أمطر مسلحو تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش)، الذين قتلوا 29 مسيحيًا مصريًا وهم في طريقهم إلى دير صحراوي في شهر مايو (أيار) الماضي، الحافلات التي كانت تقل الضحايا بنيران أسلحتهم قبل أن يستقلوها للقضاء على أي ركاب من الذكور ما زالوا على قيد الحياة.

ووصفت مريم عادل، وهي أم شابة مصابة قتل زوجها مع تسعة أقارب آخرين، كيف أمر أعضاء التنظيم النساء في الحافلة بالتحول إلى الإسلام عن طريق إعلان الشهادة. وعندما رفضوا، طالب المهاجمون بـ «غنائم» الحرب واستولوا على مجوهراتهم الذهبية وهواتفهم النقالة.

«نعلن إسلامنا؟ بالطبع لا»، هكذا قالت عادل في مقابلة تلفزيونية، بينما كانت تتلقى علاجها في المستشفى. وأضافت: «إذا كنا قد فعلنا ذلك، فربما كانوا قد أخرجونا من الحافلة وعاملونا جيدًا. لكننا نريد فقط المسيح ونحن واثقون من أنه لن يتركنا».

تقرير نشرته صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية نقل شهادات عن بعض المسيحيين في مصر، تعكس كم التمييز الذي يعانونه في بلد شهد «انقلابًا عسكريًا» يتهم بعض المعارضين أنه تم لتنفيذ أجندة قبطية، بحسب التقرير.

اقرأ أيضًا: «ذي أتلانتك»: لماذا أعلن «داعش» الحرب على المسيحيين في مصر؟

تهديد داعش

وقال التقرير: «على مدار 20 قرنًا من التاريخ منذ أدخل القديس مرقس المسيحية إلى مصر، تحمل المسيحيون الأقباط موجات متقطعة من الاضطهاد على يد الحكام الرومان والمسلمين، ولكن في العصر الحديث، لم يكن هناك شيء يضاهي حجم التهديد الذي يشكله تنظيم داعش».

دعا التنظيم مؤيديه – بحسب التقرير – لقتل الأقباط أينما وجدوا؛ مما أثار قلقًا بالغًا لدى الأقلية التي تمثل حوالي 10% من سكان مصر البالغ عددهم 93 مليون نسمة. ويأتي الخطر الجديد على رأس شكاوى التمييز التي طال أمدها وانتشار التعصب وخطاب الكراهية الذي فشلت الحكومات المصرية المتعاقبة في مواجهته؛ مما أدى إلى خلل يسعى تنظيم داعش إلى استغلاله في الوقت الراهن.

يذكر أن حادث الحافلة في محافظة المنيا كان أخر حلقة في حملة دموية شنها تنظيم داعش ضد المسيحيين في مصر، أسفرت عن مصرع أكثر من 100 شخص منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وكان هناك هجومان على مجموعة من الكنائس في مدن مختلفة في أحد السعف في أبريل (نيسان) الماضي، في حين أدت موجة من اغتيالات الأقباط في العريش إلى نزوح العائلات المسيحية من المدينة.

إن المسيحيين المصريين ليسوا مجرد ضحايا للتنظيمات الإرهابية. هم أيضًا من ضحايا الاستقطاب الذي أعقب «الانقلاب العسكري» المدعوم شعبيًا في عام 2013، والذي أطاح بالرئيس المنتخب المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي.

كما تعرض المسيحيين في أماكن أخرى في الشرق الأوسط مثل سوريا والعراق وليبيا لهجمات تبنتها تنظيمات داعش والقاعدة. ويحذر عماد جاد العضو المسيحي في البرلمان المصري من أن هناك «احتمالًا قويًا» بأن تستمر الهجمات.

التقرير نقل عن جاد المنتمي لتحالف برلماني داعم للحكومة قوله:«إن التدابير الأمنية (قد تساعد)، ولكن المجتمع يشعر بالقلق ويخشى من أنه لا يوجد شيء يمكن القيام به لحماية نفسه».

تابع التقرير بقوله إن المسيحيين المصريين ليسوا مجرد ضحايا للتنظيمات الإرهابية. هم أيضًا من ضحايا الاستقطاب الذي أعقب «الانقلاب العسكري» المدعوم شعبيًا في عام 2013، والذي أطاح بالرئيس المنتخب المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي، خوفًا من أن يتفاقم التمييز الراسخ ضدهم في ظل الحكم الإسلامي، كان الأقباط من بين المصريين الذين هتفوا بإبعاد مرسي والاستبدال به عبد الفتاح السيسي، الرئيس الحالي ووزير الدفاع السابق.

اقرأ أيضًا: «ذي أتلانتك»: الحرب الحقيقية على المسيحيين الأقباط

انقلاب 2013

«قد أشرف السيسي على حملة شرسة ضد جماعة الإخوان المسلمين، بما في ذلك قتل أكثر من ألف من أنصارها وفقًا لمجموعات حقوقية، وسجن قادة التنظيم وعدة آلاف من أعضائه. ولكن، وكما انتقدت الجماعة نظام السيسي على وسائل الإعلام الاجتماعية وعلى القنوات التي تبث من الخارج، فقد وصف المعلقون الانقلاب كمؤامرة مسيحية، واتهموا السيسي بتنفيذ أجندة قبطية»، بحسب ما ذكر التقرير.

ونقل التقرير عن مختار عوض، باحث في برنامج التطرف بجامعة جورج واشنطن، قوله: «لقد حرضوا بشكل منهجي ضد المسيحيين وألقوا باللوم عليهم تمامًا في حدوث الانقلاب وسقوط الإخوان المسلمين. وصل تنظيم داعش إلى نقطة يحاول من خلالها ترجمة أي كراهية كافية ضد المسيحيين إلى عمل». وأضاف عوض:

إن الهدف النهائي للجهاديين يتجاوز مجرد إرهاب الأقلية الدينية. وبدلًا عن ذلك، وبينما فقد تنظيم داعش مكانته في سوريا والعراق، فقد وجه التنظيم أنظاره إلى مصر، البلد الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الشرق الأوسط، حيث يريد الحصول على الدعم من خلال تحقيق «انتصارات قصيرة الأجل».

مصر، التي لديها أغلبية سنية مسلمة، ليس لديها الانقسام السني – الشيعي، الذي استطاع تنظيم داعش أن يستغله في العراق وخارجه، لذلك فإن التنظيم يسعى إلى «إشعال التوترات الطائفية بين المسلمين والمسيحيين»، كما يقول عوض. وأضاف بأن التنظيم يعتقد أنه إذا كان بامكانه أن يتسبب فى انهيار النسيج الاجتماعى، فإن هذا سيسمح لرسالته بالانتشار وزعزعة استقرار البلاد بشكل عام.

ولاية سيناء

أوضح التقرير أن تنظيم داعش عمل في مصر من خلال فرع جهادي يقع في الركن الشمالي الشرقي من سيناء المتاخمة لغزة وإسرائيل. المجموعة هي تطور لفصيل يتكون أساسًا من متطرفي سيناء، الذين أقسموا الولاء لداعش في عام 2014 وغيروا اسمهم من أنصار بيت المقدس إلى ولاية سيناء، أو مقاطعة سيناء.

وقد قتلوا أكثر من ألف جندى ورجل شرطة معظمهم فى شبه الجزيرة بما فيهم أكثر من 20 جنديًا فى هجوم على نقاط التفتيش جنوب مدينة رفح الحدودية الأسبوع الماضى. ولا يعرف الكثير عن الخلايا الجهادية في مصر،التي نفذت الهجمات ضد المسيحيين. لكن عوض يرى أنهم ربما يكونوا أفضل تدريبًا من مرتكبي عمليات داعش السابقة خارج سيناء.

حتى قبل وصول تنظيم داعش، لم تكن التوترات الدينية في مصر بعيدة جدًا عن السطح. اندلعت أعمال عنف دورية في القرى لعقود من الزمن، وغالبًا ما كان سببها شكوك بأن المسيحيين يبنون كنيسة أو يستخدمون مسكنًا خاصًا للصلاة الجماعية. في بعض الأحيان كانت الشرارة تندلع نتيجة لعلاقة حب في ظل الانقسام الديني.

وقد رصد التقرير شكاوى الأقباط منذ فترة طويلة من التمييز الواسع النطاق والإجراءات الرسمية التي تجعل من الصعب للغاية بناء الكنائس بصورة قانونية. وثمة نقطة حساسة أخرى هي اعتماد السلطات على المفاوضات غير الرسمية، بدلًا عن القانون لحل النزاعات الدينية حتى لا تخاطر بغضب السكان المسلمين المحليين. وهذا يعني أن العدوان ضد المسيحيين غالبًا ما يفلت من العقاب، وفق ما ذكر التقرير.

وفي بعض الأحيان، تتطلب التسويات التي تفرضها الأسر المحلية القوية والزعماء الدينيون طرد الأسر القبطية من القرى. وهناك اتجاه حديث في بعض المجتمعات المحلية يتمثل في التوصل إلى اتفاق يسمح ببناء كنيسة، ولكن بدون أي صليب أو رموز أخرى على المبنى لتعريفه بأنه بيت للعبادة المسيحية.

وقال التقرير: «العديد من المصريين، المسلمين والمسيحيين على السواء، قد أغضبهم خطاب الكراهية على وسائل الإعلام الاجتماعية في أعقاب هجمات داعش. ومع ذلك، يقول إسحاق إبراهيم، الباحث في الشؤون الدينية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إنه يخشى أن يكون هناك جمهور متقبل للرسالة الجهادية ضد المسيحيين. ويؤكد أن ذلك هو نتيجة لفشل الدولة في التدخل لحماية الحقوق القانونية للأقباط».

اقرأ أيضًا: ماذا نعرف عن المسيحيين في السعودية؟

المنيا

توضح التوترات في قرية كوم اللوفي في المنيا الممارسات التي تقلق الكثير من المصريين. وعلى الرغم من عدم وجود أرقام رسمية، يعيش حوالى 16 الف شخص هناك من بينهم 1500 قبطى وفقًا لما نقله تقرير الصحيفة البريطانية عن السكان المحليين.

عندما بدأ إبراهيم خلف، وهو خياط قبطي ومالك لمغسلة، وأخوته الثلاثة، بتجديد منازلهم في الصيف الماضي، اشتبه قرويون مسلمون في محاولة تحويل مساكنهم إلى كنيسة، وعلى الرغم من إصرار عائلة خلف على عدم وجود مثل هذه الخطة، احتشد جمع من الناس الغوغاء وأشعلوا النيران في منازل العائلة.

وقد رفض خلف وأخوته ضغوطًا من الجيران والمسؤولين للصلح مع المهاجمين . واعتقل نحو 20 من المعتدين، ثم أطلق سراحهم للعودة إلى القرية، حيث استقبلوا بالاحتفالات، كما يقول خلف. وهم ينتظرون المحاكمة. ظلت الشرطة في القرية لحماية الأسرة ومنع المزيد من العنف، لكن خلف يقول إنه لا يشعر بالأمان الكافي للعمل في المنطقة، ولم تتمكن ابنتاه الشابتان من الذهاب إلى المدرسة بسبب العداء من أطفال المدارس الآخرين، وفقًا لما نقله التقرير عن خلف.

إن المسلمين في القرى لديهم تصور بأن المسيحيين يتمتعون بحقوق أكثر وأن المسيحيين لم يتعرضوا لحملة القمع التي شنتها الدولة بحق الإسلاميين.

قبل ثلاثة أيام من عيد الفصح، حصل سكان مسيحيين في كوم اللوفي على إذن من الأجهزة الأمنية لدعوة كاهن لقيادة صلاة في منزل خاص. وعلى الرغم من وجود الشرطة، قام قرويون مسلمون غاضبون بإلقاء الحجارة على المصلين أثناء مغادرتهم مما تسبب في إصابات عدة.

يذكر أن المنيا، وهى محافظة فقيرة يشكل المسيحيون فيها 25% من تعداد السكان، كانت مسرحًا لهجمات متكررة. وفي العام الماضي، قالت المبادرة المصرية إنها وثقت 77 حادثة دينية منذ عام 2011.

نقل التقرير عن جمال الهلالي، مسئول حزب البناء والتنمية الإسلامي في المنيا، قوله إنه لا توجد مشكلة فى بناء الكنائس اذا كانت هناك حاجة حقيقية لبنائها. ويقول: إن المسلمين في القرى لديهم تصور بأن المسيحيين يتمتعون بحقوق أكثر، وأن المسيحيين لم يتعرضوا لحملة القمع التي شنتها الدولة على الإسلاميين.

السيسي كان قد دعا رجال الدين المسلمين إلى صياغة خطاب ديني جديد لمكافحة التطرف. وقد أسعد الرئيس المصري المسيحيين بزيارة مقر الكاتدرائية في القاهرة ثلاث سنوات متتالية خلال احتفالات عيد الميلاد، لكن الناشطين يقولون: إن الدولة لم تظهر الإرادة السياسية لمعالجة الطائفية المتأصلة، وأن هناك حاجة إلى اتخاذ خطوات جادة لمعاقبة التمييز وتطبيق القانون.

منير مجاهد، رئيس منظمة مصريون ضد التمييز الديني، نقل عنه التقرير قوله إن السلطات لم تظهر بعد أنها جادة في معالجة المظالم المسيحية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد