نشر موقع «ذي إنترسبت» رسائل إلكترونية جديدة ضمن الرسائل المسربة من حساب يوسف العتيبة -السفير الإماراتي في الولايات المتحدة- وتكشف هذه الرسائل أن الإمارات دفعت سرًا تكاليف جماعات الضغط التي يستخدمها النظام المصري لتجميل صورته في واشنطن.

يشير التقرير في بدايته لإعلان الحكومة المصرية تعاقدها مع «جلوفر بارك جروب» لتكون واجهة للنظام الصري في واشنطن، وهي شركة علاقات عامة واستشارات سياسية أنشأها مسؤولون في البيت الأبيض من عهد كلينتون وبعض مسؤولي الحزب الديمقراطي.

وتوضح مذكرة تلقاها العتيبة -في سبتمبر (أيلول) عام 2015- أن جلوفر بارك وصفت عملها لدى الحكومة المصرية بأنه يهدف للضغط على الحكومة الأمريكية وأصحاب النفوذ في مراكز الأبحاث السياسية والمؤسسات الإعلامية لتغيير السياسة الأمريكية. وظهرت هذه المذكرة ضمن رسائل عدة حصل عليها «ذي إنترسبت» بعد تسريبها من حساب العتيبة على موقع هوتميل، والذي كان يستخدمه في عمله بشكل مستمر.

رسالة شركة جلوفر بارك للعتيبة حول دورها في التأثير السياسي لصالح مصر. المصدر: ذي إنترسبت

يعمل ريتشارد مينتز في هاربور جروب، وهي الشركة التي تستخدمها الإمارات للضغط السياسي، ويقول التقرير أنه أرسل في وقت سابق من هذا العام رسالة إلكترونية للعتيبة يذكر فيها فاتورة النظام المصري الضخمة والتي وصلت 2 مليون و700 ألف دولار. كانت جلوفر بارك وهاربور جروب على صلة مسبقة، حيث شارك جويل جونسون في تأسيس هاربور جروب عام 2001 قبل أن ينضم لجلوفر بارك ليصبح مديرها العام في 2005.

أشار مينتز أيضًا أن جلوفر بارك «تريد أن تدفع لها الإمارات مباشرة، لكنها تنتظر الرأي النهائي للمحامين حول قانون تسجيل الوكالات الأجنبية ليعرفوا إن كان الأمر ممكنًا». ولم يرد مينتز على طلب «ذي إنترسبت» للتعليق على الأمر، يعمل مينتز مستشارًا للعتيبة في العلاقات العامة.

رسالة إلكترونية من جلوفر بارك للعتبية بعنوان فواتير غير مدفوعة، وتظهر تفاصيل أعمال الشركة للحكومة المصرية. المصدر: ذي إنترسبت

يقول التقرير إن العتيبة كتب رسالة لجونسون بعدها بـ6 أشهر ليعلمه بنقل 2.7 مليون دولار إلى القاهرة، وشكلت الجزء الأكبر من الـ3 ملايين دولار التي دفعتها القاهرة لاحقًا لشركة العلاقات العامة. وأكد التقرير أنه حتى وقت نشره لم ترد الشركة على طلبات التعليق حول دور الإمارات في دفع مستحقات الشركة عن عملها لمصر.

رسالة العتيبة لجويل جونسون -مدير جلوفر بارك- ويعلمه فيها بنقل 2.7 مليون دولار للقاهرة لتدفعهم لشركته. المصدر: ذي إنترسبت.

دور الإمارات في التأثير على المراكز البحثية والإعلام لصالح السيسي

تظهر الرسائل التي حصل عليها «ذي إنترسبت»، كيف استفاض العتيبة في تعديد منافع نظام الرئيس القمعي عبد الفتاح السيسي -يقول الكاتب- وتصرفه كما لو كان سفيرًا ثانيًا للبلد.

يضيف التقرير أن السيسي قاد انقلابًا عسكريًّا ضد الرئيس السابق محمد مرسي عندما كان قائدًا عامًا للجيش، ونجح في انتخابات الرئاسة بـ97% في انتخابات وُصمت بأنها غير ديمقراطية. وكانت الإمارات والسعودية تدعمان الانقلاب العسكري بشكل قوي، وذلك عن طريق إمداد مصر بمليارات الدولارات.

اقرأ أيضًا: «ذي إنترسبت»: ماذا تكشف تسريبات حساب السفير الإماراتي عن التعاون مع إسرائيل؟

يبعث العتيبة في رسالة أخرى لأحد الصحافيين يتهمه فيها بحمل ضغينة ضد السيسي رغم أنه «من أذكى وألمع الصحفيين في المجال». الصحافي هو مايكل كرولي صحفي مجلة بوليتيكو، وأتت رسالة العتيبة بعد مقال كتبه كرولي في أبريل (نيسان) 2017 بعنوان «ترامب يستقبل ديكتاتور مصر» وذكر فيه آراء خبراء حقوقيين حول قمع السيسي الوحشي، بحسب التقرير.

اعترض العتيبة تحديدًا على ما نقله المقال عن توم مالينوفسكي، وهو الدبلوماسي السابق في عهد أوباما والذي عمل أيضًا مديرًا لمكتب «هيومان رايتس ووتش» في واشنطن من 2001 حتى 2013. ويضيف الكاتب أن «هيومان رايتس ووتش» قد أصدرت عدة تقارير تدين مصر في السنوات السابقة، بما فيها تقرير طالب بفتح تحقيق في دور السيسي في القتل الجماعي لأكثر من 1000 متظاهر فيما وصف بأنه «يصل لمستوى الجرائم ضد الإنسانية»، وكان السيسي وزيرًا للدفاع في وقتها.

رد كرولي على العتيبة بالتحذير من أن قمع السيسي ضد المجتمع المدني في مصر قد يزيد من التطرّف. واستمروا في الجدال حتى النهاية، فبعث العتيبة الرسالة إلى دينا باول نائبة مستشارة الأمن القومي وكتب لها: «هذا ما يواجهنا». ورفض كرولي التعليق لـ«ذي إنترسبت» على الرسائل المتبادلة بينه وبين العتيبة.

 مقطتف من الرسائل بين العتيبة ومايكل كراولي بعد مقاله «ترامب يستقبل طاغية مصر». المصدر: ذي إنترسبت.

رسالة العتيبة لدينا باول نائبة مستشار الأمن القومي. المصدر: ذي إنترسبت.

لم يجد العتيبة سوى حليف وحيد في مراكز الأبحاث السياسية ليؤيد موقف الإمارات من مصر، وهو بريان كاتوليس الذي يعمل في مؤسسة التقدم الأمريكي. بحسب التقرير، عرض كاتوليس على السفير خطة مفصلة للتأثير السياسي لصالح مصر ليقدمها للبيت الأبيض عن طريق باول.

بعث كاتوليس في أبريل (نيسان) 2017 برسالة للعتيبة يخبره فيها أن إدارة ترامب ستطلب من مصر وضع الأمن ومكافحة الإرهاب على رأس أولوياتها وستسعى للحوار معها في التجارة والاستثمار. وأضاف أنه من المحتمل أن تطلب الإدارة الأمريكية إفراج مصر عن بعض السجناء السياسيين والذين أصبحوا «أمرًا غير ضروري يلهي عن العمل المهم»، بحسب تعبير كاتوليس.

اقرأ أيضًا: تعيين قوادات واستعباد جنسي.. «ذي إنترسبت» تكشف حياة مزدوجة يعيشها العتيبة

ويضيف التقرير أن بعد أسبوعين من هذه الرسالة أفرجت الحكومة المصرية عن آية حجازي الناشطة المصرية الأمريكية بعد 3 سنوات من احتجازها، حيث اتهمت بالتجارة في البشر واستغلال الأطفال. وتعد قضيتها مثالًا على قمع السيسي للمجتمع المدني.

يضيف التقرير أن كاتوليس اقترح أيضًا أن تطلب الإمارات من إدارة ترامب تعيين سفير أمريكي جديد في مصر، ويفضل أن يكون ممن يثق فيهم -صهر الرئيس- جاريد كوشنر وباول، واقترح كاتوليس اسم إريك تريجر -الذي يعمل في معهد الشرق الأدنى للسلام- بسبب علاقته القوية بمصر.

كان آخر اقتراح أن تطلب الإمارات من البيت الأبيض تعيين موظف ليتعامل مع الانشقاقات داخل الكونجرس حيث توجد «انتقادات لمصر من الحزبين، لن يوقفها بذل مجهود أكبر لكن سيساعد على التحكم بها». وأخبر كاتوليس العتيبة في نهاية مذكرته أن جون ماتيس وزير الدفاع الأمريكي يثق به واقترح عليه أن يقدمه لباول. لم يرد كاتوليس -زميل مؤسسة التقدم الأمريكي- على طلب التعليق الذي أرسله «ذي إنترسبت».

رسالة بريان كاتوليس للعتيبة ويقدم فيها مقترحاته حول الطرق التي يمكن بها التأثير على السياسة الأمريكية لصالح الحكومة المصرية. المصدر: ذي إنترسبت.

يقول الكاتب أنه عمل أيضًا بمؤسسة التقدم الأمريكي من 2009 حتى 2012، ويصفها بأنها مركز بحثي مرتبط بالحزب الديمقراطي ومن ضمن الأكثر انتقادًا لترامب. رغم ذلك كانت نصائح كاتوليس للعتيبة -الذي تعهد بدعم المركز بـ700 ألف دولار مؤخرًا- بعيدة عن موقف الديمقراطيين التقليدي في السياسة الأمريكية تجاه مصر.

فمنذ تولي السيسي السلطة اتخذ الديمقراطيون مسارًا عمليا في العلاقات مع مصر، حيث تشدد على أهمية دور مصر الإقليمي لأمن الولايات المتحدة القومي بينما تنتقد بشكل مستمر نظام السيسي لانتهاكه حقوق الإنسان، ولم يسبق أن دعى الرئيس السابق باراك أوباما السيسي لزيارة البيت الأبيض.

الدفاع عن السيسي ليس وظيفة سهلة

لم يكن الجميع مؤيدين لموقف العتيبة من مصر مثلما كان كاتوليس. يشير التقرير لإليوت آبرامز، وهو موظف سابق في إدارتي ريجان وبوش وهو الآن زميل رفيع في مجلس العلاقات الخارجية. قدم آبرامز شهادته حول مصر في الكونجرس في أبريل (نيسان)، وحاول العتيبة التأثير عليه قبلها حيث أخبره أن «طريقة ترامب في التعامل مع السيسي ناجحة». لكن آبرامز لم يقتنع وقال إن السيسي «أقام مصنعًا للجهاديين» بقمعه للمعارضة.

رسالة إليوت آبرامز للعتيبة بعدما حاول الدفاع عن السيسي، ويخبره بأنه سجن الشباب وعذبهم بينما لم يحرز أي تقدم في سيناء. المصدر: ذي إنترسبت.

أدى العتيبة دوره باعتباره محاميًا للسيسي في رسائله إلى آبرامز، بحسب وصف الكاتب، حيث قال في رسالة بعثها له في يوليو (تموز) 2016 أن الحليف الأمريكي ورئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوجان يجعلان «السيسي يبدو كأنه دمية». لم يهتم آبرامز بالمقارنة ورد عليه قائلًا: «ماذا إذًا؟ هل يفترض أن نصدق أن السيسي لا يمارس ضعف القمع الذي مارسه مبارك؟»، ورد العتيبة بإصرار أن «أردوجان يفعل ما يشاء بسبب الناتو بينما السيسي يهاجمه الجميع». ويقول التقرير أن آبرامز لم يرد كذلك على طلب التعليق على هذه المحادثة.

كان مارتن إنديك ضمن من اختلفوا في الرأي مع العتيبة، وإنديك هو نائب الرئيس التنفيذي لمعهد بروكنجز وعمل في عهد أوباما مبعوثًا خاصًا لمفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية. يقول العتيبة في رسالة كتبها لإنديك في فبراير (شباط) 2016: «يمكنني تقديم حجة قوية تثبت أن المنطقة كما هي اليوم غير صالحة للديمقراطية على طريقة الولايات المتحدة».

يرد إنديك بعد ذلك بأنه أيضًا قادر على إثبات أن «طريقة السيسي مضرة بالمنطقة». لم يقتنع العتيبة وقال: «لست ضد الديمقراطية، لكنني أظن أن الاعتقاد بأنها حل لجميع المشاكل هو اعتقاد ساذج». رد إنديك مازحًا «إذًا فلنعد لعصر الفراعنة!»، فقال العتيبة أن «أيام الفراعنة والملك فاروق كانت أفضل أيام مصر، وكانا نظامين غير ديمقراطيين».

عادت النبرة الجادة لحديث إنديك وقال للعتيبة: «يتطلع الناس للحرية يا يوسف، ويتطلعون كذلك للأمن. أن تحدث التوازن بينهما فهذه صعوبة القيادة، لكن لن تستمر إحداها دون وجود الأخرى». وافقه العتيبة في الرأي لكنه استدرك قائلًا: «لكننا أثبتنا أن القيادة الجيدة تنتج حكمًا وأمنًا جيدين ولا تحتاج وجود الديمقراطية بالضرورة». حاول الكاتب الحصول على تعليق من إنديك، لكنه رفض بحجة طبيعة المحادثة الخاصة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد