نشر معهد أبحاث السياسة الخارجية تحليلًا حول الخيارات المتاحة أمام مصر للدفاع عن شرق ليبيا، الذي يضم بنغازي وطبرق ومدنًا أخرى فضلًا عن أهم منابع النفط، بعد أن أعطى برلمان شرق ليبيا الضوء الأخضر للتدخل العسكري المصري للوقوف في وجه هجوم القوات التركية المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني.

وفي مستهل مقاله، ذكر التحليل أنه في أواخر يونيو (حزيران)، وبعدما نجحت حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في عكس مسار المكاسب التي حققها الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر خلال عدة سنوات إلى صالحها في غضون أسابيع، أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تحذيرًا ناريَّا أثناء تفقده لقواته المسلحة (في المنطقة الغربية العسكرية). وحذَّر السيسي الأطراف المعنية من عمل عسكري مصري محتمل في الصراع، الذي يمكن أن يمتد إلى شرق ليبيا، إذا واصلت حكومة الوفاق وتركيا، التي تدعمها، حملتهما العسكرية في ليبيا.

وفي حديثه عن مثل هذا الاحتمال، قال الرئيس المصري: «وإذا اعتقد البعض أنه يستطيع تجاوز الخط، سرت-الجفرة، فهذا بالنسبة لنا خط أحمر». ومن شأن هذه التطورات أن توفر للدولة المصرية «شرعية دولية» للتدخل، بحسب التحليل.

وتمثل منطقة الجفرة المركزية مسارًا حيويًّا في غرب ليبيا، وتضم قاعدة جوية عسكرية ذات قيمة استراتيجية مهمة جدًّا للعمليات العسكرية التي ينفذها الجيش الوطني الليبي ضد حكومة الوفاق الوطني، التي تتخذ من طرابلس العاصمة (غرب ليبيا) مقرًا لها.

وعلى الجانب الآخر، تقع مدينة سرت الساحلية بين طرابلس وبنغازي؛ معقل الجيش الوطني الليبي في الشرق، وهي مفتاح السيطرة على منطقة الهلال النفطي الليبي (تحتوي على 80 في المائة من الثروة النفطية للبلاد)، والتي كانت سببًا في معارك مستمرة بين الحكومتين المتنافستين في البلاد.

عربي

منذ 5 شهور
ما الذي تخسره الإمارات اقتصاديًا بهزيمة حفتر في ليبيا؟

تعاون مصري وتدخل رمزي

وتابع التحليل قائلًا: منذ بداية التدخل التركي في ليبيا عام 2020، تبنَّى السيسي خطابًا قويًّا، وبعث بإشارات عسكرية في شكل تدريبات واسعة النطاق؛ للإشارة إلى استياء القاهرة مما يحدث، وللتحذير من أنه قد يتدخل في ليبيا إذا تقدمت تركيا إلى المنطقة التي تراها القاهرة حيوية بالنسبة لأمنها القومي.

وفي حين دعمت القاهرة الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر بالسلاح والتدريب والغطاء السياسي لأكثر من ست سنوات، مُعلنةً عن مخاوفها التي تتعلق بأمن الحدود ومصالح مكافحة الإرهاب في شرق ليبيا، لعبت القاهرة دورًا ثانويًا مقارنةً بدور دولة الإمارات العربية المتحدة الأكثر صرامةً، والتي كانت الداعم الرئيس للحملة المارقة التي يقودها الجنرال.

ومنذ بداية حملة الجيش الوطني الليبي لاستعادة السيطرة على طرابلس، أفسحت مصر الطريق أمام العمليات الإماراتية والروسية في ليبيا ومدت لها يد العون من خلال السماح باستخدام القواعد الغربية للبلاد ونقل الأسلحة عبر الحدود، لكنها لم تسهم بدورٍ عسكريّ مباشر.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، فإن تراجع مكاسب الجيش الوطني الليبي، والتهديد الناشئ عن منافس جيوسياسي، يتمثل في تركيا، على أعتاب مصر، يمكن أن يضر بمصالح الطاقة الخاصة بالقاهرة في البحر الأبيض المتوسط، ​​ويهدد أمن حدودها بالميليشيات، ما دفع قيادة البلاد إلى وضع حرج قد تضطر فيه إلى التحرك بحسم، بحسب التحليل.

والآن، يبدو أن مصر على استعداد لنشر قواتها في ليبيا على الرغم من أن العملية الفعلية للقيام بذلك، والدور الذي يمكن أن تؤديه هذه القوات على أرض الواقع، لا يزال محل نقاش.

وفي حين أن حدود مصر مع ليبيا قد توفر للبلاد سيناريوهات قليلة نسبيًّا لنشر القوات العسكرية في منطقة برقة الساحلية الشرقية في ليبيا، فإن الوصول إلى منطقة النزاع الغربي في طرابلس الواقعة على مسافة تزيد عن ألف كيلومتر يُعد مهمة صعبة؛ مما يقلل على نحو فعال من مسارات العمل المتاحة أمام القاهرة.

ويعني تحدي وصول القوات العسكرية ونشرها على طول الخط الأحمر بين الجفرة وسرت، والمخاطر المحتملة للتصعيد مع تركيا، أن القاهرة ستسعى إلى تدخل رمزي، حسبما يرجح التحليل.

وفي هذا السيناريو، سيُستخدم نشر القوات العسكرية المصرية في إجبار الأطراف المتحاربة في ليبيا على التفاوض برعاية مصرية؛ بدلًا من الانخراط في أي قتال فعلي. وستُفضِّل مصر أن تترك لحلفائها الإماراتيين والروس- الذين يدعمون الجيش الوطني الليبي- مهمة الدفاع عن سرت والجفرة.

تحديات متعددة

وأضاف التحليل: إذا كانت القاهرة تنوي التحرك نحو منطقة سرت-الجفرة، فسيفرض ذلك تحديات لوجستية وتشغيلية عديدة على الجيش المصري وقواته الجوية، التي يمكن أن تطير إلى مدى جوي قصير نسبيًّا. وسيلعب هذان الفرعان العسكريان على الأرجح الدور الأكثر أهمية في أي انتشار للقوات.

وبدلًا من محاكاة الدور البسيط نسبيًّا الذي تؤديه تركيا (والذي يرجع جزئيًّا إلى قيود الجغرافيا والمسافة أيضًا)، تشير أوضاع التدريبات في مصر إلى أن أي تحرك عسكري نحو جارتها من المحتمل أن يتضمن تشكيلات عسكرية تقليدية جادة، تشمل ألوية مدرعة وأجنحة تكتيكية مقاتلة وسفنًا حربية.

يقول التحليل: يمثل هذا النوع من نشر القوات تحديات متعددة للجيش المصري، وسوف يسبب بعض المشكلات الفريدة من نوعها لفروع معينة من قواته المسلحة. وبالنسبة للجيش، على سبيل المثال، قد تتطلب خطوط الإمداد الطويلة وجود تشكيلات قتالية لجمع المخزون الاحتياطي وحَمْله معهم بدلًا من الاعتماد على عملية إعادة إمداد منتظمة، وذلك نظرًا للمسافة من سرت-الجفرة إلى الحدود، واحتمالية العرقلة الناجمة عن هجمات الطائرات المسلحة التركية بدون طيار.

وسيسمح هذا الوضع بتنفيذ هجمات قصيرة المدى فقط، ولكن ما الحل إذا استُنفدت الإمدادات؟ يقول التحليل: ربما تتعرض القوات البرية المصرية حينئذ لخسارة كبيرة في قواتها، إذا لم تستسلم القوات المعارضة بسرعة في مواجهة القوات المدرعة التقليدية.

Embed from Getty Images

يستدرك التحليل: في الواقع، حتى داخل مناطق الجيش المصري الحدودية، سعت القوات المسلحة المصرية جاهدة للحفاظ على تنفيذ هجمات مستمرة ضد المتمردين المتمركزين في سيناء والجماعات المسلحة الأخرى لأكثر من شهرين متواصلين دون حدوث تأخيرات شديدة في الإمدادات أو حاجة إلى تعزيزها.

وقد تواجه القوات القتالية البرية المصرية تحديات إضافية وخطيرة إذا لم تتمكن القوات الجوية المصرية من توفير الدعم الجوي المستمر والحماية ضد تهديدات الطائرات بدون طيار التي تمتلكها حكومة الوفاق الوطني.

ومع أن مجموعة الطائرات المقاتلة التي تستخدمها القوات الجوية المصرية يمكن أن تصل إلى منطقة سرت-الجفرة، إلا أنها في حقيقة الأمر لا يمكنها القيام بذلك إلا على فترات متقطعة نظرًا للمسافة التي يجب تغطيتها والوقت الذي تستغرقه للوصول إلى هذه المناطق من قواعدها الجوية الغربية.

وتعني هذه العوامل مجتمعة أن الوقت الذي تستطيع فيه طائرات الدعم الجوي التجول والانتظار يمكن أن يكون قصيرًا. وكانت هناك اقتراحات من المراقبين بأن تستخدم القوات الجوية المصرية قواعدَ في ليبيا نفسها، إلا أن معظم هذه المواقع تفتقر إلى البنية التحتية الحديثة لدعم الطائرات المقاتلة المتطورة، وقد يتطلب تزويد تلك الوحدات المتمركزة في ليبيا وتجهيزها على النحو اللازم جهدًا كبيرًا، كما أن العمل في هذه القواعد يفتقر إلى الأمن المتوفر أثناء العمل داخل الحدود المصرية.

والاحتمال الوحيد القابل للتطبيق – بحسب التحليل- هو: استخدام مطار الخادم الذي يديره الإماراتيون، على الرغم من أنه قد يعاني من مشاكل في القدرة على العمل بسبب الاستخدام المكثف من الجانبين الإماراتي والروسي لدعم الجيش الوطني الليبي. وبغض النظر عن هذه المخاوف، يقع المطار على مسافة قريبة من منطقة سرت-الجفرة.

خصمان جيوسياسيان

ولفت الكاتب إلى أن الضربات الجوية المصرية على درنة في ليبيا، دعمًا لحملة الجيش الوطني الليبي في عام 2015، والتقدُّم الأوليّ نحو قاعدة الجفرة الجوية، كانا محدودين دائمًا (إن لم يكونا رمزيين تمامًا)، وهي إحدى تجليات التحديات الجغرافية، وأيضًا نتيجة إحجام مصر عن إنفاق موارد عسكرية ثمينة على هجمات جوية طويلة الأمد.

وكما هو الحال في الضربات السابقة، سترغب القوات الجوية المصرية في تجنب استخدام احتياطياتها من الذخائر الحربية الاستراتيجية المتطورة، والضئيلة نسبيًّا، في ضرب الأهداف الأرضية التابعة لحكومة الوفاق الوطني أو شبكات الدفاع الجوي التركية ما لم يكن ذلك ضروريًّا للغاية.

وقد يقلل هذا أيضًا من أي احتمالات تنفيذ ضربات جوية مصرية عبر منطقة سرت-الجفرة؛ ذلك أن احتمال سقوط الطيارين وصعوبة إطلاق مهام قتالية للاستطلاع والإنقاذ في عمق ليبيا أو أراضي العدو يمثل خطرًا كبيرًا إذ يوقع أضرارًا على مستوى العتاد والسمعة.

وقبالة الساحل الليبي، قد يواجه البحرية المصرية رادعًا يحول دون عملها داخل نطاق نظرائهم الأتراك؛ لتجنب أي مواجهات محتملة. ويمكن لمثل هذا السيناريو تحويل ما كان في المقام الأول معركة بين وكلاء مدعومين من جهات خارجية إلى صراع تقليدي بين خصمين جيوسياسيين.

Embed from Getty Images

وعلى الرغم من إنفاق المليارات على السفن الحربية وتنفيذ القوات البحرية المصرية لعملية برمائية كاملة  في البحر المتوسط، قد تلعب البحرية المصرية دورًا هامشيًّا في أي انتشار للقوات نحو منطقة سرت-الجفرة؛ نظرًا لاستمرار وجود السفن التركية في المياه الليبية منذ بداية تدخلها في ليبيا.

وقد تمنع سيطرة البحرية التركية على مياه غرب ليبيا نظيرتها المصرية من إنشاء شبكة دفاع جوي خاصة بها في البحر، وتعوق قدرتها على ضرب الأهداف البرية عبر سرت، وتجعل العمليات البرمائية أو الهجوم الجوي عن طريق حاملة الطائرات الهليكوبتر من طراز ميسترال محاولات محفوفة بالمخاطر.

أداء ضعيف وكفاءة مشكوك فيها

وأوضح التحليل أنه في حين يُعد الجيش المصري في أحيانٍ كثيرة عملاقًا نائمًا، ويشتهر بقوته في العالم العربي، إلا أن صراعاته في شمال سيناء على مدى السنوات السبع الماضية أثارت المخاوف بشأن أدائه وكفاءته عمومًا.

وعلى الرغم من أن احتمال التدخل في ليبيا يمثل تحديًا مختلفًا تمامًا مقارنةً بالقدرة البسيطة على مكافحة التمرد في سيناء، إلا أنه لا يزال هناك احتمال أن تُكتَشف نقاط الضعف التكتيكية والتشغيلية النظامية الطويلة الأمد في ساحة معركة أخرى.

يستند التحليل في ذلك إلى المشاركات العسكرية الخارجية السابقة التي قامت بها مصر واتسمت بالأداء الضعيف. ففي عام 1991، وصف مسؤولون سابقون الانتشار الكبير الرمزي للجيش المصري في الكويت لدعم القوات المتعددة الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة بأنه انتشار متواضع، وكشف عن ضعفٍ في قدرة البلاد على قيادة وحداتها العسكرية والسيطرة عليها بفاعلية إذا كانت بعيدة عن أرض الوطن.

وعلى المنوال ذاته، تطلبت مشاركة القوات الجوية المصرية مؤخرًا في معارك قتالية في سماء اليمن إرسال طيارين لتلقي تدريبات تكميلية في الإمارات العربية المتحدة بعد أن استُشهد شركاؤهم الخليجيون بسبب عدم الخبرة في عمليات التزود بالوقود جوًّا، وسوء استخدام الذخائر الموجهة، والعمل دون سابق معرفة بوحدات التحكم القتالية الأرضية، ومشاكل المراحل التأسيسية العامة في عمليات التحالف.

وبالنسبة لعديد من القيادات العسكرية المصرية، يظل التدخل الكارثي في ​​الحرب الأهلية في شمال اليمن تجربة تحذيرية أدت إلى إحجام القاهرة عن خوض مغامرات عسكرية خارجية على الرغم من تركيزها على القوة القتالية ونشر القوة على المستوى الإقليمي.

يتابع التحليل: هذا التردد المؤسسي يمثل قيدًا آخر قد يمنع القاهرة فعليًّا من تجاوز حد التدخل الرمزي في ليبيا، بهدف إحداث توازن في القوى أمام تركيا. وكما أوضح السيسي في خطابه في يونيو، فإن أي انتشار للقوات المصرية سيكون هدفه الأساسي هو فرض وقف إطلاق النار بموجب خطة السلام في القاهرة، وليس إحباط أي مكاسب حققها الطرف الآخر على الأرض.

خطوط حمراء

لكن التحليل يرى أن هذا التقييم لا يتناسب مع الرسائل المصرية وأنماط السلوك السابقة، ليس هذا فحسب بل ويرتبط أيضًا ارتباطًا وثيقًا بالقيود العسكرية الخاصة المفروضة على القاهرة والمخاطر الحقيقية المترتبة على التدخل المرهق وطويل الأمد، أو الاحتمال الأكثر إثارة للقلق وهو: التصعيد مع تركيا الذي قد يؤدي في نهاية المطاف إلى مواجهة تقليدية وهزيمة محتملة.

وبالنسبة للنظام المصري الحالي، من الأفضل تجنب أي أعمال قد تؤدي إلى مثل هذه السيناريوهات تمامًا، خوفًا من تشويه الصورة التي نمَّاها النظام محليًّا باعتبار مصر قوة عسكرية، والتي يستمد منها إحساسًا بالشرعية السياسية.

وعمليًّا، يعني هذا أن القاهرة قد تكتفي بتكديس القوات في شرق ليبيا، في حين أن منطقة سرت-الجفرة نفسها محصنة بالتواجد الإماراتي والمرتزقة الروس في حال سَعَت حكومة الوفاق وتركيا إلى تحقيق مزيد من المكاسب.

واختتم التحليل بالقول: ومع ذلك، يجب عدم تجاهل التهديدات المصرية، أو التقليل من شأنها؛ نظرًا لاحتمالية حدوث تصعيد أو سوء التقدير من جانب الأطراف المتنافسة. وبينما كان معلومًا أن القاهرة تُعيد رسم خطوطها الحمراء، وتُعيد تحديد مصالحها في ليبيا، كان التهديد السافر بالتدخل العسكري الذي أطلقه رأس الدولة والطبيعة العلنية لموقفها العسكري يتطلبان بعض مظاهر النصر، والتأكيد على أن مصالح البلاد ليست في خطر، قبل أن يتمكن رئيسها من خفض التصعيد بطريقة تحفظ ماء الوجه.

وإذا لم تتوافر هذه الفرصة من تلقاء نفسها، فقد يكون احتمال وقوع اشتباكات في البحر المتوسط ​​بين مصر وتركيا بمثابة النتيجة الحتمية لقصور ذاتي يجبر هذين العدوين الجيوسياسيين على مواجهة التحديات التي يفرضها كل منهما على الآخر، دون وجود أي مسارات للتراجع مع حفظ ماء الوجه، ودون أن يتخلى كل منهما عن حملته الخاصة.

أبحاث ودراسات

منذ 4 شهور
«مرصد ستانفورد»: كيف تدير الإمارات والسعودية ومصر حملات إلكترونية لتشويه بعض الدول؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد