الدولة المصرية تمر بحالة من الضعف، وقادتها في حالة من الذعر أو الارتباك الدائم، ولا يستطيعون السيطرة على البلاد. حتى في أسوأ الفترات أثناء حكم الرئيس السابق محمد مرسي، لم يصل فشل الدولة المصرية إلى هذا الحد. يزعم أنصار الرئيس عبد الفتاح السيسي إقامة مؤتمرات سواء في واشنطن أو الدوحة أو إسطنبول أو القدس أو في أي مكان آخر، والحقيقة أنه لا يجب على المصريين إلقاء اللوم على أي أحد سوى أنفسهم.

أحد جنود الجيش المصري، يقوم بالحراسة بالقرب من حطام الطائرة الروسية، التي تحطمت في منطقة الحسنة في مدينة العريش شمال مصر. (الصورة لمحمد عبد الغني/رويترز).

أحد جنود الجيش المصري، يقوم بالحراسة بالقرب من حطام الطائرة الروسية، التي تحطمت في منطقة الحسنة في مدينة العريش شمال مصر. (الصورة لمحمد عبد الغني/رويترز).

أنت لا تحتاج لأن يكون لديك رؤية ثاقبة لترى أن الوضع في مصر سيء للغاية، تبين ذلك من هوس مؤيدي السيسي في عام 2013، ومن الخطابات القومية التي تشبه خطابات اليعاقبة، ومن المئات الذين تم اعتقالهم، ومن القيود الموضوعة على الصحافة. ومع كل ذلك، تجد إصرار شديد بشكل مزعج على أن كل شيء على ما يرام، وأن الإخوان المسلمين –الذي يصفونهم بالإرهابيين- هم وحدهم من يرون غير ذلك.

الأيام العشرة الماضية كانت سيئة للغاية حيث كشفت العديد من المشاكل في مصر. في يوم السبت قبل الماضي، تحطمت الطائرة Metrojet 9268 فوق شبه جزيرة سيناء مما أسفر عن مقتل كل من كانوا على متنها والذين بلغ عدهم 224 شخصًا. المسئولون في مصر مصرّون أن الطائرة لم تنفجر أثناء طيرانها، بالرغم من الأدلة المتزايدة التي تثبت عكس ذلك، وبالرغم من مستوى الأمن في المطارات المصرية الذي لا يلبي المعايير الدولية. موقف المسئولين هذا يذكرنا بموقف الحكومة المصرية منذ ستة عشر عامًا حيث عارضت الحكومة إدانة الطيار المصري جميل البطوطي في تعمده إسقاط طائرة الرحلة 990 التابعة لشركة مصر للطيران، والتي سقطت في المحيط الأطلنطي بالقرب من جزيرة نانتوكيت قبل ستة عشر عامًا بالضبط قبل حادثة الطائرة الروسية.

من المفهوم أن هذا الذعر من جانب الحكومة المصرية بعد سقوط الطائرة الروسية هو بسبب الأهمية الكبيرة لشرم الشيخ بالنسبة للسياحة المصرية، والتي سوف تنخفض بشكل كبير بعد هذا الحادث. ولكن عند التحدث أمام العالم وأمام المخابرات الأمريكية والبريطانية، اعترف السيسي باحتمالية أن يكون هذا الحادث نتيجة لعمل إرهابي، كما تعهد بتحسين الوضع الأمني، وقال أنه يرحب تمامًا بأي مساعدة دولية للمصريين في حربهم مع الإرهابيين. بالرغم استمرار التهديد بالعنف، إلا إن السياحة في مصر يمكن أن تتحسن مع مرور الوقت إذا قامت مصر

-بمساعدة الشركاء الدوليين- بتطبيق الإجراءات اللازمة لفحص الأمتعة وضمان أن أفراد الأمن على المستوى المطلوب. ولكن بدلًا من ذلك، فإن المسئولين المصريين اختاروا تشتيت أذهان الناس وإلقاء اللوم على الآخرين.

على الجبهة الداخلية، لا تقل الأمور سوءًا، ففي الأسبوع الماضي قام القاضي بتجديد حبس فتاة شابة تدعى إسراء الطويل لخمسة وأربعين يومًا، والتي بكت لحاجتها الماسة للرعاية الطبية، والتي يبدو أنها تم رفضها من قِبَل السلطات. كما أوضحت نيرفانا محمود، فإن المصورة الصحفية إسراء الطويل تسير على عكازين بعد تعرضها لإصابة في العمود الفقري عندما أطلق عليها النار عند تفريق قوات الأمن لمظاهرة في يناير عام 2014، كما أنها قضت ما يزيد على 155 يوم محتجزة في انتظار نتائج التحقيق. وُجهت اتهامات لإسراء بأنها استخدمت حسابها على تويتر لتدعو إلى العنف ضد الشرطة، كما اتُهِمت بانتمائها إلى جماعة متطرفة، دون وجود أي دليل فعلي على هذه الاتهامات. وحتى لو كان هناك دليل، لماذا يمنعونها من زيارة الطبيب؟ يبدو أن المستشار معتز خفاجي رئيس المحكمة لن يلتفت لطلبها، لتبقى هذه الفتاة الشابة ترتجف وتبكي. حتى لو كانت مذنبة، فتحقيق العدل لا يتعارض مع الرحمة بها، ولكن كونها بريئة على الأرجح، فهذا يجعل الأمر أكثر مأساوية.

 

وفي يوم الأحد الماضي، قامت النيابة العسكرية باعتقال واستجواب الصحفي المشهور والناشط في مجال حقوق الإنسان حسام بهجت واتهمته بنشر معلومات تضر بالقوات المسلحة. وفي اليوم نفسه، اعتُقِل صلاح دياب مؤسس جريدة المصري اليوم لاتهامه في قضايا فساد مالي. لقى حسام بهجت القدر الأكبر من الاهتمام بسبب سجله الحافل من العمل الرائع والدقيق لكشف فساد كل من حسني مبارك، والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومحمد مرسي، وعبد الفتاح السيسي. يقول الكاتب أنه أخبر ماكس فيشر المحرر في موقع Vox الإخباري أن حسام بهجت وعمرو حمزاوي –والذين كانا قد غادرا البلاد خوفًا من الاعتقال- كانا آخر الليبراليين المتبقيين في مصر. ربما كنت أبالغ في تعبيري، ولكنهما كانا الأكثر فعالية، والدليل على ذلك أن النظام قد حاول إسكاتهما، وذلك بدون أي سبب، أما بالنسبة للنظام فكلاهما يمثل خطرًا ولو كان بطريقة غير مباشرة. كل من بهجت وحمزاوي من خلال عملهما سلّطا الضوء على الفجوة بين ما يحدث في الواقع وما يقوله السيسي وآلته الإعلامية للمصريين. كان ذلك مهمًا لمساعدة النشطاء السياسيين في إصلاح الوضع السياسي، وتقديم رؤية مختلفة عن رؤية السيسي، هذا هو السبب في أن الصحفي حسام بهجت يشكل تهديدًا. والحقيقة أن المسئولين المصريين لم يكونوا ليروا أن بهجت يشكل تهديدًا لو كانوا واثقين أن الشعب يصدق كلامهم.

 

السيسي قد فشل فشلًا ذريعًا في تعلم الدروس من عهد مبارك، فالدولة المصرية الجديدة تشبه دولة مبارك تمامًا في اعتمادها المفرط على العنف والقسر والكذب، ولكن الفرق الوحيد أن الرئيس المخلوع بدا أكثر خبرة من الرئيس الحالي.

والنتيجة المؤسفة هي دولة تجمع بين أسوأ الصفات من كل مكان في العالم، فالجهود المتخبطة المغرورة التي يقوم بها النظام محاولًا تأسيس شرعية له وإحكام سيطرته على الوضع السياسي تأتي بنتائج عكسية تمامًا.

يعد الوضع الحالي الأسوأ على مر التاريخ المصري الطويل. لا يمكن تخيل الوضع الحالي أو الوضع في المستقبل، ومن الواضح أن الدولة تقوم بتدمير نفسها ذاتيًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد