تساءل تقرير أعدته مجلة ذي أتلانتك الأمريكية عن سبب تعاون شركة للعلاقات العامة في الولايات المتحدة بشكل مباشر مع جهاز الاستخبارات في مصر. وقال التقرير إن كل الفاعلين المهمين في صناعة العلاقات العامة قد اجتمعوا في مطعم راقٍ في نيويورك قبل شهرين في حفل توزيع جوائز «الإنجاز المتميز في تحسين سمعة وانتشار العلامات التجارية الكبرى» (SABRE)، على أفضل الشركات في هذه الصناعة.

كان من بين الفائزين شركة Weber Shandwick، إذ فازت بجائزة أفضل شركة في أمريكا الشمالية عن هذه السنة، وجائزة أخرى عن ترويجها لإحدى عرائس باربي، وثالثة عن الترويج لبرنامج تعليمي ترعاه شركة Lockheed Martin. لكن ما لم يلحظه أحد هو أن الشركة وقعت اتفاقًا مع جهاز الاستخبارات العامة المصرية مقابل أكثر من مليون دولار سنويًّا. عُرف عن هذا الجهاز «سيئ السمعة» – بحسب التقرير- تعاونه مع الاستخبارات الأمريكية في استجواب وتعذيب معتقلي تنظيم القاعدة بعد هجمات سبتمبر (أيلول)، والعمل على تزوير الانتخابات داخل مصر، والمشاركة في قمع المعارضين منذ أحداث الثالث من يوليو (تموز).

كانت شركة Weber وإحدى شركات الضغط التابعة لها قد وقعتا عقودًا مع مصر في
مطلع العام الحالي. ووفقًا للاتفاق – الذي جرى برعاية وزارة العدل
الأمريكية– سترفع الشركة تقاريرها إلى اللواء ناصر فهمي من جهاز
الاستخبارات العامة المصري.

يقول معد التقرير: «إن تعاون الشركة مع مصر أمر عادي نظريًّا، لكنها تتعاون مع جهاز متهم بتعذيب وقمع معارضي الرئيس السيسي، وهذا فعل غير أخلاقي. ويأتي هذا التعاون بعد مرور 4 سنوات على إسقاط أول رئيس مصري منتخب، ورغبة السيسي في التعاون مع إدارة ترامب التي تغض الطرف عن استبداده، وكذا كسب حلفاء داخل الكونجرس. ويبدو أن السيسي قد عثر على شركة علاقات عامة كبرى مستعدة لتوجيه أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لغسيل سمعة النظام المصري المستبد».

كانت شركة Weber وإحدى شركات الضغط التابعة لها قد وقعتا عقودًا مع مصر في مطلع العام الحالي. ووفقًا للاتفاق – الذي جرى برعاية وزارة العدل الأمريكية– سترفع الشركة تقاريرها إلى اللواء ناصر فهمي من جهاز الاستخبارات العامة المصري. ويؤكد التقرير أن الهدف من هذا التعاون هو الترويج للشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وواشنطن، وتأكيد دور مصر الريادي في منطقة الشرق الأوسط. «باختصار، فإن الهدف من التعاون هو الترويج لرواية مصر بأن تسليح ودعم نظام السيسي المستبد مهم لحفظ السلام».

يعتبر ترامب بالنسبة إلى النظام المصري فرصة لا تعوض – بحسب التقرير- فأثناء حملة الملياردير الأمريكي الانتخابية، أبدى إعجابه برجل مصر القوي. وهذا ما أكده اللواء جيمس ماتيس – وزير الدفاع في إدارة ترامب– حين قال: «إن السبيل الوحيد لدعم تحول مصر إلى نظام ديمقراطي هو دعم الرئيس السيسي».

بدأت الشركة حملتها لصالح مصر برفع شعار «مصر المستقبل»، فدشنت موقعًا على الإنترنت وحسابًا على تويتر لنشر مقالات ومقاطع مصورة تصف مصر بمكان مستقر، ونابض بالحياة، ويمضي بثبات نحو الديمقراطية والمجتمع المتفتح.

ويرى معد التقرير أن ترامب هو بمنزلة هدية لنظام السيسي، إذ كان الأخير أول رئيس يزور البيت الأبيض بعد تولي ترامب الرئاسة. وعلى الرغم من تعهد ترامب بأن أموال أمريكا للأمريكيين، وتردد شائعات عن عزمه تقليص حجم المساعدات المالية الممنوحة إلى مصر – التي تبلغ 1.5 مليار دولار سنويًّا– بيد أنه سرعان ما تخلى عن الفكرة. وغضت وزارة الخارجية الأمريكية الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، وهو عكس النهج الذي اتبعته إدارة أوباما قبل رحيلها.

وينوه التقرير إلى حدوث تعاون سابق بين مصر وشركة Weber قبل عشر سنوات، فقد ساهمت الشركة في الترويج لصناعة القطن المصرية. «وبعد انقلاب عام 2013، تعاونت مصر مع مجموعة Glover Park، التي ساعدت في إقناع المشرعين الأمريكيين بضرورة إعادة ضخ المساعدات الأمريكية إلى مصر»، بحسب التقرير. لكن شركة Weber تختلف عن مجموعة Glover Park في أنها تعمل على الترويج لعلامة تجارية ما إلى الرأي العام. ولعل أشهر حملاتها كانت لبرنامج «أوباما كير».

اقرأ أيضًا: «الرابحُ يبقى وحيدًا».. كيف تخلَّص النظام المصري من كل الذين ساعدوه؟

بدأت الشركة حملتها لصالح مصر برفع شعار «مصر المستقبل»، فدشنت موقعًا على الإنترنت، وحسابًا على تويتر لنشر مقالات ومقاطع مصورة تصف مصر بمكان مستقر، ونابض بالحياة، ويمضي بثبات نحو الديمقراطية والمجتمع المتفتح.

ويأتي هذا التعاون في توقيت حاسم – كما يؤكد التقرير– إذ يعتزم مجلس الشيوخ الأمريكي مناقشة تقديم حزمة المساعدات إلى مصر، وهل إذا كان من اللازم ربطها بتحسن أوضاع حقوق الإنسان هناك. كما سعى السيسي إلى الضغط على واشنطن للإبقاء على الدفعات النقدية التي تتيح لمصر شراء أسلحة أمريكية بالاستدانة. وهو ما حاولت إدارة أوباما التملص منه.

على رغم أن واشنطن قد تخفض حجم المساعدات الممنوحة إلى حلفاء مثل باكستان وكولومبيا، إلا أن إدارة ترامب أخبرت القاهرة ألا مساس بحزمة المساعدات الممنوحة إلى مصر. ولكن يبدو أن ترامب يعتزم الاستمرار في خطة أوباما التي تهدف إلى إنهاء عمل برنامج USAID في مصر.

يرى معد التقرير أن ملف الإخوان المسلمين يمثل مدخلاً جيدًا لشركة Weber للترويج لمصر. كان محمد مرسي – عضو الجماعة– قد فاز في أول انتخابات رئاسية ديمقراطية في 2012، لكنه خسر التأييد الشعبي، فقام الجيش – بقيادة السيسي– باستغلال الوضع وأطاح حكم الإخوان المسلمين، ثم شن حملة قمع دموية ضدهم. ويأمل السيسي أن تصنف واشنطن الجماعة منظمة إرهابية – وهو ما رفضت إدارة أوباما فعله– وهو ما سيجعل من غير القانوني التعاون معها. لكن الكثير من حلفاء واشنطن المقربين – لا سيما تركيا– هم أعضاء في الجماعة.

وعندما وصل ترامب إلى الحكم، فكر بجدية في تصنيف الإخوان جماعة إرهابية، وسانده في ذلك ستيف بانون – كبير الاستراتيجيين في البيت الأبيض. من جانبها، ستسهم شركة Weber Shandwick في هذا الصدد بالتواصل مع المشرعين ومراكز الفكر في مصر لإخبارهم أن مصر تسير نحو الديمقراطية، وأنها تحارب الإرهاب نيابة عن البشرية، حسب وصف الكاتب.

اقرأ أيضًا: الغارديان: ديكتاتورية مصر تغرق في رمال سيناء.. ماذا يحدث؟

ولكن سرعان ما أخطأت الحملة – كما يشير التقرير– إذ حمّل الموقع الرسمي لها الإخوان المسلمين مسئولية الهجوم الذي تعرضت له الكاتدرائية العباسية في القاهرة أواخر العام الماضي، على رغم تبني تنظيم الدولة الهجوم. وتجاهلت الشركة الحملة الدموية الشرسة التي شنها السيسي على الجماعة وأنصارها. وعلى الرغم من جنوح بعض من شباب الجماعة نحو العنف، إلا أن أشد منتقدي الجماعة من الأمريكيين يؤكد أن تصنيف الجماعة ككل منظمة إرهابية خطأ جسيمًا. وهذا ما صرح به دانييل بنجامين – المنسق السابق في مجال مكافحة الإرهاب في وزارة الخارجية– لمجلة بوليتيكو، إذ قال: «سيكون من الغباء الشديد فعل ذلك، لأنها ليست جماعة إرهابية».

ومنذ دخول الاتفاق بين الشركة ومصر حيز التنفيذ، استعرت حملة السيسي ضد المعارضة ووسائل الإعلام، وانتهج سياسة الأرض المحروقة في سيناء – كما يشير التقرير. وفي أبريل (نيسان)، بثت فضائية «مكملين» المعارضة تسجيلاً يظهر أفرادًا موالين للجيش في سيناء ينفذون عمليات إعدام خارج إطار القانون؛ مما دفع لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ إلى مهاجمة النظام المصري بسبب ملف حقوق الإنسان، ودعا بعض أعضائها إلى قطع المساعدات العسكرية عن مصر.

وأشار التقرير إلى أن مندوبًا من شركة Weber Shandwick كان حاضرًا في جلسة الاستماع، وقام بتوزيع ملف من 14 صفحة يلمع من نظام السيسي. زعم الملف أن أول سنتين من رئاسة السيسي شهدت «تحسنًا على المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتحسنت أحوال حقوق الإنسان في مصر».

وفي الوقت الذي تنقسم فيه الآراء حول سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها السيسي، فإن العين لا تخطئ رؤية قمع الحريات السياسية والاجتماعية، حسب وصف الكاتب. وقد سخرت ناجية بو نعيم – مديرة الحملات في شمال إفريقيا في منظمة العفو الدولية– من حملة الشركة، وقالت إن الأوضاع في مصر ساءت للغاية عما كانت عليه أيام حسني مبارك.

قدمت الشركة العون لوفد برلماني مصري أثناء زيارته إلى واشنطن قبل أسابيع، فأعدت لقاءات بين أعضاء الوفد والعديد من المشرعين الأمريكيين ومراكز الأبحاث.

وقد وجدت رغبة السيسي في وضع جماعة الإخوان على قوائم الإرهاب صدى لدى السيناتور تيد كروز، الذي أعد مشروع قرار بذلك. ويضيف الكاتب أنه من غير المعروف إذا كان قد التقى بأعضاء الوفد أم لا. لكن مايكل وحيد حنا – خبير مصري في مؤسسة القرن– يعتقد أن تأثير شركة Weber ضعيف؛ لأن العديد من كبار الساسة في واشنطن قد حسموا آراءهم حيال التعاون المصري الأمريكي، وبعضهم من أشد المنتقدين لمصر.

يقول التقرير إن الشركة نشرت تسجيلاً مصورًا على موقعها لملخص لقاءات الوفد مع 15 مشرعًا أمريكيًّا، وأكد فيه بعض أعضاء الوفد المصري أنهم أتوا إلى الولايات المتحدة لتأكيد وجوب توحيد الجهود ضد الإرهاب، ولتصحيح الأفكار الخاطئة عن حقيقة ما يجري في مصر.

إحدى هذه الأفكار الخاطئة تتعلق بقانون تنظيم عمل منظمات العمل المدني المصرية، الذي أتاح لأجهزة الأمن المصرية إغلاق المنظمات الحقوقية المصرية التي تحصل على تمويلات أجنبية. ويذكر التقرير أن ذلك القانون نص على تشكيل هيئة قانونية مكونة من عناصر من جهاز المخابرات العامة، وممثلين عن وزارات الدفاع والداخلية والعدل، وآخرين. وبينما نددت كل من منظمة العفو الدولية، ومنظمة هيومن رايتس ووتش بالقانون بوصفه تعديًا على استقلال منظمة المجتمع المدني، رأى الوفد المصري أن القانون عادي.

وأوضح التقرير أن ما لفت انتباه متابعي الشأن المصري هو عمل الشركة بشكل مباشر مع جهاز الاستخبارات المصري. فطوال تاريخها، فضلت المخابرات المصرية الابتعاد عن الأضواء. وقد ساعد ذلك على بقاء معظم انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الجهاز خفية. وعلى الرغم من أن الجهاز لا يستفيد بشكل مباشر من برنامج المساعدات الأمريكي، لكن الحكومة الأمريكية تدفع أموالاً بشكل غير مباشر نظير خدمات الشركة، بحسب ما جاء في التقرير.

ويبدو أن جهاز الاستخبارات المصري قد أخذ على عاتقه جهود الترويج خارجيًّا لمصر، حيث عمل السيسي على تجميع كافة السلطات تحت نفوذ الأجهزة الأمنية – كما يضيف التقرير. فقد شاركت أجهزة الاستخبارات في تشكيل قوائم المرشحين للبرلمان المصري، ودشنت أذرعًا إعلامية لها بالتعاون مع رجال أعمال مقربين من النظام. في مقابل ذلك، جرى تهميش مؤسسات مدنية مثل وزارة الخارجية، فقد نشر موقع مدى مصر تحقيقًا حول استبعاد 40 دبلوماسيًّا بناءً على توصية من جهاز الاستخبارات المصري.

لكن التقرير يؤكد في ختامه أن ما تقوم به شركة Weber Shandwick قد يأتي بنتائج عكسية. فقد قال مختار عوض – خبير في شئون الإرهاب في مصر بجامعة جورج تاون– إنه إذا ما استمرت الشركة في نشر معلومات مضللة فإنها ستدفع كل الدول إلى عدم تصديق مزاعم الحكومة المصرية مجددًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد