قال تسيفي بارئيل، محرر الشئون العربية في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، إن هناك خطابًا عامًا جديدًا في مصر فيما يتعلق بإسرائيل. فلم تعد هناك الانتقادات العنيفة التي كانت توجه للسياسات الإسرائيلية، والتي كنا نشهدها في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. ومع ذلك، أشار الكاتب إلى أن هذا الخطاب ربما يكون خادعًا.

وأشار الكاتب في تقرير نشرته الصحيفة، إلى المقالة الأخيرة التي كتبها أحمد قهوجي، الذي يعمل مدرسًا مساعدًا في جامعة الإسكندرية، وطالب دكتوراه في جامعة بواتييه في فرنسا، والتي جاءت تحت عنوان: «1984 المصرية: الحرب على الكلمة».

بحسب الكاتب، تدور مقالة قهوجي الذي يساهم بالكتابة بشكل دوري في موقع «مدى مصر» الذي تعبّر مقالاته عن الخط الفاصل بين المسموح به وغير المسموح به، حول النبرة التي سيطرت على الخطاب العام في مصر منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي السلطة. يسخر قهوجي في مقالته من عبارة «تحيا مصر»، التي أصبحت شعار الحكومة – وكأن هذه الحكومة وحدها هي التي تضمن استمرار مصر في الوجود.

كما يفسر قهوجي عبارة أخرى هي «حقوق الإنسان». ففي إطار النقاش الذي تشرف عليه الحكومة، أصبحت الكلمة مرادفًا للخيانة، لأن منظمات حقوق الإنسان «تدعو إلى» التدخل الدولي والتمويل لإلحاق الضرر ببلادهم – أي الحكومة، بحسب ما رصد الكاتب.

ويرى قهوجي أن «الوطنية» التي تعني الحفاظ على أصول البلاد، ولا سيما أراضيها، لم تكن كذلك عندما قررت الحكومة نقل جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، فقد فاق الولاء للنظام الوطنية الكلاسيكية. اُعتُقِل كل من تظاهر ضد نقل الجزيرتين لتفضيلهم مصالحهم الشخصية على مصلحة البلاد، كما روجت وسائل الإعلام المصرية. كما أعيد تفسير الليبرالية، حتى إن «الليبرالية الحقيقية» باتت تشير إلى النساء اللواتي يقمن بخلع الحجاب. وحصلت ثورة 2011 مؤخرًا على راع جديد، إذ زعمت مقالات أخيرة أن الرئيس المخلوع حسني مبارك أيّد في الأصل المتظاهرين.

قال بارئيل: «ليست الحرب المصرية على حرية التعبير بالأمر الجديد، لكنها تفاقمت خلال سنوات حكم السيسي الأربع. لقد أصبحت حرية التعبير هدفًا استراتيجيًا، كما هو الحال في تركيا، وإلى حد كبير، إسرائيل».

وأضاف الكاتب أن الفارق بين مؤيدي النظام ومعارضيه وسياساته هو الحصول على وضع رسمي في القوانين الجديدة ومشاريع القوانين التي تنتظر الموافقة، مثل حظر نشر المعلومات العسكرية، بما في ذلك الآراء والتحليلات، دون الحصول على موافقة مسبقة من القوات المسلحة.

وفقًا للكاتب، اعتاد الصحفيون المصريون بالفعل على الرقابة الذاتية. لكن حتى وزارة الخارجية واجهت مؤخرًا حدود حرية التعبير: تضمنت الحركة الدبلوماسية الأخيرة قطع بعثة سفراء عاملين بالخارج وإعادتهم مبكرًا للقاهرة، وهم سفراء مصر لدى قبرص وتايلاند والكويت.

فيما تم حرمان خمسة مرشحين لمنصب السفير بسبب شكوك في ولائهم للنظام، أو الاشتباه في انتمائهم لتنظيم الإخوان المسلمين. ووفقًا لتقارير وسائل الإعلام المصرية، انتقد البعض منهم تسليم جزيرتي تيران وصنافير على صفحاتهم الخاصة على موقع فيسبوك، أو قالوا أشياء أزعجت المخابرات المصرية.

ويبدو أن أجهزة الاستخبارات تتولى تدريجيًا السيطرة على وزارة الخارجية – بحسب بارئيل – مؤخرًا، تم تعيين طارق سالم، نائب رئيس جهاز المخابرات العامة، سفيرًا لدى أوغندا، وهو منصب مهم في مصر، حيث تستضيف البلاد بشكل عام محادثات حول تقسيم مياه نهر النيل.

لم يكن هذا هو منصب السفير الوحيد المتوقع أن يشغله أشخاص مقربون من أجهزة الاستخبارات. تريد أجهزة الاستخبارات، التي تعتقد أن وزير الخارجية سامح شكري لا يؤدي مهامه بشكل قوي، أن يعهد إليها مهمة تعيين السفراء المصريين في كل من برلين وواشنطن، وفقًا لما أورده الكاتب.

اقرأ أيضًا: كيف تعمل إسرائيل على منع سقوط نظام السيسي؟

هذا العام، وقّع جهاز المخابرات المصرية عقدين بقيمة تتجاوز مليوني دولار مع شركات علاقات عامة أمريكية لتعزيز مصالح مصر في واشنطن. ومع ذلك، قال الكاتب إنه لم يكن بمقدور السفير المصري ولا شركات العلاقات العامة إقناع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعدم قطع مساعدات بقيمة 95 مليون دولار إلى مصر، وتأجيل تسليم مساعدات أخرى بقيمة 195 مليون دولار، بسبب فشل مصر في ملف حقوق الإنسان وحماية حرية الدين. ورد وزير الخارجية المصري بإلغاء اجتماعه المقرر مع صهر ترامب ومبعوثه جاريد كوشنر الذي التقى الرئيس المصري.

وتابع الكاتب بقوله: «يؤثر الخطاب العام الجديد في مصر على إسرائيل. قبل ست سنوات، عندما اندلعت الاحتجاجات ضد مبارك، كان أحد الاتهامات الرئيسية التي وجهها المتظاهرون للنظام هي أن اتفاقية عام 2004 لبيع الغاز المصري لإسرائيل كانت تشكل خيانة وطنية ومصدرًا للفساد. وطالب المتظاهرون الحكومة بإلغاء الاتفاقية وإدانة المسؤولين عنها – أولًا وقبل كل شيء مبارك».

في عام 2015 برأت المحاكم المصرية مبارك في قضية تصدير الغاز لإسرائيل. هذا العام، صدر حكم أيضًا ببراءة حسين سالم، المساهم الرئيسي في شركة الغاز المصرية التي وقعت على الاتفاق، وفقط بعد أن وافق على سداد أكثر من 5 مليارات جنيه للدولة.

وقال الكاتب إنه على الرغم من أن بيع الغاز إلى إسرائيل أصبح رمزًا للخيانة والفساد المزعومين في مبارك، إلا أن وسائل الإعلام ذكرت هذا الشهر أن مصر على وشك التوقيع على اتفاق جديد مع إسرائيل. ما يثير الاهتمام – بحسب الكاتب – هو أن هذه الاتفاقية لم تواجه بأي احتجاج في مصر، ولم تكشف سوى مواقع المعارضة فقط تفاصيلها. إذا كانت هناك معارضة لصفقة كانت تعتبر خيانة وطنية، فلن يتم التعبير عنها علانية في مصر اليوم.

وذكر الكاتب أن إسرائيل ربما ترى أن هذا التغيير في الخطاب العام في مصر يعكس تحسنًا في العلاقات، وخاصة أن التعاون الدفاعي والتعاون الدبلوماسي قد توسعا بشكل كبير خلال السنوات الثلاث الماضية. سمحت إسرائيل لمصر بنشر قوات في المناطق التي كان من المفترض أن تكون منزوعة السلاح بموجب معاهدة السلام. ووفقًا لتقارير وسائل إعلام عربية، فإن إسرائيل تشارك بنشاط في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سيناء.

كما أشار بارئيل إلى أن الحصار المفروض على قطاع غزة هو مشروع مصري إسرائيلي مشترك، وحتى قرار مصر بتسليم جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية لم يتم إلا بعد الحصول على موافقة إسرائيل. كما أن مشاركة مصر المتزايدة في غزة ودعمها لمحمد دحلان، يتم تنسيقه بشكل كبير مع إسرائيل التي لم تعبر بعد عن أي اعتراضات علنية على الافتتاح المتوقع للحدود بين غزة ومصر.

واختتم الكاتب بقوله: ومع ذلك، فإن وجود هذه العلاقات الرسمية بين حكومتي البلدين لا يعني بالضرورة أن الرأي العام المصري يوافق عليها. وكما كانت لحكومة مبارك علاقات وثيقة مع إسرائيل، فإن هذه العلاقات لم تحل دون وجود انتقادات عنيفة للسياسات الإسرائيلية في الصحافة المصرية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. لكن اليوم، فقد باتت الحكومة تسيطر على النقاش العام. غير أن النغمة السائدة للخطاب العام في مصر بشأن إسرائيل قد تكون خادعة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد