تحدَّث مقالي السابق عن مصر عن كيف أصبح العالم العربي مبنيًّا على التبعية الخارجية منذ تشَّكلت الدول الحديثة فيه. ذكرتُ أن مصر عانت لعقود من «تطوير التخلف»، العملية التي زادت من فقر وإفقار المجتمع المصري وقزمت نمو مصر سياسيًّا واقتصاديًّا. إنها حالة مألوفة لدولة نامية تناضل من أجل البقاء في ظل نظام عالمي يسيطر عليه عددٌ قليل من الدول القوية.

التحدي الذي يواجه مصر يكمُن في تحرير نفسها من سيطرة المستفيدين من بقائها دولة تابعة. بكثافة سكانية يبلغ عددها 83 مليون، وهي الأكبر في الشرق الأوسط، فإن مصر تُعتبر تهديدًا حقيقيًّا للاستبداد في المنطقة.

إذا كان هيكل التأثير الإقليمي غير واضح تمامًا في الماضي، فإن السنوات الثلاثة الماضية أعطت الشرق الأوسط تصورًا كاملًا عن قوة مصر ونفوذها. باستدعاء تجاربنا السابقة، فإن ردَّ الفعل الوحشي من النظام ضد الثورة أمر لم يكن منه مفر. الرسالة كانت واضحة للغاية: الانتفاضات الشعبية التي تهدد بتقويض هياكل السلطة القائمة، ستواجه قمعًا همجيًّا عنيفًا مدعومًا وممولًا بالمليارات. الدعم العسكري الأمريكي والتمويل الخليجي بقيمة 39.5 مليار دولار – مبلغ يُحسد عليه أي مستبد- مكَّنا السيسي من تدمير دعائم الحرية بشكل ممنهج.

تمكَّن السيسي من بلوغ درجات استبداد لم يكن يحلم بها سلفه مبارك. في عامين فقط منذ انقلب السيسي على محمد مرسي، سعى النظام بعزم لا هوادة فيه إلى اقتلاع كل مكاسب الثورة، حتى لو تطلَّب الأمر مستويات غير مسبوقة من العنف واعتقالات جماعية ضخمة.

المجزرة الأليمة في ساحة رابعة العدوية عام 2013 أظهرت إلى أي مدى يمكن للجيش أن يصل بانتهاكاته في سبيل إخماد أي معارضة. المذبحة التي قتل فيها 1300 من أنصار مرسي هي واحدة من أكبر عمليات قتل المتظاهرين في التاريخ الحديث. خلال مذبحة «تيانانمين» الشهيرة في الصين عام 1989، احتاجت السلطات الصينية ضعف الوقت لقتل من 400 إلى 800 متظاهر.

عقوبات الإعدام الجماعية التي حصل عليها 720 شخصًا على الأقل، تظهر أن النظام المصري يُحذر الشعب من المصير الذي ينتظر أولئك الذين لا يقبلون الانقلاب.

تجذُّر سلطة أمن الدولة في مصر ترك المعارضين دون مكان للاحتماء أو الاختباء. تم تمرير قوانين استثنائية بمعدلٍ لا مثيل له منذ 60 عامًا. تشمل القوانين توسيع اختصاصات القضاء العسكري ومواجهة التمويل الأجنبي للمنظمات غير الحكومية، ما يعيق منظمات حقوق الإنسان والحركات المعارضة. هو نظام جديد يدعم الوضع القديم، يمنع الحقوق المدنية ويوسع تعريف الإرهاب ليشمل «أي شيء يضر الدولة».

وبحسب عمرو الشلقاني أستاذ مساعد القانون في الجامعة الأمريكية في القاهرة، فإن الجنون التشريعي فاق عهدي الطاغيتين أنور السادات وحسني مبارك، ولا يماثله إلا الفترة التي تلت الإطاحة بالملكية المصرية عام 1952.

يقبع حاليًا 40 ألف شخص من المعارضين للسيسي في السجون، حيث يمارس التعذيب كأمر روتيني. جهاز أمن الدولة سيء السمعة – والذي يعرف حاليًا باسم الأمن الوطني- عاد من جديد ويعمل بكامل طاقته، كذلك يستخدم الجهاز نفس أساليب التعذيب والانتهاك التي كانت سائدة في أحلك ساعات عهد مبارك؛ كما يضيف الشلقاني.

التفاصيل المروعة يتم توثيقها بواسطة عدد من نشطاء حقوق الإنسان. طبقًا لمنظمة العفو الدوليّة فإن التعذيب المتفشّي والاعتقالات والاحتجازات التعسفيّة تعكس تدهورًا كارثيًّا في مجال حقوق الإنسان أعقب الإطاحة بمرسي. تشمل أساليب التعذيب المستخدمة الصعق الكهربائي والضرب والاغتصاب.

قصة انحدار مصر إلى وضع أكثر استبدادية هي قصة مألوفة من قصص الربيع العربي. وراء العناوين الكبيرة من مذابح وقمع سياسي، فإن التفاصيل تظهر أن ديكتاتوريّة النظام الحالي هي الأكثر سوءًا في تاريخ البلاد المعاصر، سواءً من ناحية الكم أو الكيف.

نظرة على وضع مصر في مؤشر هشاشة الدولة (Fragile State Index FSI) والذي يصنف الدول وفقًا لكونها في معرض الانهيار أو الصراعات، تكشف الكثير. يضع المؤشر مصر في المرتبة الـ31 من ضمن 178 دولة، حيث تحتل دول شديدة الهشاشة مثل جنوب السودان والصومال أعلى القائمة، بينما الدول المستقرة تمامًا مثل فنلندا تأتي في آخر الترتيب.

المؤشر الذي كان يعرف سابقًا باسم مؤشر الدولة الفاشلة، يعدّ مؤشرًا جيدًا لوضع الدولة من حيث الرفاهية والصحة السياسية والاجتماعية. إنه يلقي النظر على كل الضغوط التي تتعرض لها دولة، ثم يقيّم تلك الضغوط وهل هي كبيرة بما يكفي لدفعها نحو حافة الفشل. المؤشر مقسم إلى 11 فئة مختلفة: مستديمة جدًا، مستديمة، مستقرة جدًا، مستقرة، أقل استقرارًا، تحت التحذير، تحت تحذير كبير، تحت تحذير كبير جدًا، في حالة تأهب، في حالة تأهب عالية، في حالة تأهب قصوى.

يعتمد وضع الدول في المؤشر على 12 بندًا يظهرون ضعف الدولة. توجد بينها أربعة بنود اجتماعية: الضغط السكاني، اللاجئون والمشردون داخليًّا، المظالم الجماعيّة، الهجرة؛ وبندان اقتصاديان: التنمية بالنسبة للفقر، التدهور الاقتصادي؛ وستة بنود سياسية: شرعية الدولة، الخدمات العامة، حقوق الإنسان، الأجهزة الأمنية، استقطاب النخب، التدخل الخارجي.

أفضل دول الشرق الأوسط في هذا المؤشر هما الإمارات العربية المتحدّة وقطر، حيث تُصنَّف الدولتان على أنهما في الفئة «مستقرة». إسرائيل والمملكة العربيَّة السعوديَّة هما أكبر الدول التي تقع في الفئة «تحت تحذير كبير». تقع إيران في الفئة «تحت تحذير عالٍ جدًا»، بينما تأتي الدول الأسوأ وضعًا من إيران ضمن فئة «في حالة تأهب» والتي تضم مصر في المرتبة 31، وهي نفس الفئة التي تضم دولًا مثل نيجيريا وكوريا الشماليّة. سوريا والعراق واليمن دول تأتي ضمن فئة «في حالة تأهب عالية»، تليها خمس دول ضمن فئة «في حالة تأهب قصوى»، حيث تتصدَّرها جنوب السودان بوصفها أقل الدول استقرارًا في العالم.

منذ إطلاق المؤشر منذ عقد مضى، كانت تظهر مصر علامات مثيرة للقلق فيما يخص هشاشتها. البنود الأكثر سوءًا في مصر من ضمن البنود الـ12 هي: حقوق الإنسان، شرعية الدولة، استقطاب النخب والمظالم الجماعيّة. في الواقع إذا كان التصنيف بحسب هذه البنود الأربعة فقط – والتي تعبر البنود الأكثر خطورة-، فإن مصر ستحتل المرتبة العاشرة لتقع ضمن فئة «في حالة تأهب عالية».

هذه الصورة القاتمة لمصر تبدو أكثر قتامةً إذا تمّ تفصيل البيانات في البنود الأكثر إثارة للقلق مثل حقوق الإنسان وسيادة القانون وشرعية الدولة. يشمل بند شرعية الدولة بنود فرعية مثل الفساد، انعدام التمثيل وانتهاك الدولة للعقد الاجتماعي الأساسي.

تحت حكم السيسي، تعاظمت انتهاكات حقوق الإنسان بشكل خطير. وتراجعت مصر في مجال حقوق الإنسان لتصبح من ضمن أسوأ خمس دول في العالم، حيث تقع قبلها الصومال وتليها مباشرة كوريا الشماليّة. وهو انخفاض خطير بالمقارنة مع متوسط ترتيب مصر في عهد مبارك باعتبارها الدولة رقم 32 في مجال حقوق الإنسان.

في تقريرها بعنوان «خارطة طريق القمع»، عرضت منظمة العفو الدولية صورة شديدة القتامة لأوضاع حقوق الإنسان والحريّات في مصر منذ الإطاحة بمرسي. يقول التقرير: «لقد شهدت مصر سلسلة من الضربات الموجعة لحقوق الإنسان وممارسة غير مسبوقة للعنف من قبل الدولة». يؤكد التقرير أن سرديات مثل «استعادة المسار الديمقراطي» و«مكافحة الإرهاب» تم استغلالها من قبل النظام، ليقع المجتمع في انقسام واستقطاب عميقين، بينما تتم حماية الشرطة وقوات الأمن من غضب شعبي واسع النطاق.

«وقد ساءت أوضاع حقوق الإنسان بالمقارنة مع ما كانت عليه في أي وقت في عهد مبارك». يقول ديفيد كارمر رئيس مؤسسة فريدوم هاوس. في تقرير لها، تقول المؤسسة إن مصر انحدرت بعد الانقلاب من تصنيف «حريات جزئية» إلى تصنيف «بلا حريات»؛ مع تدهور هائل في جميع البنود تقريبًا، بما فيها الحقوق السياسية، التعددية السياسية، المشاركة السياسية، حرية التعبير، الحقوق الاجتماعية وسيادة القانون.

انحدار مصر لتصبح واحدة من أكثر الدول استبدادًا في العالم لا يحظى بأي إدانة حقيقيّة على الصعيد الدولي. الصمت المطبق للولايات المتحدة والغرب إزاء الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في مصر، هو مزيد من التأكيد على أن عصبة الجيش في مصر أصبحت الممثل الفاعل للثورة المضادة، والذي نشأ ودعم ليحافظ على الهيكل الحالي للسلطة في الشرق الأوسط.

قادة الغرب – كما يعرف السيسي جيدًا- لديهم رغبة ضئيلة جدًا في الضغط على نظامه لأنه يخدم عددًا من مصالحهم الاستراتيجية، ليس أقلُّها استعداده لحماية أمن إسرائيل. يبدو أن الغرب لا يرى تناقضًا في دعم استقرار نظام السيسي بينما يعاني الشعب المصري من عدم الاستقرار الشديد الذي تسببه الاعتقالات الجماعية والتعذيب.

العُصبة الحاكمة في مصر تعمل بشكل أساسي لترسيخ الوضع المفروض على المنطقة ضمن النظام العالمي. الشعب المصري يمكن أن يكون أي شيء الآن، لكنه ليس حرًّا، ومن غير المحتمل قريبًا أن يصبح كذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد