نشرت شبكة «أوراسيا ريفيو» الإخبارية تحليلًا للكاتب جيمس إم دورسي، تناول فيه إصرار مصر على تنظيم بطولة العالم لكرة اليد رغم جائحة فيروس كورونا المُستجد، في محاولة من جانب النظام المصري لاستخدام البطولة وسيلة للتغطية على ممارساته القمعية وانتهاكات حقوق الإنسان التي ينتقدها العالم بشدة.

استضافة بطولة عالمية لتبييض سمعة البلاد

يستهل الكاتب تحليله بالإشارة إلى أن القائد العسكري المصري الجنرال عبد الفتاح السيسي، الذي أصبح بين عشية وضحاها رئيسًا للبلاد، يرى أن بطولة العالم لكرة اليد للرجال لعام 2021 التي تُقام فعالياتها في مدينتي القاهرة والإسكندرية، تمثل فرصة لتقديم أفضل ما لديه لتحقيق أي تقدم يُذكر في وقتٍ تواجه فيه علاقات مصر مع أقرب شركائها الإقليميين والعالميين رياحًا معاكسة هائلة.

ويضيف الكاتب أن الاستضافة الناجحة للبطولة، وهي أول بطولة تضم 32 فريقًا بدلًا من 24 فريقًا متنافسًا، ستسهم أيضًا في الرد على الانتقادات الموجَّهة لتعامل الحكومة مع جائحة فيروس كورونا المُستجد. وقد اعترفت وزيرة الصحة المصرية، هالة زايد، مؤخرًا بأن عدد المصريين الذين أصيبوا بالفيروس كان أكبر مما ذكرت الحكومة حتى الآن. ومن ثم، فإن الاستضافة الناجحة للبطولة ستكلل جهود رئيس الاتحاد الدولي لكرة اليد، المصري الأصل، حسن مصطفى، بمزيد من التتويج.

Embed from Getty Images

وقد فرضت مصر تدابير صحية احترازية صارمة تتعلق بالجائحة خلال تنظيم البطولة منذ اللحظة الأولى لوصول الفِرَق المشاركة والمسؤولين والصحافيين إلى مطار القاهرة الدولي. وتُطبَّق تلك الإجراءات أيضًا على ترتيبات التدريب والإقامة ووسائل الإعلام، وكذلك النقل من وإلى الفنادق وأماكن البطولة الأربعة المخصصة للمباريات. وفي هذا الشأن، يؤكد الكاتب أن مصر عازمة على ضمان عدم تحول البطولة إلى مجال لانتشار فيروس كورونا المُستجد.

ويلفت الكاتب إلى أن هذا القلق دفع الاتحاد الدولي لكرة اليد والسلطات المصرية في اللحظة الأخيرة إلى تأجيل خطة كانت تقضي بالسماح للجماهير بالدخول إلى الملاعب الأربعة التي تشمل الصالة الرياضية المغطاة باستاد القاهرة، والصالة الرياضية التي بُنيت في العاصمة المصرية الجديدة التي شُيدت حديثًا في الصحراء شرق القاهرة، وصالة الدكتور حسن مصطفى الرياضية في الجيزة، وصالة برج العرب الرياضية في الإسكندرية.

وقال الاتحاد الدولي لكرة اليد إن قرار إجراءات تنظيم البطولة اتُّخِذ «في ضوء الوضع الحالي لفيروس كورونا المُستجد، وكذلك المخاوف التي أثيرت، من بين أمور أخرى من جانب اللاعبين أنفسهم». وتتمثل اتهامات المنتقدين لتنظيم البطولة في أن مصر تستضيفها رغم أنها تبدو غير قادرة على الوفاء بالمتطلبات الأساسية للعاملين الطبيين الموجودين في الخطوط الأمامية لمكافحة الجائحة.

وقد احتج الأطباء والممرضات على ارتفاع عدد الإصابات في صفوفهم لأنهم يفتقرون إلى معدات حماية كافية، ويتعرضون للتهديد بالسجن إذا امتنعوا عن الحضور إلى العمل على الرغم من الخطر الذي يحدق بحياتهم. وتتمثل أبرز مظاهر حملة السيد السيسي الوحشية على أي نوع من الانتقادات في اعتقال عديد من الأطباء بتهم الإرهاب بسبب التعبير عن مظالمهم وشكواهم.

هل تمثل البطولة ورقة التوت التي تستر سوءة النظام؟

يقول كاتب التحليل إذا وضعنا جانبًا حقيقة أن تأثير بطولة كرة اليد يتضاءل عند مقارنته بمكانة استضافة حدث ضخم مثل كأس العالم لكرة القدم، أو دورة الألعاب الأولمبية، فمن غير المرجح أن توفر بطولة كرة اليد ما يشبه إلى حد كبير ورقة التوت التي تخفي القمع الشديد الذي يمارسه الرئيس السيسي ضد أي شخص يعبِّر عن رأيٍ يخالف ما ينطق به أنصاره المُتملِّقون.

Embed from Getty Images

وينطبق هذا على نحو خاص على الإدارة القادمة للرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، التي لم تَعِد بالتركيز على حقوق الإنسان فحسب في سياستها الخارجية، ولكن سيكون لزامًا عليها أيضًا أن تفعل ذلك في محاولتها لإصلاح صورة أمريكا واستعادة مصداقيتها التي تضررت بشدة خلال السنوات الأربعة لحكم دونالد ترامب، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه استبدادي قوَّض أسس الديمقراطية.

وعلى غرار ذلك، لن تغير البطولة التصورات المنتشرة في إيطاليا ومعظم أوروبا التي تحمِّل جهاز مخابرات السيسي وقوة إنفاذ القانون (الشرطة المصرية) المسؤولية عن اختطاف الباحث الإيطالي، جوليو ريجيني، وتعذيبه وقتله.

أشار التحليل إلى أن السيد ريجيني، طالب الدراسات العليا في جامعة كامبريدج، الذي يبلغ من العمر 28 عامًا، كان يُعِد بحثًا عن النقابات المستقلة في مصر قبل تعرُّضه للاختفاء في أواخر شهر يناير (كانون الثاني) عام 2016. بعد ذلك، عُثِر على جثته مشوهة للغاية في حفرة حتى أنَّ والدته لم تتمكن من التعرف إلى ابنها إلا من خلال أرنبة أنفه. وبحسب ما ورد، أصيب ريجيني بكسر في رقبته ورِسْغه وأصابع قدميه وأصابع يده وأسنانه قبل وفاته، في الوقت الذي نُحِتت فيه الأحرف الأولى من اسمه على جلده المصاب بحروق بالغة وكدمات شديدة.

وتعرضت العلاقات بين مصر وإيطاليا لمزيد من التدهور الشهر الماضي، عندما أغلقت النيابة العامة المصرية تحقيقها في مقتل ريجيني، رافضةً نتائج الادِّعاء الإيطالي التي اتَّهمت فيه إيطاليا أربعة مسؤولين أمنيين مصريين بالمسؤولية عن وفاة ريجيني.

سجل السيسي في مجال انتهاكات حقوق الإنسان

ونوَّه المحلل إلى أن سجل السيسي البغيض في مجال حقوق الإنسان، ربما لا يشكل مصدر قلق أو اهتمام بالنسبة للإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، لكن بالقدر ذاته لن تفعل البطولة شيئًا يذكر لإصلاح التصدعات الحادثة في علاقته مع الدولتين الخليجيتين؛ الداعمين الماليين الرئيسيين له. وفي خطوة لن تمر مرور الكرام في عواصم الخليج، اختارت مصر فندق «سانت ريجيس» القطري (المملوك لشركة الديار القطرية) الذي افتتح حديثًا على ضفاف نهر النيل في القاهرة ليكون أحد المراكز اللوجستية الرئيسية للبطولة، بما في ذلك المركز الإعلامي.

Embed from Getty Images

وكان وزير المالية القطري، علي شريف العمادي، قد وصل إلى القاهرة الأسبوع الماضي لافتتاح الفندق بعد ساعات من رَفْع قمة مجلس التعاون الخليجي وإنهاء المقاطعة الاقتصادية والدبلوماسية التي استمرت ثلاث سنوات ونصف بقيادة السعودية والإمارات ضد قطر، والتي شاركت فيها أيضًا مصر والبحرين. وكان العمادي أول مسؤول حكومي قطري يزور مصر منذ بدء المقاطعة عام 2017.

وقد تمثَّل الهدف من افتتاح الفندق في توجيه إشارة على نحو واضح للغاية إلى السعودية والإمارات عن قلق مصر من أن المصالحة مع قطر تنطوي على كثير من التنازلات، بما في ذلك إسقاط المطالب بإغلاق شبكة تلفزيون الجزيرة المتحررة من أي قيود، والتي تمولها الدولة، ووقف الدعم المُقدَّم إلى الجماعات السياسية، مثل جماعة الإخوان المسلمين.

واضطرت مصر إلى الموافقة على مضض على إنهاء المقاطعة، على الرغم من أنها قبلت استمرار الاستثمار القطري وإمدادات الغاز القطرية على مدى السنوات الثلاث والنصف الماضية. كما شعرت مصر بالتهميش بسبب إقامة الإمارات والبحرين علاقات دبلوماسية مع إسرائيل. إذ حرمت هذه الخطوة مصر من دورها بصفتها قناة دبلوماسية رسمية رئيسية لإسرائيل مع العالم العربي، في الوقت الذي يسعى فيه نظام السيسي لإظهار أفضل ما لديه في انتظار تولي السيد بايدن لمنصبه.

عربي

منذ 3 شهور
هل كانت الخطوات العربية في حقوق الإنسان الأسبوع الماضي للوقاية من فوز بايدن؟

وتتفاقم مخاوف الرئيس السيسي بسبب الدعم الإماراتي لإثيوبيا التي يختلف معها بشأن بناء سد النهضة على نهر النيل، الأمر الذي يهدد إمدادات المياه في مصر؛ بالإضافة إلى النفوذ الإماراتي المتزايد في دولة السودان المجاورة، والخطط الرامية لربط الإمارات وإسرائيل عبر خط أنابيب ينافس مصر في بيع الغاز إلى أوروبا، والاهتمام الإماراتي بميناء حيفا الذي يمكن أن يُقدِّم بديلًا لقناة السويس.

ويختم الكاتب تحليله قائلًا إن كل هذا يمكن أن يقوِّض موقف مصر بوصفها ركيزة أساسية لسياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ويُقنِع الولايات المتحدة بالتحول عن المركز المحوري لسياستها الأوسع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (مصر) إلى الخليج. وقد سعى الرئيس السيسي إلى استباق (رد فعل) إدارة بايدن القادمة من خلال إطلاق سراح السجناء، وتسليط الضوء على علاقاته الجيدة مع المسيحيين المصريين، وتوظيف شركات ضغط أمريكية للدفاع عن قضيته لدى معسكر بايدن وكذلك الكونجرس الأمريكي.

إن استضافة بطولة العالم لكرة اليد هي مجرد مناورة محدودة في جبل هائل يحاول الرئيس السيسي أن يحدث فيه صدعًا، خاصة بعد أن وصف السيد ترامب الزعيم المصري قائلًا: إنه «ديكتاتوري المفضل»، وهو وصف من غير المحتمل أن تنجح بطولة لكرة اليد في تغييره.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد