كشف موقع «ميدل إيست آي» البريطاني، نقلًا عن «ضابط رفيع المستوى» في الجيش المصري، معلومات بشأن تفشي فيروس «كورونا» المستجد في مصر.

وبحسب الضابط الذي لم يكشف عن هويته، فإن «انتشار الوباء أوسع بكثير مما تعترف به الحكومة المصرية».

وقال في التقرير الذي ترجمه موقع «عربي21»: «إن الأرقام الحقيقية أكبر مما تقدر الحكومة المصرية على التعامل معه، مؤكدًا أن هناك تسترًا حكوميًا على حقيقة تفشي الوباء في مصر».

عربي

منذ شهرين
«إف 15»= 549 مليون كمامة.. ماذا لو أنفق العرب على الصحة بدلًا عن السلاح؟

فيما يأتي النص الكامل لتقرير «ميدل إيست آي»، كما ترجمه «عربي21»:

لم تطبق الحكومة إجراء الإغلاق، ولعلها كانت من الفطنة بحيث أدركت المصاعب الاقتصادية التي سيواجهها الملايين، حتى وإن كان الإغلاق هو الإجراء المنطقي من وجهة نظر الصحة العامة. لا يمكنك أن تستخدم التباعد الاجتماعي 50٪ من الوقت فقط لا غير.

في هذه الأثناء تستمر وسائل الإعلام المؤيدة للدولة في استعراض النجاحات التي حققتها في ميدان مكافحة الفيروس والتحكم في انتشاره. عرضت إحدى القنوات فيلمًا قصيرًا تظهر فيه المواقع المصرية الشهيرة مع موسيقى تعبر عن الابتهاج بالنصر، وتتخلله مقاطع مصورة لمراحل مكافحة الفيروس في الصين، معلقة على ذلك بالقول: «سوف نهزم فيروس «كورونا» كما هزمته الصين».

ولكن حينما كسر السيسي وغيره الصمت أخيرًا كانت الحكومة المصرية قد خسرت المعركة ضد المرض، وفقدت في نفس الوقت ثقة الجمهور في قدرتها على التعامل مع الوباء. وإليكم ملخصًا لسير الأحداث حتى الآن:

إدارة الأزمة

قبل عدة أيام أجبرت مراسلة صحيفة «الجارديان» البريطانية روث مايكلسون على مغادرة مصر بعد أن كتبت مقالة أشارت فيها إلى بحث قامت به جامعة تورنتو الكندية جاء فيه: أنه في الوقت الذي كانت الحكومة فيه تعلن رسميًا عن ثلاث حالات من الإصابة بالفيروس، كان الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بكثير، وأن العدد قد يكون وصل إلى 19 ألف حالة، وإن كان العدد الأكثر احتمالًا هو ستة آلاف.

يعكس هذا الإجراء رغبة الحكومة الشديدة في فرض هيمنتها على كل ما ينشر من معلومات حول الفيروس.

ولكن خلال ساعات من ظهور السيسي، وجه «كوفيد-19» ضربة جامدة لتلك الإستراتيجية؛ إذ أجبرت الحكومة على الاعتراف بوفاة اثنين من كبار ضباط الجيش المصري خلال 24 ساعة من بعضهما البعض.

كان أولهما وفاة هو اللواء خالد شلتوت رئيس مشاريع المياه في سلطة الهندسة التابعة للقوات المسلحة، وذلك يوم 22 مارس (آذار). وفي اليوم التالي لحق به اللواء شفيع عبد الحليم داود، رئيس المشاريع الكبرى في نفس السلطة.

تبين فيما بعد أن شفيع عبد الحليم داود كان على رأس قائمة من 15 ضابطًا من ضباط الجيش، بما في ذلك مسؤولون كبار ومجندون يقال إنهم أصيبوا بفيروس «كورونا»، وهي قائمة باتت معروفة للقاصي والداني؛ إذ انتشرت على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتأكد من صحتها فيما بعد زميلان على صلة بمصادر رفيعة المستوى داخل الجيش؛ ما يؤكد أن الفيروس بات أكثر انتشارًا مما يتم الاعتراف به رسميًا.

جاء الكشف عن هذه المعلومات بعد أسبوع من بدء وسائل الإعلام الأجنبية التساؤل عما إذا كانت مصر تتستر على مدى تفشي الفيروس، وذلك حين لوحظ أن السياح الأمريكيين والفرنسيين والهنود الذين كانوا يقضون إجازاتهم في مصر على متن سفن سياحية عادوا إلى بلدانهم وهم مصابون بالمرض ناهيك عن مئات الآخرين الذين من المحتمل أن تنتقل إليهم العدوى.

لم تلبث «منظمة الصحة العالمية» أن انضمت إلى الجدل حين قالت إن مصر ربما كانت تقلل في تقاريرها من عدد الحالات الفعلية؛ لأن من يحملون العدوى قد لا تظهر عليهم أعراض المرض.

Embed from Getty Images

«ما يجب علينا فعله الآن»

خلال ساعات من وفاة اللواء خالد شلتوت تواصل معي ضابط رفيع المستوى في الجيش المصري ليخبرني بأن نتيجة فحصه قبل ذلك بيومين أثبتت إصابته بفيروس «كوفيد-19». كانت الأعراض التي ظهرت عليه خفيفة، إلا أنه لم يُعلن عن إصابته بالعدوى. وقال إنه يتحدث معي شعورًا منه بالقلق على البلد، وأضاف: «هذا ما يجب علينا فعله الآن. إنه واجبنا الوطني».

إلا أن ذلك كان أبعد بكثير من كل ما كان يرغب في إخباري به. فقد قال لي: إن النماذج العسكرية، وتحديدًا تلك التي أنشأتها السلطات الطبية داخل الجيش، والتي اطلع عليها شخصيًا، تشير إلى أن العدوى تتضاعف كل يومين إلى ثلاثة أيام. إلا أن النسب الرسمية يتم اصطناعها بحيث تبقى منخفضة؛ لأنه لا يتم فحص سوى من يتواصلون بشكل مباشر مع حالات ثبتت إصابتها، أو تعاني من أعراض حادة؛ فتحتاج إلى الإدخال لتلقي العلاج في المستشفى.

وثمة سبب آخر من وراء التقديرات المنخفضة لمعدلات الإصابة، ألا وهو أن الذين يموتون بالفيروس يتم تصنيفهم على أنهم توفوا بسبب مرض في الجهاز التنفسي، في العادة «الالتهاب الرئوي»، بدلًا عن أن تعزى وفاتهم إلى «كوفيد 19».

لم يتم تأكيد ذلك من قبل المصدر العسكري رفيع المستوى فحسب، ولكن إضافة إلى ذلك، وعلى مدى الأسابيع الثلاثة الماضية، من خلال العديد من المصادر الطبية داخل البلد بما في ذلك اختصاصي وبائيات داخل الجامعة، وطبيبان من أطباء الطوارئ في مرفقين منفصلين من المرافق الطبية.

إضافة إلى ذلك أخبرني الطبيبان بأنه منذ مطلع يناير (كانون الثاني) يتم تدوين سبب الوفاة على أنه مرض في الجهاز التنفسي، بدلًا عن نسبته إلى «كوفيد 19»، وذلك قبل وقت طويل من الإعلان عن أول وفاة بالفيروس في مصر في منتصف فبراير (شباط).

وبالرغم من أنه كان معروفًا في دوائر الجيش أن العدوى تنتشر، إلا أن قيادة الجيش كانت مهملة، واستمر القياديون فيه بتحية بعضهم البعض بالعناق والقبلات كما هو معهود في الثقافة المصرية، ولم يلتزموا بالحفاظ على تباعد اجتماعي كاف بينهم وبين المجندين، كما أكد لي الضابط رفيع المستوى.

وبعد تعافيه عاد المصدر للتواصل، وسلم لنا وثيقة.

تبدو الوثيقة في الظاهر عادية؛ فهي تتكون من صفحتين، ختمت عليها عبارة «سري للغاية»، ومرفق بها ملاحظة جانبية تقول إنها تسلم للقادة «بمجرد الوصول». تشتمل الوثيقة على قائمة بإجراءات الحجر للجنود الذين يغادرون المعسكرات أو يعودون إليها، وتحديدًا من الإسكندرية، وقنا، والمنيا، والمنوفية، ودمياط.

تقول الوثيقة: «من الآن وحتى إشعار آخر، تمنع جميع الإجازات إلى الأماكن المذكورة أعلاه. وكل من عاد منها خلال الاثنتين وسبعين ساعة الماضية فيجب أن يبقى في الحجر لمدة 15 يومًا».

المثير للاهتمام أن تلك كانت المرة الأولى التي يشار فيها إلى تلك الأماكن على أنها نقاط ساخنة. أضف إلى ذلك أن تلك الأماكن يمكن بسهولة أن تشتمل على مئات الآلاف من المدنيين المصريين، على الرغم من أن الأوامر تغطي فقط مئات الآلاف من الجنود المصريين، بما في ذلك الرتب العليا.

تشير الوثيقة إلى وجود أزمة داخل الجيش، وبالنسبة للبلد بأسره، أكبر بكثير مما كان يصرح به رسميًا، وهي أزمة آخذة في النمو بشكل مطرد.

وبين الضابط أن الجيش استقر أمره على سياسة «حصانة القطيع»، وهو نفس المفهوم الذي قيل إن الحكومة البريطانية كانت تدرسه في المراحل الأولى من انتشار الفيروس داخل بريطانيا.

إلا أن البريطانيين سريعًا ما تخلوا عن هذه السياسة، وأسقطوها من حساباتهم بعد أن تنبأ علماء في جامعة إمبيريال كوليج في لندن بأن مئات الآلاف من الناس يمكن أن يموتوا في غياب جهود أكثر تركيزًا على احتواء الوباء. والآن أضحى بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني، ضمن كبار المسؤولين الذين أصيبوا بالفيروس.

أخبرني المصدر بأن تلك كانت هي الإستراتيجية المصرية، أي أن يُسمح للفيروس بأن ينتشر، وهو إجراء ناجم عن الشح الشديد في أدوات الفحص، لدرجة أنه حتى كبار القيادات العسكرية لا يتم فحصهم، إلا إذا كان لدى الشخص حرارة عالية، وآلام في الحنجرة، أو صعوبة في التنفس.

لا يوجد لدى الجيش طريقة لمعرفة المدى الحقيقي للفيروس، وانتشاره، بدون إجراء الفحوصات على نطاق واسع وبشكل مكثف، كما بين لي الضابط. وكان قد أخبرني بذلك في نفس اليوم الذي أعلنت فيه منظمة الصحة العالمية أن لدى مصر القدرة على إجراء 200 ألف فحص لفيروس «كوفيد 19».

وأضاف أن عائلات العسكريين إذا انتشر الوباء ستكون لها الأولوية في العناية الطبية. في هذه الأثناء يتساءل الجمهور الذي باتت تساوره مخاوف شديدة: كيف يمكن لما يعلن عنه من معدلات رسمية، وما يتبعها من أعداد وفيات، أن يكون منخفضًا جدًا مقارنة ببلدان تتوفر لديها مرافق وأنظمة صحية أفضل بكثير.

قارن هذه التفاصيل بما صرح به السيسي عندما خرج من غيبته، حيث قال: «شعبنا، المصريين، غاليين علينا مثل أي إنسان في العالم».

حتى وقت نشر هذا التقرير لم تستجب وكالة الإعلام الرسمية في الحكومة المصرية لطلب وجههه لها موقع «ميدل إيست آي» للتعليق على المعلومات التي وفرها لنا الضابط.

Embed from Getty Images

حان وقت الشفافية

إلا أن قلة قليلة من المصريين سيفاجئهم هذا التناقض، وحتى من يؤيدون السيسي، ويقومون في العادة بتبرير التكتم على المعلومات، أو نشر معلومات مغلوطة بحجة أن ذلك من ضرورات الأمن القومي.

قال السيسي في إشارة واضحة إلى «الإخوان المسلمين»: «عندما تعلن الحكومة أرقامًا ويقوم البعض بالتشكيك فيها، هل ينبغي علينا أن ننسى أن ذلك جزء من إستراتيجيتهم؟ وأن تلك هي إستراتيجيتهم على مدى 80 عامًا؟».

في العالم الذي يعيش فيه السيسي كل من يشكك فهو بالضرورة عضو في جماعة الإخوان المسلمين، حتى لو كان هؤلاء المشككون صحافيين أجانب، أو علماء دوليين محترمين.

لا ينبغي أن يشعر أحد بالصدمة إزاء حقيقة أن الحكومة المصرية قادرة على محاولة التستر على أية كارثة وطنية، ولا إزاء حقيقة أنها تسعى للتحكم في المعلومات المرسلة، وأنها محدودة في مواردها، وليست على أهبة الاستعداد للتعامل مع احتمالية إخفاق النظام الصحي المتوفر لديها.

إلا أنه عندما يهدد مثل ذلك التستر حياة الملايين من المصريين، ومن خلالهم حياة الملايين الآخرين حول العالم، فلا يمكن حينها تصور تداعيات أشد خطورة.

لم يكن تجاوب الحكومة مع الأزمة كله سيئًا، فالإعلانات تملأ الإذاعة والتلفزيون. أحدها ملفت للنظر، إذ يقول: «لن نصافح بالأيدي، لن نتبادل القبلات، لن ننقل الفيروس». وهناك إعلان آخر تظهر فيه دمية شهيرة هي «أبلة فاهيتا» وهي تقول متحدثة من سماعة محمولة على سيارة تجوب الشوارع المصرية: «نداء من أرملة شهيرة. التجمع سم قاتل».

ولكن على السيسي الآن أن يقف أمام المصريين، ويكلمهم بصراحة، بدلًا عن أن يترك المعدل اليومي لانتشار العدوى ولأرقام الوفيات يزداد ببطء. فقد سجلت وزارة الصحة يومي الجمعة والسبت ست وفيات، وهو أعلى رقم للوفيات يعلن عنه حتى الآن. قد يكون هذا التوجه نحو الإعلان عن أعداد أكبر مقدمة لمزيد من الشفافية. إلا أن أنصاف الحلول لن تجدي نفعًا في أوقات الشدة.

إذا صح ما أعلنته منظمة الصحة العالمية من أن مصر لديها القدرة على إجراء ما يقرب من 200 ألف فحص لفيروس «كوفيد 19»، فإنه يتوجب إذًا إجراء تلك الفحوصات، ليس فقط شعورًا بالمسؤولية تجاه الشعب المصري، ولكن أيضًا كإجراء ضروري لمكافحة الفيروس على مستوى العالم.

عربي

منذ شهرين
«الجارديان»: بحث كندي يقدر أعداد إصابات كورونا في مصر بـ19 ألف إصابة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد