في تلك اللحظة البهيجة، بعد إطاحة مبارك، اكتشف المصريون أن كل ما تعلموه عن اللامبالاة والرضوخ للأمر الواقع كان ضربًا من الأساطير. ولكن جاءت الثورة المضادة بوحشيِّتها.

كتب خالد دياب، صحافي وكاتب ومؤلف، مقال رأي نشرته صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن الأوضاع الحالية في مصر بعد نحو عقد من الربيع العربي، مؤكدًا أن الأوضاع يمكن أن تنفجر في مصر في أي لحظة، وأن أفكار الربيع العربي ما زالت حية ولم يتسنَ للنظام، على الرغم من وحشيته وإمعانه في القمع، القضاء عليها.

ويستهل الكاتب مقاله بالقول: قبل عقد من الزمان، أشعلت شرارة أمل في تونس حريقًا سياسيًّا هائلًا اجتاح الشرق الأوسط والتهمتْ ألسنةُ لهَبهِ الحرسَ القديم. وواحدًا تلو الآخر، سقط عديد من الحكام المستبدين الذين حكموا البلاد طويلًا في العالم العربي: زين العابدين بن علي في تونس، وعلي عبد الله صالح في اليمن، ومعمر القذافي في ليبيا.

الربيع العربي

منذ 9 شهور
«فورين بوليسي»: هكذا غيَّرت ثورات الربيع العربي أوروبا

أنظار العالم على مصر

وبعد ذلك، وفي لحظة مجيدة بدا فيها أن التاريخ يمضي بخطوات سريعة ومن ثم تتباطأ خطواته، كانت كل أنظار العالم تتجه صوب مصر، حيث نزل الملايين إلى الشوارع، ليس لإطاحة الديكتاتور فحسب، ولكن أيضًا للمطالبة بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية. وكان يوم إطاحة حسني مبارك أعظم حدث تسبَّبَ في نشوة وابتهاج جماعيين في مصر في الذاكرة الحية. وفي تلك اللحظة البهيجة، اكتشف المصريون أن كل ما تعلموه عن اللامبالاة والرضوخ للأمر الواقع كان ضربًا من الأساطير، وأنهم يمتلكون إرادة جماعية وعزيمة ماضية، يمكنهم من خلالها تحريك الجبال واقتلاعها.

الربيع العربي: أدراج الرياح

واستدرك الكاتب قائلًا: ولكن من نَكِد الطالع، وبعد عقد من الزمان، يبدو أن كل الأحلام ذهبت أدراج الرياح – على الأقل للوهلة الأولى. ونادرًا ما ضحَّى هذا العدد الكبير من الناس في مقابل مثل هذه المكاسب الضئيلة. وعلى مستوى معين، شهدت مصر سلسلة طويلة من الأحداث والتغييرات خلال السنوات العشر الماضية، حيث حل طاغية كامل الأوصاف محل ديكتاتور شبه مستبد.

ومنذ استيلائه على السلطة في عام 2013، كرَّس عبد الفتاح السيسي نفسه لمهمة ذات هدف واحد، وهي ذبْح جِنِّي المصباح السحري الذي أشعل شرارة الثورة، وجعل شعبه يعُض أصابع الندم على الوقت الذي دَعَكُوا فيه هذا المصباح ليطلبوا من الجني الحصول على الحرية.

السجون: مؤسسات السيسي الديمقراطية

Embed from Getty Images

يضيف الكاتب: وفي محاولته استعادة السيطرة، لم يُظهِر المدير السابق للاستخبارات العسكرية أي ذكاء أو تطور في التفكير. وبدلًا من ذلك، فضَّل استخدام القوة الغاشمة والعنف، وآية ذلك أنه قتل أكثر من ألف مواطن في يوم واحد. واعتقل نظام السيسي أو سجن أو أخفى قسريًّا آلافًا لا حصر لها من النشطاء والمعارضين والثوار والصحافيين من جميع الأطياف السياسية؛ مما جعل السجون المصرية أكثر مؤسساته ديمقراطية.

وبات الأشخاص الذين سعَوا يومًا ما لتحقيق حلم الحرية في ميدان التحرير وغيره من الميادين والساحات في جميع أنحاء البلاد، إما قابعين خلف القضبان، وإما يلملمون أحلامهم بالحرية التي تكسَّرت على صخرة الاستبداد، وإما يحاولون لمَّ شَعْث حياتهم المحطمة في المنافي بعيدًا عن أرض الوطن، أو في المنافى المعنوية التي تُحطِّم الأرواح، والتي انفصلوا فيها بعضهم عن بعض.

يقول الكاتب: وبالنسبة لمصريٍّ مُغتربٍ مثلي، يصعب عليه أن يشاهد ما يجري في مصر ولا يشعر بالحزن، ناهيك عن الشعور بالعجز والذنب. وأنا أشعر بالحزن، بسبب الحياة المحطمة لملايين المصريين والفرصة الضائعة لتحويل بلد به كثير من الإمكانات، إلى مكان يخدم مواطنيه بدلًا من اختزالهم في قفص العبودية.

أما مبعث شعوري بالعجز فيرجع إلى أنه لا يوجد ما يمكنني أنا أو غيري أن نفعله سوى التعبير عن معارضتنا للسلوك الوحشي لنظام السيسي، وغضبنا من الدول التي تُسلِّح هذا المشروع الإجرامي وتساعد في تمكينه ودعمه. وفيما يخص الشعور بالذنب، فيعود ذلك إلى أن أناسًا أحترمهم، بمن فيهم أصدقاء لي، يواصلون الوقوف على خط النار، بينما أراقب أنا الموقف من مسافة آمنة.

تونس استثناء يتحدى الأعراف

لفت الكاتب إلى أن النجاح الساحق للثورة المضادة في سحق الثورة أدَّى إلى عودة الكثيرين إلى الفكرة القديمة القائلة بأن الديمقراطية لا تنجح في مصر أو في المنطقة الأوسع. لكن تونس هي الاستثناء الذي يتحدى الأعراف، والذي يثبت أن الحكم الاستبدادي يجب أن لا يكون بمثابة القاعدة في العالم العربي.

ويشير الكاتب إلى أنه في مصر، كما هو الحال في كثير من أنحاء المنطقة، ليس الشعب هو العاجز عن فهم الديمقراطية، بل قادة البلاد هم الذين يرفضون قبولها. وعند مواجهة جيش مدجج بالسلاح يرفض الانسحاب من السياسة، ويواجه فراغًا في القيادة ناتجًا من عقود من القمع، فإن الشعب الراغب في الحرية والكرامة لم يحظَ بفرصة، حتى الآن على الأقل.

Embed from Getty Images

والفكرة، التي تجد رواجًا داخل مصر وخارجها، المتمثلة في أن المصريين لا يفهمون إلا لغة القمع ويحتاجون إلى «فرعون» ليحكمهم، هي فكرة غير دقيقة بقدر ما هي مهينة. وهذه قراءة خاطئة بشدة لفهم الواقع والتاريخ. إن السيسي ليس فرعونًا، وهو مكروه إلى حد بعيد، وعلى الرغم من كونه مستبدًّا، فإنه يتمتع بسلطات قليلة على نحو ملحوظ. والاعتماد الكبير من النظام على العنف هو في الواقع علامة على ضعفه، وليس قوته.

استعراض القوة الهائل يعني رفض المصريين للاستبداد

وتابع الكاتب: إذا كان المصريون يرغبون حقًّا في الحكم الاستبدادي ومفطورِين عليه، فالمفترض أن السيسي ما كان يحتاج إلى مِثل هذا الاستعراض للقوة الهائلة للسيطرة على البلاد: كان الناس سيعيشون حياتهم في هدوء بدلًا من المقاومة الحماسية التي كلفتهم الكثير.

والمصريون ليسوا إلى حد بعيد الأكثر خضوعًا للسلطة في المنطقة أو العالم، وهناك كثير من القادة الذين يتصرفون مثل فرعون توراتي أكثر مما فعله أي زعيم مصري على الإطلاق. وعلاوةً على ذلك، فإن الاستبداد عميق الجذور في بعض الديمقراطيات الراسخة، وهذا ما يدعو للأسف والقلق على حد سواء.

إذن ما الذي يخبئه المستقبل لمصر؟

يشير الكاتب إلى أنه على الرغم من أن الأفكار والتطلعات التي أيقظتها الثورة المصرية قد سُحِقت، فإنها ما تزال حية، وهي الآن تستقطب شريحة أكبر من السكان مما كانت عليه عندما تولى السيسي السلطة. حتى إنه لم يعُد بطلًا أو منقذًا بالنسبة لعديد من أنصاره الذين كانوا يؤيدونه يومًا ما. وعلى الرغم من هزيمة الثورة السياسية في الوقت الحالي، فإن هناك ثورة اجتماعية تمضي في طريقها بكل قوة.

الرعب ينتاب السيسي من أي تحدٍّ لسلطته

واستدرك الكاتب قائلًا: غير أنه لا يوجد حاليًا أي مساحة في المشهد السياسي لأي تغيير إيجابي. وبسبب عدم استقراره على عرشه آمنًا، لا يتسامح السيسي مع أي معارضة فحسب، بل يشعر بالرعب أيضًا من أي تحدٍ محتمل لسلطته. وأوضح انعكاس لذلك يتمثل في الترهيب والسجن اللذين تعرَّض لهما كل من كان يخطط للترشح للرئاسة في «الانتخابات» السابقة، والتي «فاز» بها على نحو غير مفاجئ بنسبة 97% من الأصوات.

Embed from Getty Images

وهذا مقلق للغاية بالنسبة للمستقبل. وعلى الرغم من أن مصر لم تسقط حتى الآن إلى الهوة التي وصلت إليها سوريا أو ليبيا، فإن هذا الاحتمال القاتم ليس مستبعدًا. وكلما زاد السيسي من العنف والقمع، زادت احتمالية إشعال النظام لصراع واسع النطاق.

مصر على طريق الدول الفاشلة

ويختتم الكاتب مقاله موضحًا أنه على الرغم من أن الدولة المصرية لم تفشل بالكامل بعد، فإنها بالتأكيد ماضية في طريق الفشل. ولأنها مشغولة بإثراء الجيش، فإنها تفشل باستمرار في تقديم الخدمات التي يتوقعها المواطنون من حكومتهم. وفي الواقع، وبالنسبة لغالبية المواطنين، أصبح وجود الدولة في حياتهم ليس إلا للقمع فحسب. ومن دون أي تغيير حقيقي، ستنتهي مصر قريبًا إلى مكان مظلم للغاية. ولكن بعد 10 سنوات من الربيع العربي، لم تنجح محاولات حاكم مصر في سحق المعارضة أو القضاء على الأفكار التي أحياها الربيع العربي في نفوس الشعب.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد