قالت علا سالم في مقال لها على موقع مجلة «فورين بوليسي» إن من المفارقات الساخرة أن تتوحد المعارضة الليبرالية ونظام السيسي على النيل من المقاول محمد علي، الذي فجر مفاجآت مدوية خلال الأسبوعين الماضيين، بعد أن كشف بالأدلة حجم الفساد المستشري في القوات المسلحة المصرية.

وأوضحت علا أن الآلاف من المصريين خرجوا الأسبوع الماضي إلى الشوارع مطالبين الرئيس عبد الفتاح السيسي بالتنحي في احتجاجات مفاجئة لعدة أسباب. فأولًا هذه أول احتجاجات كبيرة ضد السيسي منذ توليه السلطة في انقلاب عسكري على الرئيس المنتخب ديمقراطيًا محمد مرسي في عام 2013. وكان الكثير من المراقبين يعتقدون أن الجنرال قد أوقف أي احتمال لتنظيم احتجاجات ضده بعد أن شن حملة قمع وحشية وغير مسبوقة ضد الزعماء التقليديين للمعارضة في البلاد، من الليبراليين والإسلاميين على السواء.

المفاجأة الثانية هي أن النشطاء الذين قادوا الانتفاضة التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك عام 2011 – والعديد منهم يواصلون نشاطهم في المنفى – ينظرون بشكل مريب إلى هذه الجولة من المظاهرات. ولكن تمكن المصريون من كسر جدار الصمت الحالي بفضل جهود المقاول المنفي، الذي لم يكن يُعتقد سابقًا أنه لاعب سياسي على الإطلاق، وتعارضه الآن النخب الحكومية والليبرالية على حد سواء.

بهاتف وسجائر ولغة شعبية.. ضُرب نظام السيسي في مقتل

بدأت الاحتجاجات بسلسلة من مقاطع الفيديو لمحمد علي، وهو مقاول وممثل مصري يبلغ من العمر 45 عامًا، وربح ثروة من العمل كمقاول مع الجيش، ويعيش الآن في إسبانيا. منذ أن شرع في بث مقاطع الفيديو يوميا تقريبًا على فيسبوك ويوتيوب في 2 سبتمبر (أيلول)، شاهدها مئات الآلاف من الأشخاص.

تظهر مقاطع الفيديو علي وهو يتحدث مباشرة إلى الكاميرا بعفوية – تشير سالم – وهو يفتح ثلاثة أزرار من قميصه ويدخن بشراهة. تركز المقاطع على أفعال نظام السيسي ضد الشعب المصري. وهذا يشمل آثار السياسة الخارجية. كما تحدث علي عن خضوع مصر لدول الخليج – بما في ذلك النقل المثير للجدل لجزيرتين تيران وصننافير إلى السعودية – والفشل في الوصول إلى أي انفراجة مع إثيوبيا بشأن بناء سد على النيل، الذي يزود مصر بمعظم مياهها العذبة.

لكن الموضوع الرئيس للمقاطع هو فساد الحكومة. يزعم علي أنه يكشف معلومات داخلية حول كيفية إساءة استخدام السيسي للأموال العامة لصالح أسرته وأصدقائه من خلال الجيش.

تظاهرات القاهرة - سبتمبر 2019

تظاهرات القاهرة – سبتمبر 2019

 

في أحد مقاطع الفيديو يقول محمد علي إنه قد أُمر بالمساعدة في بناء فندق من فئة سبعة نجوم يُسمى فندق تريومف لشريك الرئيس: «أخبر الجنرال شريف سيف الدين الرئيس عن المشروع، فمنحه الرئيس ميزانية مفتوحة. لا أعرف كيف نحن فقراء للغاية ثم تجامل صديقك المقرب بفندق تكلف أكثر من 2 مليار دولار». في أول فيديو له، كشف علي عن بناء فيلا فخمة في منطقة المعمورة بالإسكندرية؛ لأن زوجة السيسي «لا ترغب في النوم على سرير سوزان مبارك»، في إشارة إلى السيدة الأولى السابقة.

ما يميز التسجيلات هو أن علي يتحدث بإيقاع وشخصية شخص من الريف المصري – تشدد علا سالم. فهو يخاطب مباشرة الناس العاديين، كاشفا عن تفاصيل تربيته المتواضعة. يوضح علي كيف ترك عمله في مجال المجوهرات للعمل مقاولًا للجيش منذ 15 عامًا. وبعد إثبات ولائه للجيش، بدأ يعيش حياة فارهة، مليئة بالسيارات الفاخرة والمنازل الفخمة. هذه الثروة المكتشفة حديثًا كانت نتاج نظام فاسد، كما يقول، وليس مجرد عمله الشاق. كانت العقود التي تلقاها في كثير من الأحيان تأتي إليه دون تقديم عطاءات، في مقابل ولائه والصمت.

تبديد المليارات من الدولارات

ركز محمد على أن فساد السيسي أسوأ من فساد مبارك، منتقدا المحسوبية في نظام السيسي، وهي عامل رئيسي وراء انتفاضة 2011 ضد مبارك وأبنائه. وقال إن السيسي أنفق ملياري جنيه مصري، أي حوالي 120 مليون دولار، من أموال الدولة لبناء فندق من فئة سبعة نجوم لصديق له. أراد السيسي بعد ذلك بناء قصر بقيمة 250 مليون جنيه «15 مليون دولار»، مع تغييرات إضافية تكلف حوالي 25 مليون جنيه «1.5 مليون دولار».

وأكد علي أن القصر بني لزوجة السيسي، ثم يسرد قائمة طويلة من المنازل الخاصة التي أنشأها الرئيس، وغيرها من الكماليات، تصل قيمتها إلى 60 مليون جنيه مصري «3.5 مليون دولار» في حفل افتتاح قناة السويس الجديدة و2.3 مليون جنيه «140 ألف دولار» على جنازة والدته.

في غضون ساعات من نشر أول مقطع فيديو له، جرى حظر حسابات على في وسائل التواصل الاجتماعي في مصر – تضيف الكاتبة. لكن الفيديوهات كانت قد انتشرت بالفعل كالنار في الهشيم، وكان لها صدى لدى الكثير من المصريين الذين يعانون من التدهور الاقتصادي في بلادهم في السنوات الأخيرة. أكدت كلماته ما كان يشك به كثير من المصريين منذ فترة طويلة، وهو أن استثمارات السيسي العامة الرئيسة لم تكن منطقية من الناحية الاقتصادية وكانت تسهم في زيادة الفقر بين الناس العاديين.

كما فندت ادعاءاته بفقر البلاد والحاجة إلى التقشف. لطالما ردد السيسي على مسامع المصريين في كل مناسبة أن البلاد فقيرة وأنه لا يستطيع تحمل نفقات تحسين حياتهم. «لا أستطيع أن أعطيك أي شيء. نحن لا نلعب، لا أستطيع أن أعطيك. ولا تحتاج أن تطلب مني حتى أعطيك».

رد كارثي

في مؤتمر للشباب عُقد في 14 سبتمبر الماضي، رد السيسي على ادعاءات محمد علي. والمثير للدهشة أن السيسي اعترف صراحة بصحتها حين قال: «يقولون إنك تبني قصورًا. أجل بالطبع، أنا أبني قصورا. وسأبني المزيد منها. هل هي ملكي؟ كلا، ليست ملكي، بل ملك لمصر».

لكن رد فعل السيسي الغاضب أضفى مصداقية على ادعاءات علي – تنوه سالم – مما زاد من متابعته. استغل الفنان الزخم للدعوة إلى احتجاجات جماهيرية ضد السيسي. ما حدث بعد ذلك كان صدمة للكثيرين. فقد استجاب الآلاف من المصريين لنداء علي يوم الجمعة، 20 سبتمبر. «لماذا يجب أن يعيش في القصور بينما يأكل الآخرون من القمامة»، صرخت امرأة وسط الاحتجاجات، مشيرة بوضوح إلى ما قاله علي. وقال متظاهر آخر من ميدان التحرير: «ليس لدي عمل، وليس لدي أي مكان أذهب إليه، في كلتا الحالتين أنا ضائع».

المقاول محمد علي

الممثل المقاول محمد علي

واللافت للنظر أن الاحتجاجات وقعت على الرغم من انتقاد نشطاء ديمقراطيين بارزين لدعوة علي، إذ يعتقد الكثير منهم أن مصر لا تستطيع التعامل مع ثورة أخرى، خاصة بالنظر إلى قوة الجيش بالنسبة لمعارضيه. كسر وائل غنيم، أيقونة ثورة 2011، عدة سنوات من الصمت لدعوة الناس إلى عدم الثورة.

وقد استغل الإعلام الموالي للسيسي الانتقادات الموجهة ضد علي من نشطاء الديمقراطية وروجت لمقاطع فيديو غنيم. ولكن انقسم معارضو السيسي: فقد شكك أنصار غنيم في ظهور علي المفاجئ – واشتبه بعض المحللين في أن علي لديه صلات مع فصيل داخل النظام يعارض السيسي – في حين أن أنصار علي اشتبهوا في عودة غنيم إلى الظهور بعد سنوات من الغياب. على الرغم من الرد شبه الموحد على المتظاهرين من جميع النخبة المصرية، إلا أن رسائله لا تزال تتردد.

تنقل الكاتبة عن امرأة مصرية قولها: «إنه يتحدث مثلنا ويشبهنا، ويسب الرئيس بطرق كنا نتمنى أن نفعل مثلها. إنه تنفيس عن غضبنا. وليست لديه أجندة سياسية. أين المعارضون ورؤساء المعارضة؟ إنهم جميعًا في السجن. إنه ليس جزءًا من أي من هذه الأشياء. لقد أصبح بطلًا».

يبدو أن موجة الاحتجاجات الجديدة جاءت من قاع المجتمع المصري، ومن جيل جديد غير مرتبط بالقادة التقليديين للمعارضة. لقد استقطب محمد علي التركيبة السكانية التي رآها السيسي كقاعدة له. رغم أن كثيرين اعترفوا بقسوة السيسي، إلا أن علي أول من ركز اهتمام الجمهور على فساد السيسي ومحاولاته لإقامة شكل من أشكال حكم الأسرة.

وسواءً أدت الاحتجاجات إلى انتفاضة كاملة أم لا، فقد أنشأت بالفعل خط أساس جديد للمقاومة ضد السيسي. لقد تقارب علي مع أكثر المتضررين من سياسات السيسي أكثر من النخب الليبرالية في مصر وحول انتباههم إلى السبب الحقيقي لمعاناتهم المتزايدة. لقد حان الوقت لكي يقلق السيسي.

https://www.sasapost.com/how-egyptian-media-covered-protests-in-egypt/

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد