كل صباح، في الخامسة والنصف، يوقظ جرس المنبّه أحمد ماهر من نومه، تحت بئر سلّم في قسم الشرطة المحلي في القاهرة. يصطحبه ضابط شُرطة إلى الحمام، ويوقّع في كرّاسة يحملها ماهر، مطلقًا سراحه حتى السادسة مساءً. بعدها يسير ماهر ميلًا إلى شقّته في التجمع الثالث. يتناول الإفطار مع زوجته وطفليه، ويُحاول إعادة بناء حياته التي فقدها في السجن، في الساعة القليلة التي تسبق عودته إلى القسم مرة أخرى.

قبل ستّة أعوامٍ فقط، كان أحمد ماهر رمزًا من رموز الحرية والديمقراطية في العالم. في يناير (كانون الثاني) 2011، تمكّنت حركة شباب 6 إبريل، والتي كان ماهر قائدًا لها في ذلك الحين، من حشد مئات الآلاف من المصريين في تظاهراتٍ بميدان التحرير وأماكن متفرقة في البلاد، أسقطت الرئيس محمد حُسني مبارك، لكن الآمال التي حرّكتها الثورة لم تعِش طويلًا. في يوليو (تموز) 2013، استولى عبد الفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك والرئيس الحالي، على الحكم بانقلابٍ عسكري، وبدأ عهدًا من القمع التي طالت الكثير من المشاركين في الثورة.

«جوشوا هامر»، الصحفي بجريدة «نيويورك تايمز»، يستعرض في تقريره كيف تحوّل «جيل الاحتجاج» في مصر، كما وصفته منظمة العفو الدولية، إلى «جيل المساجين» في عهد السيسي.

حرّية شكلية

بعد أيامٍ من تنحي مبارك في الحادي عشر من فبراير (شباط) 2011، أرسل المجلس العسكري حافلة أقلت ماهر وثلاثة من قادة الاحتجاج في مصر إلى فيلا مملوكة لضباط المخابرات الحربية، حيثُ التقوا بعبد الفتاح السيسي واثنين من قادة الجيش. أخبرهم السيسي بأنّهم أبطال، وأنّهم صنعوا معجزاتٍ لم يستطع الجيش تحقيقها منذ أعوام، على حدّ زعمه. لكن الآن – يُكمل السيسي – البلاد في حاجة إلى إيقاف التظاهرات.

رفض ماهر والآخرين مطلب السيسي. قالوا إن الثورة لم تكتمل بعد. يجب أن تتغير الوزارة والهيكل الحكومي. على مدار ستة أشهر تلت ذلك اللقاء، التقى ماهر بالسيسي ثلاث مرات. في كل مرة كانت المطالب ذاتها تتكرر من الجانبين.

وبعد أيامٍ من الانقلاب العسكري، استدعى الرئيس عدلي منصور، رئيس مصر الانتقالي والذي عيّنه السيسي، ماهر مرة أخرى، هذه المرة إلى القصر الرئاسي. طُلب من ماهر أن يذهب في زيارات إلى البلدان الغربية ويقول إن هذا لم يكن انقلابًا، وإنما تحقيقًا للإرادة الشعبية. لم يوافق ماهر ومعه قيادة الحركة على فعل هذا، وانتقدت الحركة قتل المحتجين في رابعة ووصفوها بـ«المجزرة». (رفض ماهر التعليق على الواقعة).

وفي الثلاثين من نوفمبر (تشرين الثاني) 2013، اعتُقل أحمد ماهر، وأُرسل إلى سجن طره. واستخدم السيسي أحد أدواته المفضلة، محكمة الأمور المستعجلة، والتي أصدرت حكمًا في 2014 بحظر نشاطات الحركة، متهمة إياها بالعِمالة والإساءة إلى الدولة.

أما ماهر، فقد حُكم عليه بالسجن ثلاثة أعوام، وأضاف إليها قاضٍ آخر ستة أشهر؛ بتهمة الإساءة اللفظية إلى موظف أثناء تأدية عمله، بعد أن طالب بنزع الأصفاد عن يديه في إحدى جلسات الاستئناف بالمحكمة، عام 2014. قضى ماهر جلّ عقوبته محتجزًا في زنزانة انفرادية صغيرة بسجن طره، والذي يؤوي حوالي 2500 سجين سياسي وجنائي.

في السجن، حُرم ماهر من الأقلام والأوراق. إلا أنّه خطّ رسائله على المناديل الورقية باستخدام أقلامٍ مهرّبة إلى زنزانته. رسائل تنتقد الحكومة وتصف معاناته لوسائل الإعلام الغربية والمصرية. بعد نشرها، كان الحرّاس يفتّشون زنزانته شبرًا شبرًا، وينزعون القرميد من الحوائط بحثًا عن الأماكن التي يخبيء فيها الأوراق والأفلام. صادر الأمن كُتبه وملابسه وجهاز الراديو، تاركًا له ملابس السجن الزرقاء وفقط. بل إنّهم في مرحلة ما غطوا ساحة التريّض المفتوحة بغطاءٍ يحجب نور الشمس، لشكهم في أن ماهر قد يهرّب الرسائل من خلال الهواء المفتوح.

لكن هذا لم يمنعه من الاستمرار في التمرّد. بعد عامه الأول في السجن، ربّى ماهر شاربًا ولحية كبيرة ثمّ ضفرها، وهو ما أزعج مسؤولي السجن ودفعهم إلى أن يطلبوا من والده حثّه على حلقها. بعد خروجه من السجن، قرر ماهر الاحتفاظ بلحيته؛ لأنّها ساعدته في إخفاء هويته ووجهه الذي اشتهر نسبيًا بعد الثورة.

اليوم ماهر حرّ، لكن النظام فرض قيودًا صارمة على حريته. لابد وأن يقضي ماهر 12 ساعة من كل 24 ساعة في قسم الشرطة المحلي؛ ما يضمن امتناعه عن أي نشاطٍ ضد النظام. يقول الكاتب «جوشوا» إن النظام يخشى كثيرًا من إمكانية أن يُعيد ماهر إحياء شبكة التواصل الاجتماعي التي تمكنت من حشد أتباعه في الشارع قبل ستة أعوام. «التغريدات يُمكن أن تقود إلى تظاهرات، والتظاهرات يُمكن أن تقود إلى ثورات تُسقط النظام وتُفرز شهداء. إن كنت تكتب تغريدات، فأنت مثل الإرهابي».

«الكيلو 10.5»

 

في نهاية عهد مبارك، كان عدد المساجين السياسيين يقدّر بخمسة آلاف إلى عشرة آلاف سجين. وفي عهد السيسي، تزعم جمعيات حقوق الإنسان أن العدد قد يصل إلى 60 ألف سجين سياسي يقبع في السجون المصرية. امتلأت السجون بثلاثة أضعاف سعتها؛ ما دفع بالنظام إلى إنشاء 16 سجنًا جديدًا.

أحد السجون التي تجسّد عصر السيسي هو معسكر الكيلو 10.5، على طريق مصر – الإسكندرية الصحراوي. المُعسكر بُني في عهد مبارك من أجل احتجاز الإسلاميين المتطرفين، واليوم يُستخدم كمنشأة احتجازٍ للإسلاميين وحفنة من السجناء السياسيين العلمانيين، تمهيدًا لمحاكمتهم.

من ضمن هؤلاء كان أيمن، أحد الأعضاء المؤسسين لحركة 6 إبريل والذي رفض ذكر اسمه الأخير. أُلقي بأيمن في زنزانة ضيّقة مع 35 إسلاميًا. ينامون على ملاءة مفروشة على الأرض، ويتغوّطون في حُفرة مُحاطة بالستائر، ولا يُسمح لهم أبدًا بمغادرة الزنزانة. قال أيمن «يجب أن تنزع كلمة (خصوصية) من قاموسك إن أردت النجاة».

بعد أسبوعين، نُقل أيمن إلى زنزانة تأديبية ضيقة مع 11 سجينًا ينتظر الاستجواب. تشاركوا ملاءاتٍ خفيفة، وشربوا مياهًا غير منقاة من مواسير صدئة، وعاشوا على قطعة واحدة من الخبز البائت والجبن كل يوم. في السقف سطع ضوء مصباح الفلورسنت ليل نهار في الزنزانة. «تعلمنا كيف نفكّ المصباح عن طريق الوقوف فوق أكتاف بعضنا البعض. اضطررنا إلى الكثير من الحركات البهلوانية».

أخيرًا نقلته السلطات إلى سجن القناطر، على بُعد 15 ميلًا من القاهرة، وبعد 20 يومًا، أمر القاضي بإطلاق سراحه. يقول أيمن إن العديد من السجناء الذين قابلهم كانوا من جماعة الإخوان المسلمين. نبذت الجماعة العنف رسميًا في أوائل السبعينات، لكن أيمن شاهد أثر التعذيب والاعتقال الظالم على زملاءه في الزنزانة. «كل واحدٌ منهم يتحيّن لحظة الخروج. إنّهم متعطشون للانتقام».

في إبريل (نيسان) الماضي، سمع أيمن بأن السلطات تبحث عنه مرة أخرى، طلب اللجوء إلى جنوب إفريقيا، ولحقت به زوجته وابنتيه الصغيرتين بعدها.

مجرمون صغار

من بين معتقلي النظام، كان «زياد حسن قناوي»، طفلٌ عمره ثلاثة أعوام، اعتقلته قوات الأمن في مطار القاهرة مع والده، ونقلته إلى المحكمة ليواجه ستة أحكام غيابية في تهمٍ تتراوح بين السرقة و«مقاومة السلطات»، في قضية سمّاها محمد الشناوي، محامي الطفل، بمؤامرة انتقامٍ من والده رجل الأعمال الذي رفض الخضوع لابتزازات الشرطة.

يقول الشناوي «في المحكمة، اضطررت إلى رفع زياد عن الأرض؛ لكي يراه القاضي. وعندما رآه القاضي يرفع الصبي، سأله: ماذا جلبت ابنك إلى قاعة المحكمة؟ فرد: ليس هذا ابني، إنّه المدعى عليه». حُكم على زياد بعدّة أحكامٍ مع إيقاف التنفيذ، «لكنّه الآن لديه سوابق إجرامية، ستسمر معه مدى حياته، وسيفقد بسببها الكثير من الحقوق».

ويبدو أن النظام القضائي المصري، والذي وصفه الكاتب بـ«البيزنطي»، حريصٌ على القبض على الأطفال. في فبراير (شباط) الماضي، وجدت محكمة عسكرية «أحمد منصور شرارة»، طفلٌ بعمر ثلاثة أعوام، مذنبًا إلى جانب 115 آخرين بقتل ثلاثة أشخاص والإضرار بالممتلكات العامة والخاصة، وخلال تظاهرة مؤيدة للإخوان المسلمين. حُكم على أحمد بالسجن مدى الحياة، لكن الحُكم ألغي بعدها، وتُصر قوات الأمن أن الأمر كان مجرد تشابه أسماء، وأن المراهق المطلوب في القضية لا يزال طليقًا.

في نهاية التقرير، يوجه الكاتب سؤالًا لأحمد ماهر حول ما إذا كان روتين حياته، الذي يذكره دومًا بقوة الدولة، قد أحبطه. هز ماهر كتفيه مستهجنًا. انتهى ماهر مؤخرًا من قراءة كتاب صامويل هانتينجتون «الموجة الثالثة: الحركة الديمقراطية في أواخر القرن العشرين».

«كتب هانتينجتون أن موجات الثورة أعظم من موجات الثورة المضادة. لذا فنحن نخطو ثلاثة خطوات إلى الأمام، في مقابل خطوتين إلى الخلف».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد