صباح الخميس، الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، قرر البنك المركزي المصري تحرير سعر صرف العملة، في خطوةٍ طال ترقبها من قِبل المستثمرين والمواطنين. الاتجاه الذي سيسلكه الاقتصاد المصري الآن مرهون بالسياسات الاقتصادية التي سيتبعها البنك المركزي، والتي ستحدد ما إذا كان التعويم سيقضي على السوق السوداء، وسيصل الاقتصاد إلى مرحلة من الاستقرار بعد فترةٍ من التقلب، أم أن الأمور لن تزداد إلا سوءًا.

يستعرض تقريرٌ منشور بوكالة «بلومبرج» قرارات التعويم التي اتّخذتها 5 دولٍ، والمسار الذي اتّخذه الاقتصاد بعدها، ويستخلص منها دروسًا مستفادة يقدّمها للحكومة المصرية، عمّا ينبغي، وما لا ينبغي فعله عند تعويم العملة.

1- روسيا

ماذا حدث؟

انخفاض أسعار النفط، والعقوبات الغربية على روسيا وضعتها في موقفٍ حرجٍ اضطرت معه إلفيرا نابيولينا، محافظة البنك المركزي الروسي إلى إعلان التخلي عن التدخلات في سعر صرف العملة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2014.

هل نجح الأمر؟

بعد عامين، ما زالت قيمة الروبل الروسي منخفضة بنسبة 32% عن وقت اتخاذ القرار. لكن التقلب في سعر العملة عاد إلى مستويات ما قبل التعويم الكلي، ومعدّلات التضخم تنخفض، وتوقّف السكان عن المتابعة القلقة لسعر العملة، ويحتفظون بـ60% من مدخراتهم الآن بالروبل الروسي، وفقًا لاستطلاعات الرأي.

ومع تباطؤ تدفق رؤوس الأموال إلى الخارج، تتلقى نابيولينا مديحًا واسعًا باعتبارها أكثر محافظي البنوك المركزية الأوروبية استقامة.

2. كازاخستان

ماذا حدث؟

بعد تعويم العملة الصينية والروسية، قررت كازاخستان مجاراة أكبر شركائها التجاريين، وتحرير سعر الصرف، لتنخفض قيمة التنجي الكازاخستاني إلى 42% منذ ذلك الحين.

هل نجح الأمر؟

لم يكن الانتقال سهلًا، وأصبحت عملة التنجي أكثر عملات العالم تقلبًا؛ مما اضطر الحكومة إلى إنفاق 6% من الاحتياطي النقدي، 1.7 مليار دولار، لتسهيل تقلّبات العملة. لكن بعد عام، استقرّت أسعار التداول، وارتفع الاحتياطي النقدي بنسبة 13% هذا العام، ليصل إلى 31 مليارًا.

3. الأرجنتين

ماذا حدث؟

القرار في الأرجنتين اتخذه الرئيس ماوريسيو ماكري، يوم السابع عشر من ديسمبر/ كانون الأول 2015، كجزءٍ من عملية إصلاح اقتصادي تستهدف اجتذاب الاستثمارات، وتنشيط اقتصادٍ عانى بشدّة من نقص الدولار.

هل نجح الأمر؟

في اليوم الأول من التعويم، انخفضت العملة بنسبة 27%. لكن معدّلات الانخفاض في قيمة العملة انخفضت بعد ذلك، وبدأ التضخم في إظهار علامات على الانحسار. الآن معدّل تقلب البيزو الأرجنتيني من ضمن أقل المعدلات في أمريكا اللاتينية، ولم يعُد تداول العملات في السوق الموازية شائعًا كما كان قبل التعويم. كما أظهر المستثمرون ثقتهم في الاقتصاد الأرجنتيني، إذ بلغت مبيعات السندات الدولية رقمًا قياسيًّا هذا العام، 33 مليار دولار.

4. أذربيجان

ماذا حدث؟

انتقلت أذربيجان، الدولة المُنتجة للنفط، إلى التعويم المُدار أو الجزئي في يوم الحادي والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول، بعد اضطرارها إنفاق ثلثي احتياطيها النقدي لدعم عملتها المحلية، المانات الأذربيجاني.

هل نجح الأمر؟

بعد ثلاثة أشهر من الانخفاض المستمر في قيمة العملة، تدخّلت السلطات لرفع قيمتها بإجبار البنوك على الحدّ من حركة تداول الدولار. استقرّت العملة، لكن هذا كان بمثابة إعلان لفشل أذربيجان في استعادة ثقة الشعب. والآن، وفقًا لتقييمات «ستاندارد آند بورز» العالمية، 80% من المدخرات في صورة دولارات أمريكية.

5. نيجيريا

ماذا حدث؟

نيجيريا هي ثاني أكبر دولة أفريقية منتجة للنفط. استجابةً لضغوط السوق، عوّمت نيجيريا عملة النايرا يوم العشرين من يونيو/ حزيران، لتنخفض قيمتها بنسبة 38% منذ ذلك الحين.

هل نجح الأمر؟

لا. انتقد المستثمرون البنك المركزي لمحاولاته التحكّم في أسعار الصرف، ووضع مدى ثابت لها، وهو ما نتج عنه عودة الفرق بين أسعار الأسواق الموازية، وبين الأسعار الرسمية إلى معدّلات ما قبل التعويم، واستمرار انكماش الاحتياطي النقدي لنيجيريا.

عُنق الزجاجة

وفقًا للتقرير، لن يكون الانتقال سهلًا بالنسبة لمصر التي لم تتخلّ عن تحديدها لسعر صرف العملة إلا بالأمس، والذي سينتج عنه ارتفاعٌ كبيرٌ في معدلات التضخّم إثر انخفاض قيمة العملة، وارتفاع تكاليف الاستيراد. سيُعاني الشعب المصري، في بلدٍ متوسط دخل الفرد فيها من ضمن الأقل في الشرق الأوسط وجنوب أفريقيا، من صعوبة العيش في الفترة القادمة.

قد يُغري ذلك الحكومة بالتدخّل للتحكم في سعر صرف العملة. لكن هل يُساعد هذا الاقتصاد على التعافي على المدى الطويل؟ وفقًا لديفيد هاونر، الخبير الإستراتيجي ببنك أمريكا كورب، فإن أي قرارٍ لا يتضمّن تحريرًا كاملًا لسعر الصرف محكومٌ عليه بالفشل. حتى في مصر نفسها، التي حاولت التحكم في السعر بدلًا من تحريره في عام 2003، وفي مطلع هذا العام، فإن الأمر أدى إلى ازدهار الأسواق الموازية، وتخزين الدولار نتيجة لفقدان الثقة في ثبات سعر العملة.

يقول هاونر: «أي محاولة لتثبيت السعر تفتقر إلى المصداقية بسبب نقص الاحتياطي النقدي، وتبتعد عن قيمة السوق العادلة، هي خيارٌ سيئ. التكيّف ليس سهلًا أبدًا. هناك فترة تسوء فيها الأمور، لكن بالنظر إلى تجارب الدول التي انتقلت إلى التعويم الكلّّي، فقد أثبت الأمر منافعه». هذه المنافع تتضمّن -إذ تنخفض قيمة العملة- تنافسية أكبر للصادرات المصرية في الأسواق، نتيجة لرخص ثمنها، وكذلك نشاطًا في حركة السياحة، وضغطًا أقل على البنك المركزي للمحافظة على الاحتياطي النقدي.

إن كان لمصر أن تتعلّم أي شيءٍ، وفقًا للتقرير، فهو أن أنصاف الحلول محكومٌ عليها بالفشل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد