يشير إفلات قتلة جمال خاشقجي وسوزان تميم من العقاب إلى سخريتهم من العدالة.

نشر موقع «ميدل إيست آي» البريطاني مقالاً لمحمد فاضل، الأستاذ بكلية الحقوق في جامعة تورنتو الكندية، عن تلاعب النظامين المصري والسعودي بالأنظمة القضائية، وتسخيرها لخدمة مصالح الكبار مستشهدًا بقضيتي مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم التي تعود للعام 2008 وقضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي.

يقول فاضل في مستهل المقال: «من المعروف أن رمضان هو شهر السخاء والكرم، ولكنه كان سخيًا هذا العام بشكل خاص لاثنين من أكثر القتلة سيئي السمعة في العالم العربي: محسن السكري وقتلة جمال خاشقجي».

حقوق إنسان

منذ 8 شهور
«ناشيونال إنترست»: مقتل خاشقجي لا يزال أسوأ كوابيس ابن سلمان

يُعّرِف محمد فاضل محسن السكري بأنه ضابط سابق في جهاز أمن الدولة المصري تحول إلى قاتل محترف استأجره الملياردير المصري وقطب العقارات هشام طلعت مصطفى لقتل عشيقته السابقة المطربة اللبنانية سوزان تميم في دبي عام 2008.

وتم الحكم على السكري ومصطفى في البداية بالإعدام لكن بعد الطعن وإعادة المحاكمة، تم تخفيف العقوبات الصادرة بحقهما إلى السجن مدى الحياة للأول والحكم بالسجن 15 عامًا على الأخير.

وبدوره، مارس الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سلطاته الرئاسية وأصدر عفوا رئاسيًا بحق السكري بمناسبة عيد الفطر أما مصطفى، الذي كان من بين الدائرة الداخلية للحزب الوطني الديمقراطي في مصر وقت حدوث الجريمة، فحصل على المعروف ذاته من السيسي قبل ثلاثة أعوام.

تنازل مرير

يقول الكاتب: ربما يكون الكثير من القراء قد نسوا جريمة مقتل سوزان تميم، إلا أن جريمة القتل الوحشية والوقِحة لجمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول عام 2018، حظيت بتغطية دولية واسعة النطاق وكان لها عواقب بالغة الأثر.

وكانت العديد من التقارير الاستخباراتية والمنظمات الدولية، من بينها الأمم المتحدة، قد ربطت مباشرة بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وجريمة قتل خاشقجي، وخلصت إلى أنه أمر بتنفيذ تلك الجريمة. ولكن خلال شهر رمضان أعلن أبناء خاشقجي أنهم قد عفوا عن قتلة أبيهم؛ الأمر الذي سيكون حاسمًا في إنقاذ حياة القتلة.

يعود فاضل للحديث عن قضية مقتل سوزان تميم، ويشير إلى أنه في عام 2010، وبعد أن ألغت محكمة النقض حكم الإعدام المفروض في البداية على مصطفى والسكري وأمرت بإعادة المحاكمة، وافق آل تميم على إسقاط دعواهم المدنية ضد مصطفى داخل لبنان.

وأفادت تقارير بأن مصطفى دفع مبلغ 750 مليون دولار لعائلة تميم في مقابل التنازل عن دعواهم المقامة ضده. ومع إعادة المحاكمة، تم تخفيف عقوبات مصطفى والسكري إلى الحكم بالسجن لمدة 15 عامًا على الأول والسجن مدى الحياة للأخير. إذن قد حظي كل من السكري ومصطفى بالعفو مرتين؛ الأولى من عائلة الضحية سوزان تميم والثانية من السيسي. 

يعلق الكاتب: لا شك أن العفو صفة حميدة في ظروف معينة، لكن لأن الأقوياء يمكنهم استغلال سلطتهم لانتزاع العفو ممن هم أضعف منهم، فحينها قد يصبح تنازلًا مريرًا ليس إلا كي يفلت الجاني من العقاب. ففي المجتمعات الاستبدادية التي تُنتهك داخلها الحقوق بصورة روتينية، ينبغي أن نتشكك على نحو خاص عندما تمتد الرأفة إلى الأقوياء لارتكابهم انتهاكات ضد الضعفاء. ودون نظام قانوني فعال وقوي يدافع عن حقوق الجميع، ينبغي ألا نتفاجأ عندما نرى الضعفاء وهم يعفون بصورة روتينية عن ظالميهم.

قيم مؤثرة

يعمل القانون على الحد من الميزة الطبيعية للأقوياء من خلال منح الضعفاء الحق في مقاضاة أولئك الذين ينتهكون حقوقهم. وتسعى الشريعة الإسلامية للتوفيق بين قيم العدالة والرحمة والعفو من خلال السماح وحتى تشجيع، أقارب الضحية في قضايا القتل المتعمد للعفو عن القاتل، ولكن يحدث ذلك فقط بعد إعطاء الصلاحية الكاملة للأقارب التي تخولهم استكمال السعي لتحقيق العدالة التامة.

ومع ذلك -يستدرك الكاتب- وحتى في الشريعة الإسلامية، ترجح كفة تحكيم العدالة بحيث لا تسمح لقيم الرحمة والعفو بأن تسود. فبالنسبة للعديد من الفقهاء المسلمين، لا يكون لأقارب الضحية في قضية القتل بدم بارد الحق في العفو عن المتهم كما يمكن أن يفعلوا في قضايا القتل العادية. وليس مستغربًا أن يميّز العديد من الفقهاء المسلمين بين الحالتين؛ فهناك فرق بين شجار يخرج عن السيطرة ويؤدي إلى وفاة الضحية، مقارنةً بالانحراف الذي وصل إليه متهم خطط لجريمته بتفاصيلها البشعة مع سبق الإصرار والترصد، ثم يستدرج ضحيته ويخطط للهرب. وجميع هذه المعطيات كانت حاضرة في جريمتي قتل سوزان تميم وخاشقجي، بحسب الكاتب. 

وأضاف: وكفى به سوءًا في مثل هذه القضايا أن ينجو المذنبون من العقاب ببساطة بسبب مناصبهم، ويصبح الأمر أسوأ بكثير عندما يُستغل القانون لتحقيق غايات غير قانونية. 

وفي قضية مصطفى والسكري، يشير توقيت التسوية مع عائلة سوزان تميم إلى احتمال وجود صلة بينها وبين الأحكام المخففة التي حصلوا عليها عند إعادة المحاكمة، حتى وإن لم تلعب التسوية الخاصة أي دور رسمي. ويمثل إعطاء السيسي للسكري ومصطفى ميزة إضافية من خلال تخفيف العقوبات الصادرة بحقهما، تعزيزًا لفكرة أن الأقوياء في مصر فوق القانون.

اختيار وانتقاء

يتابع المقال: وفي هذه الأثناء، فإن تبرئة قتلة خاشقجي تحت ستار «العفو» تُعد كارثية بشكل أكبر على سيادة القانون في السعودية. وكانت كل من وزارة العدل والمحكمة العليا في السعودية قد ذكرت في مناسبات سابقة أنه في قضايا القتل بدم بارد، يكون العفو عن المذنب غير معتبر من الناحية القانونية. ومع ذلك وفي هذه القضية، تناقِض الحكومة فهمها القديم للقانون الخاص بها لتخليص ولي العهد ورفاقه من المسؤولية الجنائية عن مقتل خاشقجي. 

وهذا يجعل «العفو» هنا يبدو أقرب للأمر الزائف حتى وإن أشارت السلطات السعودية إلى آراء موثوقة داخل المدرسة الحنبلية في الفقه – الذي يتم تطبيقه مذهبًا عامًّا في المملكة – تسمح لأقارب الضحية في قضية القتل بدم بارد بالعفو عن المذنِب. إن الاختيار والانتقاء من بين آراء قانونية مختلفة بطريقة تخدم المصالح الذاتية، لا سيما لصالح القوي وظلم الضعيف، لطالما استُنكِر باعتباره حيلة يستغلها الظالم لتبرير أفعاله. 

ويستشهد الكاتب بما كتبه الفقيه المصري المالكي شهاب الدين القرافي في القرن الثالث عشر:

«ولا ينبغي للمفتي إذا كان في المسألة قولان: أحدهما فيه تشديد، وآخر فيه تخفيف: أن يفتي العامة بالتشديد، والخواص من ولاة الأمور بالتخفيف، وذلك قريب من الفسوق والخيانة في الدين والتلاعب بالمسلمين، ودليل فراغ القلب من تعظيم الله وإجلاله».

ويختم الكاتب مقاله بالقول: تكشف إجراءات العفو الظالمة في مصر والسعودية عن الإفلاس الأخلاقي لهذين النظامين، وتثير السخرية من مزاعمهم حول التجديد و«الوسطية». إضافة إلى أن إساءة استخدام هذين النظامين لمبادئ التسامح والعفو، يسهم في تدمير القيم الأخلاقية اللازمة للحفاظ على أي مجتمع محترم، وهذا أمر لا يمكن التغاضي عنه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد