من المثير للسخرية أن عودة جماعة الإخوان المسلمين إلى المسرح السياسي في مصر لن يكون إلا نتيجة لأفعال نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي. انتشرت نكتة ساخرة بعد سقوط الرئيس مرسي على إثر الاحتجاجات الشعبية في يونيو 2013: على مدار 50 عامًا حاول عبد الناصر، السادات ومبارك هزيمة الإخوان المسلمين بلا جدوى، لكن الأمر تطلب سنة واحد فقط من حكم الرئيس مرسي.

لكن النكتة لم تنته بعد. فيبدو أن نظام السيسي يبذل قصارى جهده لمحو ما فعلة مرسي بكفاءة تامة. لقد حظي السيسي بكل شيء: دعم شعبي جارف، إرادة صادقة لجمع شتات البلاد، إرهاق عام من التظاهرات والاحتجاجات، معارضة إسلامية مصابة بشدة، ومساندة إقليمية واسعة. لكن ما كان ينقص السيسي هو الفهم العميق لكيفية إدارة المشهد الفوضوي، والخطة المفصلة لإعادة بناء البلاد في أقل وقت ممكن.

هناك 3 محاور رئيسية في المشهد: الشعب، آلة النظام الحاكم، والإخوان المسلمين. رفض الشعب مرسي لأنه لم يتمكن من تحقيق وعوده في تحسين الحياة اليومية، أو إصلاح الآلة الحاكمة، وإيقاف التداعي المستمر للخدمات العامة. ما كان يحتاجه السيسي هو العمل على هذه المناطق، بجدية وبسرعة. كان الشعب على استعداد للانتظار إن رأى محاولات ذات مصداقية لوضع خطة تعد ببعض النتائج الإيجابية وتدفعهم للتحلي بالأمل. لكن السيسي اختار تأجيل أي إصلاحات إدارية في سياق عدم إزعاج الآلة الحاكمة في حربها ضد الإخوان المسلمين وحلفائهم. كان هذا الاختيار خاطئًا، وكلّف السيسي جزءًا كبيرًا من شعبيته. لم يفهم السيسي الوزن النسبي والتفاعلات المتداخلة بين الأقطاب الثلاثة لمصر ما بعد مرسي.

لم يكن الاختيار سهلًا، لكن العقول المستنيرة فقط هي التي تدرك أنه لا تعارض بين إصلاح الآلة الحاكمة ومحاربة الإخوان. فإصلاح الآلة الحاكمة يحافظ على الدعم الشعبي الضروري لنجاح هذه الحرب، لكنه يتآكل الآن سريعًا. في الحقيقة فإن الشعب يعيد التفكير في رفضه التام للإخوان المسلمين.

لا أحد يستطيع القيام بمهمة إعادة تجميع النسيج المصري المفكك بلا أدوات مناسبة. إن كان الهدف هو إعادة بناء بلد شارفت على الانهيار، فإن الأداة الرئيسية هي الآلة الحاكمة، والعلم الرئيسي هو الإدارة السياسية، والسيسي لم يحظ بأي منهما. إن حله الرئيسي في محاربة الإخوان كان الشعب نفسه، وهذا الشعب اشترط في دعمه للسيسي أن يبذل جهدًا كبيرًا لإصلاح البلاد وتحسين المعيشة، وهو ما لم يحدث، ولم يقترب حتى أمل حدوثه في المستقبل القريب. فالأشياء تسير في الاتجاه المعاكس.

إن نقاط التماس بين النظام والشعب معروفة، فأي مصري يرى مصطلح “الدولة” في حياته اليومية من خلال العاملين بالخدمة المدنية، الخدمات العامة، قوات الشرطة، الأداء البيروقراطي والإداري، الأسعار والإعلام. إن كان هذا ما يراه المصريون في الدولة، فإن السيسي كان يجب عليه التساؤل عن وسائل تنظيم وإدارة الدولة. إن نقاط التماس هذه، التي تشكل إدراك الشعب لمفهوم الدولة، قد ازدادت سوءًا بشدة في العامين الماضيين.

للنجاح في مهمة معقدة مثل قيادة البلاد، فإن السيسي يحتاج إلى دعم سريع من صانعي المزاج العام: الطبقة الوسطى، وخاصة في المناطق الحضرية. لكن دعنا نرى مثالًا على جودة المسار الإعلامي المخاطب للطبقة الوسطى، ليظهر لهم أن هناك تغييرات. محرر بصحيفة مشهورة صرّح منذ عدة أيام أنه اكتشف “أخيرًا” السر وراء ارتداء السيسي للنظارات السوداء.

“الرجل يبكي كل ليلة لساعات طوال لأنه يشعر بمعاناة فقراء مصر”.

هل من المفترض أن يقنع هذا المصريين أن السيسي شخص جيد؟ على الجانب الآخر، فإن الصحفيين الحقيقيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، أمثال حسام بهجت، يتم اعتقالهم أو ترويعهم.

في تلك اللحظات العصيبة، فإن ما يجب أن يرتكز عليه الشعور السياسي للنظام هو الأمل. والأمل تولده الإدراكات والتجارب، لكنه لن يصمد بذاته طويلًا. يجب حقنه بانتظام بعلامات من التحسن، حتى المتواضعة منها. إن سقط الأمل، فإن المحافظة على بقاء النظام ستعتمد أكثر و أكثر على القمع.

لكن القمع سلاحٌ ذو حدين، خاصة في بلد مرّت بثلاثة أعوام من الطور الثوري. مصر ليست على حافة ثورة أخرى، لكنها تقترب من الحافة سريعًا، سريعًا جدًا. والوقت من ذهب في مثل هذه الحالات. إن قُدّر لانتفاضة ثانية أن تقوم، فإن العنف الناتج قد يهدد بانهيار شامل، مثلما حدث في سوريا. الإخوان المسلمون سيكونون الشيطان الأصغر والأخف.

من الواضح أن الآلة الأمنية في مصر لديها رؤية سطحية حول الوضع في مصر، تدفع بقطاعات واسعة من الطبقة الوسطى إلى معارضة السيسي. لكن هذه الآلة تعيش على تضخيم التهديدات وتضخيم الاستجابة لها بالتبعية. هذه الآلية لا تتضمن تحليلًا اجتماعيًّا سياسيًّا للتحديات على حقيقتها. إن العاملين في المجال الأمني قريبون جدًّا من الصورة إلى درجة عجزهم عن رؤية عناصرها في إطارها السياسي الحقيقي.

هكذا لا يجد السيسي أمامه إلا عصا القمع ليكتسب مزيدًا من الوقت. الأدوات الأخرى إما تحاكي نظرية النظارة السوداء، أو هي شديدة الفساد، عديمة الكفاءة. الرجل حسن النية، أتى ليحكم بلدًا لا شيء فيها يعمل كما يفترض به. إن المشكلة في مصر أكبر من تخيل المصريين أنفسهم. لكن لا شك أن السيسي يسير في الطريق الخاطئ. كان يجب عليه البدء في سنّ أدواته وتزييتها، وبعدها يأتي عزل أعدائه كمهمة سياسية متفهّمة. الأمن يأتي في المرتبة الثانية. هذا الترتيب تم الإخلال به ليس فقط في مواجهة العدو لكن أيضًا في الحفاظ على قاعدة الدعم الجماهيري.

إن النجاحات قصيرة المدى تم تقديمها كعلامات على جودة الإستراتيجية التي يتبعها النظام، لكنها في ذات الوقت علامات على الفشل. حرية الخطاب السياسي تم التعامل معها على أنها مشكلة، لا كأداة محتملة لتقوية النسيج المصري. أصوات المعارضة يستم إسكاتها بغير حاجة حتى وإن كانت تشير إلى إنعدام الكفاءة في آلة الحكومة. إن تشجيع النقد لأداء الدولة لا يُرى كأداة في سبيل إصلاحها.

لذا، يمكننا القول إن جماعة الإخوان لديها حليف قوي: حياد الحكومة والسيسي عن الطريق الصحيح، بغض النظر عما يقوله عن نفسه أو عن حكمه. والإخوان المسلمون يدعون الحكومة تعمل عملها هي في تحريك الشعب من أرضية دعم النظام إلى خانة المعارضة، والحكومة تفعل ذلك بكفاءة مثيرة للدهشة.

الإخوان المسلمون في منتصف الطريق الآن إلى إعادة التأهيل ونيل غفران نفس الشعب الذي طردهم من السلطة منذ عام ونصف. رأينا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة علامتان غريبتان: الأولى أن الشعب امتنع عن التصويت. والثانية أن حزب النور السلفي الداعم للنظام، حظي على عدد مثير للسخرية من الأصوات. ويبدو أن الشعب المصري قد مارس نوعًا من الاحتجاج الصامت بامتناعه عن التصويت، وأن الإخوان المسلمين يحظون بما يحظون به من الدعم ليس فقط لأنهم إسلاميون، بل لأنهم “المعارضة” المواجهة لنظام يحاول بكل جدية تنفير قاعدته الشعبية. لو كان الأمر متعلقًا بالإسلاميين فإن الشعب كان ليصوت للنور.

هل فات الأوان؟ ليس بعد. ما زال للسيسي قاعدة شعبية معقولة. لقد نُصِح بفعل خاطئ وهو ألا يشرح للمصريين الحجم الحقيقي لمشكلات اللحظة الوجودية. استمتع السيسي بشهر العسل، وقد حان الوقت لكي يخرج بنتائج، وهي غير موجودة.

بعد نكسة 1967، خرج عبد الناصر يشرح للشعب الحجم الحقيقي للكارثة، وطلب منهم المساعدة. قبل الشعب طوعًا أن يربط الأحزمة ويرشّد استهلاكه من الأطعمة لعدة أعوام. من الواضح أن مستشاري عبد الناصر يختلفون عن مستشاري السيسي كثيرًا.

لكن الطبقة المتوسطة هي التي ستحدد مستقبل مصر. يجب أن يخاطب النظام هذه الطبقة الاجتماعية الرئيسية إن أراد البقاء. ومخاطبتها تبدأ باحترام العقول والتوقف عن نظريات النظارات السوداء والبكاء. والمهمة الرئيسية هي إصلاح الآلة الحكومية. في شرق أوروبا، بدأ عام الإصلاح حينها بخطة لتغيير موظفي المراكز العليا والهياكل من الأعلى إلى الأسفل، وليس العكس. آليات المراقبة ومكافحة الفساد والمحسوبية أعطيت سلطات كاملة بداخل كل هيئة حكومية. لكن لكي ينجح هذا لابد أن تبدأ في احترام الشعب، وتتوقف عن رؤية أفراده كأشياء لا أشخاص.

مؤخرًا تسببت عواصف ممطرة في إغراق عدة مدن وقرى مصرية، لتقتل العشرات. سلطت المأساة الضوء على شلل الآلة الحكومية والخدمات العامة. أما كارثة الطائرة الروسية بشرم الشيخ فستعيق السياحة وتحرم الصناديق العامة من العملة الصعبة التي تحتاج إليها الدولة المصرية بشدة. يستمر إعلام الدولة في تفسيره الغبي لكل الأشياء السيئة على أنها “مؤامرة دولية على مصر”. يقول محلل عسكري “مرموق” لمشاهديه على شاشات التليفزيون أنه حتى العواصف والمطر يمكن “ابتداعها” من قبل أجهزة المخابرات في الدول القوية.

يستعد الشباب المصري لموجة أخرى من الاحتجاجات في ذكرى 25 يناير. هذه الموجة لن تحقق الكثير لأن الشعب لم ييأس من السيسي بعد. ولكن إن استمر المسار الحالي للنظام، فقد تكون هذه الاحتجاجات تحضيرًا لشيء أسوأ بكثير.

لا يجب أن يأمل في زعزعة نظام السيسي، لأنه لا بدائل غير الفوضى الشاملة. لا يجب لأحد ألا يتمنى نجاح نظام السيسي، لأن فشله سيكون خبرًا سيئًا للغاية بالنسبة للمنطقة كلها. لا يجب أن يتمنى أحد مزيدًا من عدم الاستقرار، لأن آخر ما يحتاجه الشرق الأوسط هو سوريا جديدة. إن انهيار مصر قد يبدأ حقبة جديدة من العنف في قلب الشرق الأوسط. لكن يجب على أحدهم أن يقنع الدولة المصرية بكل هذا، لكي يتمكن السيسي من السيطرة على الدولة.

إن الوقت ينفد، وبسرعة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد