كيف يمكن أن ينتعش الاقتصاد المصري في ظل الجائحة العالمية؟ يجيب عن هذا السؤال الرئيس التنفيذى لشركة «ماجد الفطيم العقارية»، أحمد جلال إسماعيل، في مقالٍ نشره موقع المنتدى الاقتصادي العالمي.

يستهل المقال بالإشارة إلى أن مصر نجحت في تحقيق إحدى أقوى عمليات التحوُّل في الشرق الأوسط. فعلى الرغم من أنها واجهت فترة عصيبة في تاريخها، فإنها تمكنت من تحسين أدائها؛ بفضل الإصلاحات الاقتصادية، والتركيبة السكانية الملائمة، ومعدل التضخم المستقر، وهو ما تُوِّج العام الماضي بزيادة الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.6٪.

لكن على خُطا الاقتصادات المتقدمة والنامية الأخرى، أعاد كوفيد-19 رسم مسار التقدُّم الاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته مصر. فالجائحة – التي هي في جوهرها أزمة تتعلق بالجانب الإنساني والصحة العامة – تتطلب جهدًا جماعيًا، ليس فقط لحماية أرواح المواطنين، ولكن أيضًا للحفاظ على موارد رزقهم.

في هذا الإطار تفاوضت الحكومة المصرية مع مؤسسات دولية متعددة الأطراف، وحصلت مؤخرًا على قرض طارئ من صندوق النقد الدولي لدعم الاقتصاد. كما أنها تعمل مع القطاع الخاص في مجالات التوظيف والضرائب وتقديم قروض بفائدة منخفضة.

ولكن مع وجود العديد من القطاعات الاقتصادية التي تواجه آفاق نموها تحديات على المدى القريب – لا سيما السياحة – فما الذي يمكن أن تفعله الدولة المصرية للبقاء في الطليعة، والعودة إلى مسار النمو؟

العالم والاقتصاد

منذ 4 شهور
«ف. أفيرز»: عمال التوصيل والنظافة.. ما هي مخاطر الجائحة على الاقتصاد غير الرسمي؟
الاقتصاد المصري

الناتج الإجمالي. مصدر البيانات: البنك الدولي

يجيب إسماعيل عن هذا السؤال بتسليط الضوء على ثلاثة مجالات رئيسة، ينصح مصر بالتركيز عليها لتحصيل فوائد كبرى، وتمهيد الطريق لتعزيز النمو:

المجال الأول: الاقتصاد المصري والبنية التحتية

في تقرير صادر عام 2018 شدد البنك الدولي على أن خطط الإصلاح والاستقرار النسبيّ في مصر أتاح فرصة لجذب المزيد من الاستثمارات في البنية التحتية الخاصة، وبالتالي خفف العبء عن كاهل الأموال العامة، وسمح بضخها في أولويات أخرى.

وينصح إسماعيل بأن تتبنى الدولة المصرية عملية تسييل إستراتيجية للبنية التحتية العامة كبند أساسي في جدول أعمال الحكومة أثناء التعافي من كوفيد-19. ويلفت إلى أن الدولة تعمل بالفعل مع شركاء التنمية الدوليين لدعم هذه الأهداف الاستثمارية وغيرها. ومن بين هؤلاء الشركاء، البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير (EBRD) ، الذي منح «الشركة المصرية لنقل الكهرباء» مؤخرًا قرضًا بقيمة 183 مليون يورو؛ لتعزيز شبكة الكهرباء، ودمج مصادر الطاقة المتجددة، وخفض الانبعاثات.

تماشيًا مع هذه المخصصات الاستثمارية، يشير الكاتب إلى أن الأصول المملوكة للقطاع الخاص ليست وحدها هي التي يمكن أن تستفيد من هذا الاستثمار. صحيح أن الاقتصادات الناشئة لطالما كانت تتسم بمرافق عامة كبيرة – ومعظمها من نوعية «الأفيال البيضاء» (ملكية لا تتناسب تكاليف إدارتها أو صيانتها مع قيمتها أو عائدها) – تحتاج إلى كفاءات الاستثمار الخاص وانضباطه. ومع ذلك أثبتت أصول البنية التحتية المملوكة للدولة مرارًا وتكرارًا أنها يمكن أن تكون جذابة لمستثمري القطاع الخاص؛ لأنها تزودهم بطلبٍ قابل للتنبؤ وعوائد ثابتة.

ولذلك يرى الكاتب أن جذب مستثمري البنية التحتية الذين يتمتعون بالخبرة والسجل الحافل في هذا المجال – سواء في حالات التحوُّل (الانتقال من فترة اتسمت بضعف الأداء إلى مرحلة التعافي المالي) أو في خلق قيمة ثابتة – سيكون عاملًا حيويًا عند توسيع شبكات النقل، وتحديث شبكات الكهرباء، وتحسين شبكة الصرف الصحي وإمدادات المياه.

وينتقل المقال إلى الحديث عن صندوق مصر السيادي؛ الذي يرى أنه أسهم، وسيواصل الإسهام، بدورٍ رئيس في تأمين الاستثمار في البنية التحتية الخاصة. ففي ديسمبر (كانون الأول)، بعد وقت قصير من انطلاقه، أعلن الصندوق عن خطط لبيع حصة أغلبية في امتياز لتشغيل ثلاث محطات طاقة لمستثمر أو صندوق أو مشغل خاص. وينصح الكاتب بتشجيع مثل هذه الاستثمارات استنادًا إلى أن تضافر جهود رأس المال الخاص والشراكات العامة يعود بفوائد اقتصادية واجتماعية.

Embed from Getty Images

وفي الآونة الأخيرة أعلن صندوق مصر السيادي عن إطلاق منصة استثمارية مشتركة بقيمة 20 مليار دولار مع شركة أبوظبي التنموية القابضة ADQ، وهي واحدة من أكبر الشركات القابضة في المنطقة، تضم مجموعة متنوعة من الشركات الكبرى التي تغطي القطاعات الرئيسة للاقتصاد غير النفطي في أبوظبي.

ويضيف الرئيس التنفيذى لشركة ماجد الفطيم العقارية: ينبغي تشجيع مثل هذه الشراكات الثنائية؛ لأنها تُسهِم في تعزيز قطاعات حيوية في الاقتصاد، وتعتبر نموذجًا يُحتَذى للنجاح يمكن تكراره على نطاق أوسع.

ثانيًا: إعادة التوازن لسلاسل التوريد

المجال الضروري الثاني الذي ينصح المقال مصر بالتركيز عليه، هو: إعادة التوازن لسلسلة التوريد، وتعزيز مزاياها التنافسية الراسخة. إذ كشفت جائحة كوفيد-19 عن نقاط ضعف في سلاسل التوريد العالمية، وقد تؤدي هذه الأزمة إلى تفكيك أوصال العولمة، وإنشاء أنظمة ترتكز أكثر على الطابع المحلي، وفقًا لما تبنأ به كبير المستشارين الاقتصاديين في شركة أليانز، محمد العريان.

وهناك عددة مسارات يمكن اتباعها لإعادة التوازن في أنظمة سلسلة التوريد وتجديدها، يركز الكاتب على مسارين منها:

المسار الأول: 

الالتفات إلى الجانب المحلي، أو حتى التركيز بعمق على هذا الجانب المحلي، وهو ما قد يصبح ضرورة عملية عندما تكون حركة الانتقال مهددة، وتُغلَق الحدود. ويشدد المقال على أهمية هذا المسار؛ لأنه يعني إمكانية تعزيز أنظمة الزراعة المحلية وتوافر سوق للاستهلاك المحلي والإقليمي.

وفي هذا السياق، يمكن استكشاف تقنيات زراعية جديدة، مثل: المزارع المائية لإنتاج الغذاء في نقاط البيع POS (مكان فعلي أو افتراضي يدفع من خلاله العميل المال مقابل حصوله على السلع أو الخدمات، وقد تصبح فيه ضرائب المبيعات مستحقة الدفع) ويمكن التوسُّع في التوزيع المستدام للأغذية.

يستشهد الكاتب بتجربة الإمارات العربية المتحدة، حيث عملت شركة ماجد الفطيم مع الحكومة لإنشاء شبكة من 6 آلاف مزرعة محلية لضمان إمدادات مستدامة من المنتجات الطازجة. وفي الوقت نفسه ستسهم هذه المبادرة في إيجاد فرص عمل وفتح قنوات توزيع جديدة وتوفير فرص نمو للمزارعين، داخل الإمارات وخارجها.

يتابع الكاتب: يمكن لمصر أيضًا أن تفكر في تطبيق نموذج مماثل يضمن لها الأمن الغذائي، ويوفر فرصًا ثابتة من فرص العمل في مجال الصناعة الزراعية وشبكات سلسلة التوريد التي تدعمها.

المسار الثاني: 

يشجع المقال أيضًا على تعزيز سلسلة التوريد والقدرة على التصنيع، بالتعاون مع الشركات الصينية المتمرِّسَة في هذا المجال. وتعتمد هذه الشراكات على العلاقات الإيجابية الموجودة بالفعل بين المنظومتَيْن الاقتصاديتَيْن في كلا البلدين، لا سيما فيما يتعلق بمبادرة الحزام والطريق BRI، بل على نطاق أوسع من ذلك.

ونظرًا لموقع مصر الإستراتيجي، وتربُّعها في نقطة التقاء بين الشرق الأوسط وأفريقيا، يلفت الكاتب إلى أن أمامها فرصًا قوية للاستفادة من هذه الشراكات، ودعم السوق، ولمجتمع اقتصادي أوسع.

يتابع المقال: نجحت مصر في تنويع اقتصادها، وتنتج بالفعل مجموعة واسعة من المنتجات الزراعية والصيدلانية والمُصَنَّعة. ومن خلال الحوافز الحكومية والمالية المناسبة للاستثمار الخاص، وبالتحالف مع الشركاء الذين يتشاركون توجهات مشابهة، يمكن توسيع هذه الأنشطة لتدشين سلاسل إمداد إقليمية مرنة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا.

Embed from Getty Images

ثالثًا: تعهيد المواهب

لطالما كانت الاستعانة بمصادر خارجية لإنجاز الأعمال BPO (العهد بأجزاء من العمل إلى موردين خارجيين، بدلًا عن إكمالها داخليًا؛ بهدف تقليل التكاليف) ساحةً تنشط فيها دول بعينها مثل: الهند، والفلبين، بفضل تركيبتها السكانية التي تجمع بين الشباب والتعليم والتحدث باللغة الإنجليزية.

واليوم تحصل صناعة التعهيد على قوة دفع أكبر؛ نظرًا لحاجة الشركات إلى استكشاف حلول ذكية تساعدها على تحسين النقدية، والحفاظ على رأس المال المتداول (السيولة المتاحة لإدارة المشروع أو المؤسسة)، ولكن دون المساومة على الجودة.

ويخلُص المقال إلى أن بمقدور مصر الاستفادة من هذا الاتجاه، لموازنة التداعيات الاقتصادية الناتجة عن كوفيد-19، بفضل ما لديها من قوة عاملة شابة تتمتع بالمهارة التكنولوجية والتعليم الجيّد.

ويستشهد الكاتب بالجامعات المصرية التي تضخ إلى سوق العمل نصف مليون خريج سنويًا، كما أن مصر تضم أحد أكبر القوى العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات في العالم، وهي ميزة لا مثيل لها في المنطقة.

علاوة على ذلك يمكن للمواهب الهندسية، ومشهد ريادة الأعمال المتنامي في مصر، أن تكمِّل سوقًا مزدهرة لنقل الخدمات الرقمية والتحليلية إلى الخارج، اكتسبت دفعة ثابتًة، وستكتسب أهمية متزايدة في هذا الوقت.

كما تتيح اللغة العربية التي يتحدث بها العمال المصريون فِطريًا (كلغة أم) إمكانية التواصل الطبيعي مع 300 مليون متحدث باللغة العربية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك سوقها المحلي. ويمكن أن تؤدي المهارات اللغوية المتنامية إلى توسيع الجاذبية التي تتمتع بها مصر في أسواق أخرى.

أضف إلى ذلك موقعها الجغرافي في قلب منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؛ ما يجعل مصر مركز جذب للمستثمرين الأجانب الراغبين في الاستعانة بمصادر خارجية لإدارة الأعمال.

ويستدل الكاتب على إمكانيات مصر للاستثمار الداخلي في هذا المجال باستحواذ شركة فودافون العالمية مؤخرًا على خدمات فودافون مصر الدولية، التي توصف بأنها أكبر مزود لخدمات الاستعانة بمصادر خارجية أجنبية عبر البحار في المنطقة. وتتوقع فودافون توسيع قوتها العاملة البالغ عددها 7 آلاف فرد بعد الاستحواذ.

Embed from Getty Images

ويختم الكاتب حديثه عن هذه النقطة بالقول: من خلال تبني نهج أكثر استراتيجية في قطاع الاستعانة بمصادر خارجية لإنجاز الأعمال، وتعزيز أوراق الاعتماد الجاذبة للمستثمرين؛ يمكن أن تتوقع الحكومة المصرية أن تجني الفائدة وتجذب الاستثمار. ومن خلال وضع الأطر التي تدعم هذه الصناعة وتعززها؛ ستنشأ مزايا متعددة للشركات والعملاء والقوى العاملة الشابة المتعطشة للتوظيف.

التركيز على المستقبل

يقول الكاتب: إن الحكومة المصرية اتخذت موقفًا مسؤولًا واستباقيًا في إطار سعيها للحفاظ على أمن شعبها ومجتمعاتها أثناء فترة الجائحة. ومن خلال التركيز على المزايا المتأصلة، يجب على مصر توسيع هذا الدور أكثر لتسريع وتيرة الاستيعاب المحلي والإقليمي، وتوسيع شبكة الأمان لتغطي الشركات، الكبيرة والصغيرة.

ويختم المقال بالقول: في مثل هذه الأوقات، تقدم شبكة الأمان فائدة تتجاوز مجرد الوفاء بمتطلبات العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، إذ تصبح هي الأساس للنمو المتسارع الذي يُمَكِّن الدولة وشعبها من المضي قُدُما في خضم هذه الفترة التي يمكن القول إنها الأكثر تحديًا في الذاكرة الحديثة.

عربي

منذ 4 شهور
تخوين وحرمان من الحماية.. «ميدل إيست آي» يرصد أوضاع أطباء مصر في مواجهة كورونا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد