يستعرض تحقيق وكالة رويترز كيف طال قمع النظام العسكري قضاة مصر ما بعد الانقلاب. لطالما تمتعت مؤسسة القضاء في مصر بدرجة من الاستقلالية. في عهد الرئيس مبارك

لطالما تمتعت مؤسسة القضاء في مصر بدرجة من الاستقلالية. في عهد الرئيس مبارك، كانت أداة القمع التي ارتكن إليها النظام في أغلب الأحيان للتنكيل بالمعارضة هي المحاكم العسكرية. وحتى بعد الإطاحة بمبارك على إثر احتجاجات 2011، وانتخاب الرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، ظلت تدخلات الأجهزة التنفيذية في عمل القضاء حدثًا نادرًا.

لكن بعد إطاحة وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي بمحمد مرسي وجماعته، وانتخابه رئيسًا للجمهورية، اتسّعت مظلة القمع لتشمل الجماعات الإسلامية المعارضة، والنشطاء العلمانيين، والصحفيين، والطلاب، والقضاء، وفقًا لقضاةٍ مصريين. يستعرض تحقيق أحمد أبو العينين بوكالة رويترز كيف طال قمع النظام العسكري قضاة مصر ما بعد الانقلاب.

بيان أرمادا.. قُضاة يدعمون الشرعية الدستورية

يتتبع التحقيق السجلات القضائية منذ 2013 حتى اليوم، والتي تظهر إحالة 59 قاضيًا إلى التقاعد، منهم 32 من الموقعين على بيان أرمادا.

أرمادا هو مطعم عائم يقع على كورنيش المعادي بمدينة القاهرة. في 21 يوليو (تموز) 2013، شهِد مركب أرمادا إفطارًا رمضانيًا ضم عشرات القضاة، الذين تناقشوا فيما بينهم، فوق أطباق الكباب وسلطات الطحينة، حول انتزاع المؤسسة العسكرية السلطة من يد الرئيس المنتخب محمد مرسي والتحفّظ عليه في الثالث من يوليو من الشهر نفسه، على إثر مظاهراتٍ حاشدة شهدتها البلاد.

استقرّ القُضاة في النهاية، وفقًا للتحقيق، على إصدار بيان يُدين الاستيلاء على السلطة. دعت مسودّة البيان إلى العودة إلى «الشرعية الدستورية»، وابتعدت عن الانتقاد المُباشر للمؤسسة العسكرية، أو المطالبة بعودة الرئيس المنتخب. وصل العدد النهائي للموقعين على البيان إلى 75 قاضيًا، منهم 30 وقعوه في الليلة نفسها، بينما أضاف آخرون أسماءهم لاحقًا، منهم من يعيش خارج البلاد. وفي مؤتمر صحفي يوم الرابع والعشرين من يوليو، تلا قاضٍ رفيع المستوى بيان أرمادا.

القاضي الذي أعدَّ البيان هو المستشار «محمد ناجي دربالة»، والذي أُحيل إلى التقاعد بعدها لاتهامه في قضيتين مختلفتين. يقول دربالة إنه لم يكن يُريد أن يكون قاضيًا؛ كان يرغب في كتابة الشعر والروايات، لكن القانون ربح في النهاية. دربالة لم يكن يومًا إسلاميًا، على الرغم من أن أخيه كان من قيادات الجماعة الإسلامية، ولم يكن داعمًا لمحمد مرسي، بل كان معارضًا لمحاولته انتزاع سلطات القضاء، لكن القسم يُلزمه بالدفاع عن نتائج الانتخابات، وهذا ما دفعه إلى توقيع بيان أرمادا. لكن المستشار «خالد النشار»، مساعد وزير العدل لشئون مجلس النواب والإعلام، قال لوكالة رويترز إن القاضي دوره ينتهي بعد ضمان انتخابات حرة ونزيهة. أما «في حالة انقلاب الإرادة الشعبية على الرئيس المنتخب، فليس هذا من شأنه باعتباره قاضيًا».

«مهزلة»

Egyptian_High_Court_of_Justice

الأداة الرئيسية المُستخدمة في إنزال العقوبات بالقضاة هي اللجان التأديبية القضائية، والتي تشمل سلطاتها تعنيف القضاة، أو نقلهم، أو إحالتهم إلى التقاعد، أو تبرئتهم. ويصدق رئيس الجمهورية على قرارات اللجنة بعد إصدارها.

وفقًا للتحقيق، فإن المستشار أحمد الزند، وزير العدل السابق، ومعه 15 قاضيًا آخر، قدّموا شكوى قانونية ضدّ قضاة أرمادا، متهمين إياهم بالانتماء إلى جماعة الإخوان، ونشر الأكاذيب، وإهانة المؤسسة العسكرية، وإساءة استغلال المنصب، ضمن تُهمٍ أخرى أنكرها القُضاة الذين حاورهم التحقيق كاملة. حوّل وزير العدل القُضاة إلى مجلس تأديبي بدأ بدوره تحقيقًا برئاسة المستشار شيرين فهمي، الذي يرأس الآن محكمة جنايات القاهرة، والذي يتّهمه  المستشار «محسن فضلي»، نائب رئيس محكمة النقض السابق وواحدٌ ممن طالتهم قرارات الإحالة إلى التقاعد،  بأنه من حلفاء الزند، مضيفًا أن «السلطة القضائية في مصر تُستخدم من قِبل النظام بصفتهم أداةَ انتقام».

يزعم القضاة أن الدافع وراء تقديم زملائهم بهذه الشكوى في حقّهم هو خدمة مسيرتهم المهنية الشخصية. منذ 2013، ثلاثة من القضاة الذين شاركوا في تقديم شكاوى بحقّ زملائهم أو أصدروا أحكامًا تدينهم شغلوا لاحقًا منصب وزير العدل ، ومن ضمنهم الوزير الحالي، المستشار حسام عبد الرحيم،. كما شغل 7 قضاة آخرون على الأقل مناصب عُليا في وزارة العدل. نفى النشار، مرة أخرى، وجود علاقة بين تعيينات القُضاة السالف ذكرهم وبين أي دورٍ لهم في هذه القضايا.

ينقل التحقيق عن القضاة المتهمين وصفهم للتحقيق بأنه «مهزلة»، إذ لم يُسمح للدفاع بتقديم الحجج، أو الاطلاع على مستندات التحقيق، كما لم تُواجه لجنة التحقيق المتهمين بالأدلة، بل إنهم لم يتلقوا إخطارات بمواعيد وأماكن بعض جلسات الاستماع. تُشير رويترز إلى العديد من أوجه العوار في التحقيقات، ربما أبرزها اتهام شيرين فهمي لأحد القضاة بالسماح لمرشح إسلامي بالتزوير في الانتخابات البرلمانية لعام 2008؛ وهو اتهامٌ باطل بالتأكيد، إذ لم تكن هناك انتخاباتٍ برلمانية في عام 2008 من الأساس.

الإدانة

انتهت التحقيقات في مارس (أذار) 2014 بإدانة 31 قاضيًا بممارسة السياسة. تحظر المادة 73 من قانون السلطة القضائية ممارسة السياسة على القضاة، وتمنعهم من التعبير عن آرائهم السياسية في حال توليهم قضية، لكن العديد من القضاة يجادلون بأن القانون يسمح لهم بالتعبير عن آرائهم السياسية بصفة فردية، طالما لم ينضموا إلى حزبٍ سياسي أو يترشحوا لمنصبٍ تنفيذي أو تشريعي. المستشار أحمد الزند نفسه كان دائم التعبير عن آرائه السياسية، ومعارضًا عنيفًا للرئيس محمد مرسي.

حاورت رويترز 25 قاضيًا ممن طالتهم الإجراءات. يعتقد جميعهم بأن السبب الرسمي لإحالتهم إلى التقاعد – «ممارسة السياسة» – هو في الواقع مجرد غطاء لشرعنة ممارسات تستهدف تخويف القضاة ومنعهم من مجابهة الجهاز التنفيذي، وممارسة دورهم في «مراقبة سلطة الدولة وحماية حقوق المصريين الأساسية»، وفقًا للتحقيق. أحمد الخطيب، رئيس محكمة استئناف القاهرة السابق، والذي أحيل إلى التقاعد في قضية منفصلة، قال إن مجلس القضاء الأعلى كان على علمٍ بنشره آراءه الشخصية علنًا، وسمح بحدوث ذلك بموافقة ضمنية. لكن النشار، المساعد الإعلامي لوزير العدل، ينفي وجود مثل هذه الموافقة أيضًا، مُشيرًا إلى حالة الفوضى التي عمّت البلاد بعد 2011، والتي سمحت لكثيرٍ من هذه المخالفات بالمرور، حتى تمت استعادة الاستقرار وبدأت السلطات في مُلاحقة المخالفين للقانون.

يُضيف الخطيب أن الأمر ليس متعلقًا بالتعبير عن الآراء السياسية، وإنما «بنوع الرأس السياسي الذي يتم التعبير عنه».

استأنف القضاة المدانون على الحكم، فقط ليرتفع العدد إلى 32 قاضيًا مدانًا بالتعبير عن آرائه السياسية بالمخالفة لقانون السلطة القضائية.

صناعة الخوف

من ضمن من تحدثت معهم رويترز المستشار «حسام مكاوي»، والذي أُحيل بدوره إلى التقاعد مع زملائه من «قضاة البيان»، بالإضافة إلى منعه من السفر خارج البلاد. لا يتجاوز عمر مكاوي 42 عامًا، وهو ما جعله مستهدفًا إلى جانب زملائه من القضاة متوسطي السنّ الذين دعموا الحراك الشعبي في 2011 وطالبوا بإصلاحات قضائية. يعبّر مكاوي عن اشمئزازه من تصنيف كل الداعين إلى أي نوعٍ من الإصلاح على أنّهم أعضاء بجماعة الإخوان المسلمين، مُشيرًا إلى أنّه لم يوقّع البيان دعمًا لمرسي، وأنّه كان ليوقّعه بغض النظر عن شخصية رئيس الجمهورية، حتى لو كان أحمد شفيق، لأن دور القُضاة هو حماية الحريات.

«هناك صناعة متعمّدة للخوف. القضاة خائفون الآن من إصدار أحكام تُثير غضب الحكومة، لأنهم يعرفون أنّهم سيخسرون وظائفهم».

قاضٍ آخر خسر عمله، هو المستشار إسلام علم الدين، والذي استخدم المحققون صورة له في مدرسة ابنه الإماراتية، حيثُ كان في إعارة إلى الإمارات في ذلك الحين، على أنها صورته وابنه في «معسكر احتجاجي لجماعة الإخوان المسلمين»، على حد قوله. وأخبر 4 قضاة آخرون رويترز بأن المستشار أحمد الزند، وزير العدل السابق، أسّس قسمًا مخصصًا لمراقبة حسابات القضاة على مواقع التواصل الاجتماعي.

قضية أرمادا ليست القضية الوحيدة التي أرسلت بالقُضاة إلى التقاعد المبكّر، بل وربما منعتهم من السفر خارج البلاد، وحرمت من لم يُمض 20 عامًا في السلك القضائي من المعاش. أحد أبرز هذه القضايا، وفقًا للتحقيق، كانت قضية حركة «قُضاة من أجل مصر»، في مارس (أذار) 2015، والتي اعتبرتها لجنة التأديب خلية قضائية نائمة، تابعة لجماعة الإخوان المسلمين. يُصرّ القضاة على أن الأمر متعلّق بتوجهاتهم ومعتقداتهم السياسية. محمد زين العابدين، 35 عامًا، أصغر المحالين إلى التقاعد، قال لرويترز،

«إنهم لا يريدون السماح بأي أصواتٍ معارضة. ينبغي أن نتبنّى كلنا وجهة نظر الدولة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد