قال ديفيد روزنبيرج في مقال له في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية إن مصر تواجه أزمة معقدة، تتمثل في الزيادة السكانية الانفجارية، التي تتزامن مع معضلة تغير المناخ، وتوابع بناء سد النهضة الإثيوبي.

استهل روزنبيرج مقاله بالقول: «هل تتذكرون النكتة القديمة عن الطبيب الذي يقول لمريض، لدي بعض الأخبار السيئة لك وأخرى أسوأ. يجيب المريض: أخبرني عن الأخبار السيئة أولًا، فيرد الطبيب، أمامك 24 ساعة للعيش. يصرخ المريض الغاضب: 24 ساعة، ماذا يمكن أن يكون أسوأ من ذلك؟ فيقول الطبيب: لقد نسيت أن أخبرك بالأمس».

استبدل بالطبيب باحثًا في علم السكان وبالمريض مصر، وستكون لديك النكتة نفسها، ولكنها ليست مضحكة.

مشكلة الإحصاء

في الأسبوع الماضي أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري أن عدّاد التعداد السكاني سجل 100 مليون نسمة. هذه هي الأخبار السيئة – يشير روزنبيرج. الخبر الأسوأ هو أن الأمم المتحدة تقدر أن مصر وصلت إلى 100 مليون في وقت ما من العام الماضي.

هذه الأشهر الستة، أو نحو ذلك تحدث فرقًا كبيرًا: يزيد عدد المصريين وفقًا للأمم المتحدة 1.3 مليون مصري مقارنة برقم «التعبئة والإحصاء» المصري.

وحتى يزداد الطين بلة، لا يشمل تعداد «التعبئة والإحصاء» سوى عدد المصريين الذين يعيشون في مصر. فلأن الاقتصاد المصري ضعيف في خلق وظائف، يعيش ما يقدر بنحو 9 ملايين آخرين في الخارج، معظمهم في الخليج. وبالنظر إلى الحالة المؤسفة للاقتصادات الخليجية والجهود الرامية إلى التخلص من العمالة الأجنبية، لا يمكن لمصر أن تعتمد عليها للحفاظ على استيعاب سكانها الزائدين.

تتوقع الأمم المتحدة أن يصل عدد سكان مصر إلى 120 مليون بحلول عام 2030 و153 مليون بحلول عام 2050 – يكشف روزنبيرج – وهذا خبر سيئ بما فيه الكفاية. لكن الخبر الأسوأ هو أن الأمم المتحدة قد قللت بشكل كبير من وتيرة النمو السكاني في مصر في الماضي، عندما توقعت أن تصل مصر إلى 96 مليون في عام 2026؛ في الواقع، حدث ذلك في عام 2017.

مصر ليست الدولة الوحيدة في العالم العربي التي تواجه مستقبلًا ديموغرافيًّا مظلمًا، لكن وضعها يبدو كئيبًا للغاية. من المتوقع أن ينمو عدد سكانها بشكل أسرع قليلًا من المنطقة ككل خلال العقد القادم.

تراجعت جهود مصر في احتواء النمو السكاني – يؤكد روزنبيرج. قبل عقد من الزمن، انخفض معدل الخصوبة إلى 3.02 من 6.75 في الخمسينيات. لكن برامج تنظيم الأسرة فقدت زخمها، ومنذ عام 2010، ارتفع معدل الخصوبة إلى 3.33 في عام 2020. الأخبار السيئة هنا هي أن برامج الحكومة الرامية إلى عكس المعادلة تعد غير فعالة.

أطفال ينتظرهم مستقبل قاتم

والخبر الأسوأ هو أنه حتى لو أصبحت هذه البرامج فعالة فجأة، فإن ذلك لن يحدث فرقًا كبيرًا؛ لأن الزيادة السابقة في عدد الفتيات الصغيرات ستزيد من عدد الأمهات في السنوات القادمة. وحتى لو أنجبت كل الأمهات عددًا أقل من الأطفال، فسيكون عدد النساء اللائي يلدن أكثر. يواجه هؤلاء الأطفال مستقبلًا قاتمًا لأسباب بيئية واقتصادية.

الأسباب البيئية واضحة جدًّا – يضيف روزنبيرج – فأكثر من 95% من مصر صحراوية، والإمداد المحدود من الأراضي الصالحة للزراعة يأكله تزايد عدد السكان. إن مصدر المياه المهم الوحيد في البلاد هو النيل، لكن سيجري تقليل الإمداد قريبًا بسبب بناء سد في المنبع من قبل إثيوبيا.

وفوق كل ما سبق، يأتي تغير المناخ. يهدد ارتفاع منسوب البحر بإغراق جزء كبير من دلتا النيل، حيث تزرع مصر معظم محاصيلها. يمكن أن تشهد بقية الزراعة بالبلاد انخفاضًا في حصادها بنسبة تتراوح بين 15% و20% بسبب الطقس الحار وانخفاض هطول الأمطار.

من الناحية النظرية – يقول روزنبيرج – يعد النمو السكاني أحد الأصول الاقتصادية. ففي الوقت الذي يسود في الغرب قلق بالغ بشأن شيخوخة القوى العاملة، وحتى انخفاض عدد السكان، فإن سكان مصر المتزايدين من القادرين على العمل يمكنهم أن يحلوا مكان العاملين من الأطفال وكبار السن. عادة ما تكون القوى العاملة الشابة أكثر إنتاجية ودهاء من الناحية التكنولوجية مقارنة بالقوة الأكبر سنًّا.

إنها ظاهرة تعرف باسم «المكاسب الديمغرافية». ومع ذلك، في حالة مصر، فإن المكاسب ستكون محدودة، وربما غير موجودة. فالاقتصاد عاجز عن توفير فرص العمل، حتى إن البطالة بين الشباب مرتفعة للغاية بالفعل، وسوف تزداد سوءًا مع نمو عدد السكان. والتعليم الذي يتلقونه سيئ ​​للغاية، لدرجة أن أكثر من ثلث الطلاب الذين يلتحقون بالمدرسة المتوسطة لا يستطيعون القراءة أو الكتابة. والذين يقرأون ويكتبون لا يملكون المهارات اللازمة للعمل في اقتصاد حديث.

بعيدًا عن دعم آبائهم، وتعزيز الإنتاجية، وإنشاء شركات ناشئة ذات تقنية عالية لحل مشكلات بلادهم، فإن المصريين الشباب سوف يكافحون من أجل كسب العيش.

ماذا سيفعلون؟ يتساءل روزنبيرج. على عكس آبائهم، لن يتمكنوا من العمل في الخليج، حيث الفرص أفضل. يمكن لأوروبا وأمريكا زيادة سكانها عبر استقبال المهاجرين، لكن المزاج السياسي الحالي غير مرحب، خاصة بالنسبة للمهاجرين من الدول الإسلامية الفقيرة.

لا يمكن حصر أسباب الاحتجاجات الجماهيرية في العراق ولبنان على المحنة الاقتصادية، لكنها بالتأكيد عنصر رئيسي. إن أعدادًا كبيرة من العاطلين عن العمل لديهم الكثير من الوقت للاحتجاج على محنتهم، والانضمام إلى التجمعات ومقاومة الحكومات التي لا تتسامح مع أي معارضة. ومصر قد تكون التالية.

يعد الرئيس عبد الفتاح السيسي الأقل تسامحًا مع أي معارضة من معظم القادة العرب. لكن في مواجهة التفجر السكاني، وتغير المناخ والاضطراب الاقتصادي، فلن يكون لذلك أهمية كبيرة.

أبحاث ودراسات

منذ 11 شهر
مُلَّاك مصر.. تلخيص شامل لكتاب يزيد صايغ الجديد

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد