تمامًا»، مضيفًا أن السلطات تخشى سوق البيتكوين.

الشيخ شوقي علام مفتي مصر.

ووفقًا لعمر – وسيط في البورصة فضل إعطاء اسمه الأول فقط – فإن «الفتوى سياسية»، مؤكدًا أن تصور علام بشأن العملات الرقمية «غير دقيق وأنه لا يفهم كيف يسير العمل في هذا الجيل الجديد من العملات». الوسيـط، البالغ من العمر 25 عامًا، هو مسلم يمارس شعائره ويقول إن مستثمري البيتكوين في مصر ليسوا مهتمين بالفتوى، واصفًا إياها بـ«غير المنطقية».

وأضاف: «لدي 60 عميلًا يمتلكون أوراقًا مالية تبلغ قيمتها حوالي 350 ألف دولار، ولم يطلب أحد منهم سحب أمواله. أولئك الذين يضعون الفتاوى ليسوا مستثمرين. أما المستثمرون فيضعون في اعتبارهم الأرباح والخسائر ومما لا شك فيه أنني سأظل أتعامل فيها».

أحمد يوسف – وهو اسم مستعار لوسيط يدير مليون دولار لحوالي 100 عميل – يقول إن الفتوى كان لها «تأثير ضئيل». وأضاف: «أي شيء في البداية يصدم المؤسسات الدينية، ثم يسحبون فتواهم في النهاية. لقد انخفضت مصداقية المؤسسات الدينية بشكل عام، لذلك فإن تأثيرها ضئيل جدًا. إن من يستثمرون في البيتكوين في مصر يتحملون المخاطر، ويمكن تسميتهم بالمقامرين، والمقامرون لا يقومون بفحص الفتاوى قبل لعب القمار».

اقرأ أيضًا: بلومبرج: «ثورةٌ محتملة!».. ماذا تقول البنوك المركزية حول العالم عن «البيتكوين»؟

ووفقًا لما ذكره يوسف، فإن بعض الناس وصل بهم الحال حتى إلى بيع سياراتهم وممتلكاتهم للاستثمار في البيتكوين. «قبل ثلاثة أسابيع، جاء صديق لي في الساعة الثالثة صباحًا وهو يحمل 900 ألف جنيه مصري – حوالي 50 ألف دولار – وحثني على شراء هذه العملة الجديدة التي لا يعرف حتى اسمها».

مجرد رأي لعالم دين أو اثنين

وأشارت سليم إلى أنه «ليس هناك أي نص ديني صريح يمكن استخدامه لمنع البيتكوين أو العملات الإلكترونية. ولا يوجد أي توافق في الآراء بين علماء الدين حول هذا الحظر. هذه الفتوى هي مجرد رأي من رجل دين أو اثنين».

ويشعر النقاد بالقلق إزاء عدم الكشف عن هوية المستخدمين، مدعين أن العملات الرقمية يمكن أن تستخدم في الأنشطة الإجرامية مثل غسل الأموال والاتجار بالمخدرات والتهرب الضريبي. وقد دفع هذا الأمر المملكة المتحدة وحكومات الاتحاد الأوروبي الأخرى إلى الإعلان عن خطط لتنظيم تداول البيتكوين وغيرها من العملات وستجبر المتداولين عليها على الكشف عن هوياتهم.

البورصة المصرية.

وقال مسؤول من دائرة الجرائم السيبرانية في وزارة الداخلية المصرية: «لم ترد أي شكاوى بشأن البيتكوين حتى الآن. وليس لدينا نية ولا أوامر لتعقب متداولي البيتكوين في مصر».

بالنسبة إلى يوسف، فإن حظر البيتكوين سيعادل حظر الإنترنت: «الأسباب غير منطقية. ويمكن أيضًا تيسير الإرهاب وغسل الأموال والجرائم الإلكترونية من خلال الإنترنت والدولار. فهل سنمنع الإنترنت والدولار؟ إن المشكلة تكمن في الاستخدام وليس البيتكوين نفسها».

في أغسطس (آب) الماضي، ذكرت وكالة رويترز أنه من المتوقع أن يبدأ تداول البيتكوين في مصر، ولكن تم تأجيل الإطلاق إلى أجل غير مسمى. وبما أنه من غير القانوني التعامل في العملات الرقمية في سوق الصرف المصري، فإن كلا من عمر ويوسف يتاجران فيها نيابة عن زبائنهما المصريين في أسواق الصرف في الخارج.

اقرأ أيضًا: مترجم: أفضل العملات الرقمية في 2017.. البيتكوين ليست من بينها!

فقاعة على وشك الانفجار

في يوم الأربعاء، انخفض سعر البيتكوين، أكبر وأشهر عملة رقمية في العالم، إلى النصف بعد أن بلغت سعرًا قياسيًا يقترب من 20 ألف دولار – حوالي 354340 جنيهًا مصريًا – لكل بيتكوين. ولكن بحلول الخميس الماضي، تعافت بنحو 18%.

وفي 9 يناير (كانون الثاني)، حذر البنك المركزي المصري في بيان له من ارتفاع مخاطر العملات الرقمية، قائلًا إنها شديدة التقلب بسبب «مضاربات غير محكومة، مما يجعل الاستثمار فيها محفوفًا بالمخاطر، ويحمل في طياته خسائر محتملة كبيرة». وأكد البنك المركزي أن المعاملات داخل مصر لا تقتصر إلا على العملات الرسمية المعتمدة من قبل البنك فقط والتي لا تشمل البيتكوين.

منحنى سعر البيتكوين منذ عام 2013 (الأرقام بالجنيه المصري). المصدر: ميدل إيست آي.

وقد أقلقت سلسلة من التقلبات في سعر البيتكوين محمدًا وآخرين من أنها فقاعة سوف تنفجر في نهاية المطاف. «نحن الذين تعاملوا معها عندما كان سعرها بضعة سنتات فقط، ندرك أنها فقاعة. فهذا ليس سعرًا عادلًا ولا عقلانيًا في السوق».

وحتى مع عدم الاستقرار هذا، يقول محمد إنه سيواصل محاولة الاستفادة منها قبل أن «ينهار سعرها إلى 5 آلاف دولار»، كما يتوقع. لكن ريم سليم تقول إنه من الصعب التنبؤ بما سيحدث بعد ذلك: «هناك حالة من عدم اليقين في السوق. جميع الآفاق مفتوحة. قد ترتفع أو تنخفض. لا توجد قواعد». بينما يقول عمر إن «السوق تشهد حالة من القلق حاليًا وهي غير مستقرة».

اقرأ أيضًا: مترجم: وصلت إلى 17 ألف دولار.. كيف تشتريها وتستخدمها؟ دليلك للاستثمار في بيتكوين

لم يدفع الغموض أيًّا من عملاء عمر إلى التسرع في بيع البيتكوين، على أمل أن يرتفع السعر مرة أخرى. ولكن الداخلين الجدد في السوق تراجعوا.

لكن سليم لا تزال نظرتها إيجابية حيال البيتكوين، بغض النظر عن تقلبها. إذ قالت: «على الرغم من الانخفاض الحاد في سعر البيتكوين في الوقت الحاضر، فإنه لا يزال أعلى من العام الماضي. لا يمكن لأحد أن يؤكد أن البيتكوين لن تتحول إلى فقاعة اقتصادية. ولكن قد يكون لها مخاطر محدودة بالمقارنة مع الفقاعات التقليدية مثل فقاعة الرهن العقاري».

وأضافت: «نظرًا لأن لديها مرونة وقدرة على الصمود أمام الصدمات أكثر من الأصول التقليدية، وقد واجهت بالفعل الكثير من الأخبار السيئة، فإن مطوري سلسلة البلوكشين يطورون باستمرار أساليب جديدة في معاملات البيتكوين لمواجهة تقلبات السوق».

فوائد محتملة

توصي سليم بأن على «البنك المركزي محاولة تنظيم ومراقبة معاملات البتكوين في مصر، والاستفادة منها في أسواق الصرف، أسوة بالإمارات. فماذا لو فتحنا الباب لملايين مستخدمي البيتكوين للتجارة في مصر؟ يمكنهم أن يأتوا سياحًا ويدفعون بالبيتكوين، ويشترون بالجنيه المصري أو يستثمروا في سوق الأسهم المصرية؟ أعتقد أن هناك فوائد».

ويؤكد يوسف أن القضية الرئيسية هي أن السلطات تخشى من الأنشطة التي لا تستطيع مراقبتها. وقال: «سبب الحظر هو أنهم لا يستطيعون مراقبتها. ولكن إذا تمكنوا من مراقبتها، فإنهم سيسمحون بتداولها. الأمر بسيط للغاية».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد