يومًا تلو الآخر تتكشف حقيقة العلاقة العسكرية الوطيدة بين مصر وكوريا الشمالية؛ فبعد الكشف عن توريد كوريا الشمالية أسلحة بشكل منتظم لمصر، يخرج علينا ديكلان والش في تقرير له بصحيفة «نيويورك تايمز» بتأكيد جديد على أن سفارة كوريا الشمالية القاهرة هي نقطة انطلاق الأسلحة إلى أية دولة في المنطقة.

وتحت عنوان: «هل تحتاج إلى صاروخ كوري شمالي؟ توجه إلى سفارتها في القاهرة» قال والش: «إن نصبًا تذكاريًا على هيئة بندقية من طراز AK-47 يقع في جزيرة بقناة السويس، يقف شاهدًا على متانة العلاقات العسكرية بين القاهرة وبيونج يانج، التي بدأت في حرب عام 1973؛ حين أرسلت كوريا الشمالية طيارين للقتال بجانب مصر».

بيد أنه قد جرى الكشف مؤخرًا عن أن مصر وكوريا الشمالية تتعاونان في بيع أسلحة غير قانونية؛ مما أضرّ العلاقات بين واشنطن ونظام السيسي في مصر، قامت على إثرها وزارة الخارجية الأمريكية بتخفيض كبير في المساعدات العسكرية التي تتلقاها القاهرة.

ويؤكد والش أن سفارة بيونج يانج في القاهرة تقوم بدور متجر لبيع الأسلحة في المنطقة. وأنها قد جنت أرباحًا ضخمة من هذا النشاط، على الرغم من خرق ذلك لنظام العقوبات الدولي المفروض على بيونج يانج.

ثم أتى تقرير حديث للأمم المتحدة ليزيد الطين بلة – يضيف والش؛ إذ كشف التقرير أنه جرى اعتراض سفينة كورية شمالية محملة بالأسلحة قبالة سواحل مصر في 2016. وكانت السفينة محملة بآلاف الصواريخ التي تقدر قيمتها بنحو 26 مليون دولار. ويكشف التقرير عن الأسلحة ستذهب إلى المنظمة العربية للتصنيع، وهي المجموعة الرئيسة لتكتل الأسلحة في مصر. ويرأس السيسي اللجنة التي تشرف على المجموعة.

اقرأ أيضًا: «واشنطن بوست»: تفاصيل أكبر شحنة أسلحة من كوريا الشمالية.. ذهبت إلى الجيش المصري!

لكن مصر نفت من قبل أن تكون المستوردة للأسلحة، مؤكدة التزامها بنظام العقوبات الدولية. وقالت دائرة الإعلام الحكومية في الأسبوع الماضي: إن «السلطات المصرية المختصة اتخذت جميع الإجراءات اللازمة فيما يتعلق بالسفينة الكورية الشمالية بشفافية تامة وتحت إشراف مسؤولين في الأمم المتحدة».

وشدد المسؤولون المصريون على أنهم قطعوا علاقاتهم مع كوريا الشمالية، ويراقبون أنشطة الدبلوماسيين الكوريين الشماليين في مصر. وأوضح وزير الخارجية سامح شكري، بعد لقائه مع وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون في القاهرة الشهر الماضي، أن العلاقات مع كوريا الشمالية «تقتصر على التمثيل، وليس هناك تقريبًا أي مجالات تعاون».

لكن هذا التمثيل الدبلوماسي بات مظلة لتجارة الأسلحة بشكل غير قانوني – ينوه والش. فقد قال أندريا بيرجر – المتخصص في ملف كوريا الشمالية في معهد ميدبوري للدراسات الدولية – إن واشنطن تشعر بالقلق من أن كوريا الشمالية ما تزال تورد أجزاءً من الصواريخ الباليستية إلى بلدان عديدة، من بينها مصر.

السفارة في القاهرة

كشفت تقارير للأمم المتحدة أن سفارة كوريا الشمالية في القاهرة منخرطة في مجموعة واسعة من الحروب والمؤامرات في أفريقيا لكسب العملة الصعبة.

تقع أكبر سفارة لكوريا الشمالية في الشرق الأوسط على جزيرة في النيل. وقد عُلقت على جدران السفارة صور لزعيم كوريا الشمالية كيم جونج أون وهو يقف في حديقة، أو يتجول في سوق للأسماك. وعادة ما تكون نوافذها مغلقة، ولا يمكن للمارة رؤية ما في الداخل.

لكن مهام هذه السفارة يتعدى إلى ما هو أبعد من الدبلوماسية – يؤكد والش؛ إذ كشفت تقارير للأمم المتحدة أن السفارة منخرطة في مجموعة واسعة من الحروب والمؤامرات في أفريقيا؛ لكسب العملة الصعبة. ففي جنوب أفريقيا وموزمبيق، تورط دبلوماسيون كوريون شماليون في عمليات الصيد غير المشروع لوحيد القرن. وفي ناميبيا بنى الكوريون الشماليون تماثيل عملاقة ومصنعًا للذخائر. وفي أنجولا قاموا بتدريب الحرس الرئاسي على فنون الدفاع عن النفس.

ويقول مفتشو الأمم المتحدة والمنشقون الكوريون الشماليون: «إن سفارة بيونج يانج في القاهرة أصبحت بازارًا مزدحمًا للمبيعات السرية للصواريخ الكورية الشمالية والمعدات العسكرية ذات السعر المنخفض التي تعود إلى العصر السوفييتي لدول شمال أفريقيا والشرق الأوسط».

ويكشف والش عن أن كوريا الشمالية أنشأت شركات وهمية نفذت عبرها إلى السودان الذي كان يخضع لحظر دولي لبيع صواريخ موجهة بالأقمار الصناعية وفقًا لسجلات الأمم المتحدة. وإلى سوريا قدمت كوريا الشمالية مواد يمكن استخدامها في إنتاج الأسلحة الكيميائية.

اقرأ أيضًا: مصر وكوريا الشمالية والإمارات.. تحالف ينمو وراء الستار

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2016، فُرضت عقوبات دولية على السفير باك تشون إيل، الذي يوصف بأنه وكيل لأكبر شركة أسلحة في كوريا الشمالية، وهي المؤسسة الكورية لتنمية التعدين. أُضيف لاحقًا إلى قائمة الحظر ما لا يقل عن خمسة مسؤولين كوريين شماليين آخرين في مصر – يواصل والش كلامه. كان أحدهم قد سافر إلى الخرطوم في عام 2013 كجزء من صفقة بقيمة 6.8 مليون دولار لبيع 180 صاروخًا إلى السودان.

السفينة

في أغسطس (آب) من عام 2016، أرسل الأمريكيون تحذيرًا إلى مصر بشأن سفينة كورية شمالية محملة بقاذفات صاروخية لدى اقترابها من قناة السويس. وكان الأمريكيون يراقبون السفينة منذ شهور. أوقفت مصر السفينة، وجرى الاستيلاء على أكبر شحنة مهربة منذ فرض العقوبات على كوريا الشمالية في عام 2006؛ لإجبار كيم جونج أون على التخلي عن برنامجه للأسلحة النووية.

خلال الأشهر الثلاثة التالية – يقول والش – اشتعلت حرب دبلوماسية؛ إذ أراد الأمريكيون تفتيش سفينة الشحن المتهالكة وبضائعها غير المشروعة. في حين ضغطت كوريا الشمالية للتفاوض حول إطلاق سراحها.

رفض المصريون تلبية مطالب كلا الطرفين، لكنهم وافقوا على السماح لمفتشى الأمم المتحدة بتفتيش السفينة. لم يكن معروفًا إلى أين ستتجه تلك الشحنة. وقد تم إرسال الطاقم الكوري الشمالي إلى ديارهم؛ مما يعني أن المفتشين لم يتمكنوا من مقابلتهم.

اقرأ أيضًا: كوريا الشمالية تمتلك أقوى بحرية في العالم.. فهل ينبغي الخوف منها؟

لكن صناديق شحنة الصواريخ كانت تحمل اسم «مصنع الصقر للصناعات المتطورة»، الشركة المصرية الرائدة في مجال البحث والتطوير في مجال القذائف، وهي شركة تابعة للهيئة العربية للتصنيع التي تملكها القوات المسلحة المصرية.

رفضت الشركة الرد على أسئلة عبر البريد الإلكتروني حول الشحنة – يستطرد والش. وقالت دائرة الإعلام المصرية: «إن لجنة العقوبات التابعة للأمم المتحدة أشادت بجهود مصر، ووصفت الطريقة التي تعاملت بها مصر مع هذه القضية بأنها نموذج يجب اتباعه في مواقف مماثلة».

تعاون سري في مجال الصواريخ

في عام 2013، اعترضت شحنة تحمل قطع غيار لصواريخ سكود – بي، أثناء شحنها من سفارة كوريا الشمالية في بكين إلى شركة تسيطر عليها القوات المسلحة المصرية.

مثلت الشحنة مثالًا صارخًا على كيفية حصول كوريا الشمالية على العملة الصعبة لتمويل برنامجها النووي من خلال بيع الأسلحة الرخيصة، التي تعود إلى عهد الاتحاد السوفيتي، إلى البلدان التي اعتمدت على تلك الأسلحة خلال الحرب الباردة، وفقًا لمسئولين أمريكيين.

لكنها مثلت أيضًا دليلًا على العلاقة الراسخة بين الجيشين، التي يؤكد المسؤولون الأمريكيون أنها قائمة منذ فترة طويلة، وتركزت على تكنولوجيا الصواريخ الباليستية.

يعود تاريخ التعاون العسكري بين القاهرة وبيونج يانج إلى السبعينات – يقول والش – وكان هدفه تطوير صواريخ سكود السوفيتية، وفقًا لوكيل سابق لدى وكالة المخابرات العسكرية. وفي أواخر التسعينات، شعر المسؤولون الأمريكيون بالقلق من أن مصر تحاول شراء نظام صواريخ نودونج من كوريا الشمالية، الذي يبلغ مداه حوالي 800 ميل.

قال الوكيل، الذي كان يقيم في القاهرة، إنهم طالبوا المصريين بالكف عما يفعلون، مؤكدًا على أن بلاده تمد مصر بكامل احتياجاتها العسكرية، وأن القاهرة لا تحتاج إلى صواريخ بيونج يانج.

ومن غير الواضح ما إذا كانت مصر قد حصلت على الصواريخ أم لا، وعلى الرغم من أن القاهرة أنفقت مليارات الدولارات على مشتريات عسكرية في السنوات الأخيرة، بما في ذلك الطائرات المقاتلة الروسية وحاملات الطائرات الفرنسية والغواصات الألمانية، إلا أنها كانت متكتمة بشكل خاص حول قدراتها الصاروخية الهجومية.

ليست هذه أول شحنة يجري اعتراضها – يضيف والش – ففي عام 2013، اعترضت شحنة تحمل قطع غيار لصواريخ سكود – بي، التي لها مدى أقصر من صواريخ نودونج، أثناء شحنها من سفارة كوريا الشمالية في بكين إلى شركة تسيطر عليها القوات المسلحة المصرية. وزعمت مصر أن مكونات الصواريخ ليست إلا أجزاء لآلات تجهيز الأسماك.

تمتلك هذه الصواريخ القدرة على استهداف عمق إسرائيل من داخل الأراضي المصرية. كما يمكن أن تصل إلى إثيوبيا، التي تواجه مصر نزاعًا متزايدًا معها بسبب سد النهضة.

سياسات التحايل على العقوبات

تمكنت إدارة ترامب من إقناع بعض حلفائها، مثل الفلبين وسنغافورة – من قطع علاقاتها مع كوريا الشمالية، لكن مصر، التي تتلقى 1.3 مليار دولار أمريكي سنويًا من المساعدات الأمريكية، قاومت ضغوط ترامب.

يؤكد والش أن علاقة مصر مع كوريا الشمالية عميقة. ولطالما احتفت بيونج يانج بحسني مبارك قبل الإطاحة به في عام 2011. وساهم الملياردير المصري نجيب ساويرس في بناء شبكة الهاتف المحمول الرئيسة لكوريا الشمالية، واستثمر في أحد البنوك هناك. كما قامت كوريا الشمالية ببناء متحف حرب كبير في القاهرة يزوره كثيرًا تلاميذ المدارس المصرية.

ويقول المحللون: إن مصر لا ترغب في قطع علاقاتها مع كوريا الشمالية؛ لضمان استمرار تدفق أسلحة الحقبة السوفيتية، كما أنها تكره الظهور بمظهر الممتثل للضغوط الأمريكية. ولعلهم ينتظرون أن تخفت حدة الانتقادات في نهاية المطاف، استنادًا إلى التجارب السابقة.

ينقل والش عن اندرو ميلر – من مشروع الديمقراطية في الشرق الأوسط الذي عمل على ملف مصر في وزارة الخارجية الأمريكية – قوله: «يعتقد المصريون أنهم يستطيعون التهرب من العواقب. ويواصلون المراوغة، ومهما كان الثمن الذي سيفرض عليهم، فسيكون قابلًا للتحمل».

تواصل سفارة كوريا الشمالية في القاهرة العمل كالمعتاد مع استلام سفير جديد مهامه. وذكرت وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية، أن السفير ما تونغ هوي كان رئيسًا لجهاز حكومي غير معروف في بيونج يانج يدعى «معهد نزع السلاح والسلام».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد