وصفت مجلة «الإيكونومست» وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي بأنها «هامش في بلد انزلق إلى الديكتاتورية». ويشير التقرير، الذي ترجمه «عربي21»، إلى أن «القضية ضد محمد مرسي، التي مضى عليها ستة أعوام، أخذت منذ وقت طويل منحى يشبه العالم الكابوسي للروائي فرانز كافكا، ففي كل أسبوع كان على الرئيس الأول المنتخب ديمقراطيًّا، الذي أطيح في انقلاب عام 2013، الظهور أمام المحكمة لمواجهة اتهام أو آخر».

وتفيد المجلة بأن «مرسي اتهم بالتجسس وسرقة المواشي والتعذيب، ولم يعد المصريون يهتمون بقضيته، إلا أن عجلة العدالة المصرية المعيبة ظلت مستمرة، ثم توقفت فجأة، فقبل الساعة السادسة مساء في 17 يونيو (حزيران) أعلن التلفزيون الرسمي وفاته نتيجة نوبة قلبية أثناء جلسة المحكمة، وكان عمره 67 عامًا».

ويلفت التقرير إلى أن مرسي ولد في دلتا النيل، وتلقى تعليمه في تخصص الهندسة، وأكمل دراساته العليا في الولايات المتحدة، وعاد إلى مصر عام 1985، وبدأ التدريس في جامعة بمحافظة الشرقية حيث نشأ، وعمل لمدة 15 عامًا أكاديميًّا، وصعد في صفوف جماعة الإخوان المحظورة، التي تسامح معها حسني مبارك، وانتخب في عام 2000 نائبًا في البرلمان، بصفته عضوًا مستقلًا لأن الإخوان لم يسمح لهم بتقديم قائمة من المرشحين، وخدم فترة واحدة.

الرئيس الأسبق محمد مرسي.. 6 سنوات من «وقائع موت مُعلَن»!

وتعلق المجلة قائلة إن «هذا كان أمرًا غير عادي لرجل سيبرز رئيسًا بعد إطاحة مبارك في الربيع العربي عام 2011، وفي الحقيقة لم يكن مرسي الاختيار الأول؛ لأن الجماعة كانت تريد ترشيح نائب المرشد العام خيرت الشاطر، رجل الأعمال الثري والمعروف، لكن الجيش اعترض على ترشيحه بسبب المدة التي قضاها في السجن، وكان مرسي الحل الوسط، وربما لثقة الجماعة فيه».

ويجد التقرير أنه «في الوقت الذي لم يدعم فيه الليبراليون مرسي، وانقسمت أصواتهم حوله، ولم يشاركوه سياسته الإسلامية، لكنه كان الخيار الديمقراطي، وبداية تبتعد عن النظام القديم، وصوت العديدون منهم رغم تحفظاتهم عليه في الجولة الثانية من الانتخابات بينه وبين رئيس الوزراء في عهد مبارك أحمد شفيق، وبعد تأكيد انتصاره كان أول عمل قام به هو مخاطبة الجماهير في ميدان التحرير الذي كان قلب الثورة، وهناك فتح سترته ليظهر للجماهير أنه لا يرتدي قميصًا واقيًا، وأنه من الشعب، وكانت تلك لفتة كان يأمل أن تقربه من شعبه».

وتستدرك المجلة بأن «النوايا الحسنة لم تعمر طويلًا، فمرسي وحلفاؤه لم يسمح لهم بالسيطرة على مصر المتعددة الأحزاب، ومنذ البداية حاول الجيش تقويض سلطته، فيما عملت المخابرات على إطاحته، وأصبحت المحاكم المرتبطة بفترة مبارك المصدر الرئيسي للمعارضة، وقام القضاة بحل البرلمان الذي سيطر فيه الإخوان على الغالبية، وعرقلوا جهود مرسي المتكررة لتحديد موعد جديد للانتخابات، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 أصدر مرسومًا رئاسيًّا لحماية قراراته، ما أدى إلى تظاهرات مضادة له حول القصر الرئاسي، وهاجمهم أنصار الإخوان».

ويشير التقرير إلى أن «هذا المرسوم والعنف الذي تلاه قادا إلى تمزق في العلاقة مع الثوريين الذين ساعدوا في وصوله إلى الرئاسة، وعندما أطاحه الجيش بقيادة وزير الدفاع الذي اختاره بنفسه، عبد الفتاح السيسي، شعر الكثيرون بالفرح لخروجه، وحتى المجزرة التي قتل فيها المئات من أنصار مرسي بعد شهر من الانقلاب، التي تعد غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث، لم تلق سوى نقد صامت».

وتشير المجلة إلى أنه «تم حظر الإخوان مرة أخرى، ولم يتم التسامح مع الجماعة أبدًا، وفقدت هيكليتها المتماسكة، وأصبح قادتها في السجون أو في المنافي في الدوحة أو إسطنبول والعواصم الأوروبية، ولم يعد هناك أي مصدر للمعارضة، وجرى استفتاء في أبريل (نيسان) منح السيسي الذي أصبح رئيسًا الفرصة للبقاء في الحكم حتى 2030، وعندما حاول مهندس اسمه أحمد بدوي الاحتجاج؛ اعتقل على الفور».

ويذهب التقرير إلى أن «وفاة مرسي قد تمنح أعداء السيسي نقطة للتعبئة، وأعلنت وزارة الداخلية عن حالة الاستنفار العام، واعتقلت بعضًا ممن يشتبه بانتمائهم للإخوان المسلمين، فيما لا يوجد ما يشير إلى وجود من سيقود التظاهرات، وإن كان المصريون مستعدين للمخاطرة والانضمام لها».

وتلاحظ المجلة السرعة التي تحرك بها النائب العام، الذي أصدر بعد ثلاث ساعات تقريرًا أكد فيه عدم وجود ما يشير إلى أن مرسي قد تعرض لسوء معاملة، وقال: «لهذا لا داعي لتوجيه اللوم إلى الدولة»، مستدركًا بأن عائلة الرئيس السابق طالما عبرت عن قلقها من حالته الصحية، فقد اعتقل في زنزانة انفرادية في سجن طرة المعروف بظروفه السيئة.

ويورد التقرير نقلًا عن منظمة «هيومن رايتس ووتش»، ومقرها نيويورك، قولها إن الرئيس المصاب بمرض السكري لم يحصل على العناية الصحية المناسبة، وألمح في جلسة للمحكمة إلى محاولات الحرس تسميم طعامه، لافتًا إلى أن النواب في البرلمان البريطاني القلقين على حالته حاولوا زيارته العام الماضي.

وينقل التقرير عن الوزير السابق في حكومة مرسي، عمرو دراج، قوله إن وفاته «تصل إلى درجة جريمة الاغتيال المدعومة من الدولة».

وتقارن المجلة سنوات مرسي الأخيرة التي تتناقض مع الحالة التي يعيشها سلفه مبارك، الرجل الذي أساء حكم مصر لمدة 30 عامًا، مشيرة إلى أن مبارك واجه المحاكمة بعد الثورة لكنه لم يعتقل في سجن طرة، بل كان في سجن عسكري في حي راقٍ بالقاهرة، ومع إلغاء التهم الموجهة ضده كلها فهو يتمتع بتقاعد هادئ.

وتختم «الإيكونومست» تقريرها بالقول: «ربما كان مرسي رئيسًا غير ناجح، لكنه هو الرئيس المنتخب بطريقة ديمقراطية في تاريخ مصر الطويل، وسنواته الأخيرة وحيدًا في السجن هي مقطع تراجيدي أخير في الثورة المصرية، وأمر هامشي في بلد عاش سنوات طويلة تحت حكم الديكتاتورية».

«نيويورك تايمز»: كتاب «في أيدي العسكر»: كيف أفشل ثوار يناير ثورتهم؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد