استعرض الكاتب الصحفي بريت ستيفز، أخطاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في مقال نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، مشيرًا إلى أنها الأخطاء ذاتها التي ارتكبها سلفه محمد حسني مبارك، الذي أطاحته ثورة 25 يناير (كانون الثاني).

يستهل ستيفز مقاله قائلًا: «منذ عدة سنوات، في زيارة للقاهرة، سألت عبد الفتاح السيسي عن أكبر خطأ لحسني مبارك، من وجهة نظره، وأجابني الرئيس السادس لمصر عن سلفه الرابع، الذي حكم كالفرعون لمدة 30 عامًا تقريبًا، قبل أن يُخلع في الأيام الأولى لما سميَّ (على نحو خاطئ) بالربيع العربي: «ظل في السلطة لفترة طويلة».

«أُعيد انتخاب» السيسي – الذي تولى السلطة عقب الانقلاب العسكري في صيف 2013- لفترة رئاسية جديدة بعد حصوله على 97% من أصوات الناخبين، كما أدخل تعديلات على الدستور المصري بحيث تمنحه البقاء في السلطة حتى عام 2030، ويبدو أنه تخيل أنه محبوب.

وأردف الكاتب: «دُعيت يوم الخميس للانضمام إلى مجموعة من حوالي 25 شخصًا لمقابلة السيسي في فندق نيويورك بالاس، حيث كان يقيم خلال زيارته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. عُقد الاجتماع وفقًا لقواعد تشاتام هاوس (قاعدة تستخدم في المناظرات والجدل السياسي، تمنع الكشف عن هوية أو انتماء المشاركين أو نسب المعلومات لأي منهم) وهو ما يمنعني من اقتباس أي شيء قيل- باستثناء إعلان السيسي دعوتي لزيارة مصر لعمل جولة في بعض الأبنية الجديدة، والتي طلب مني ألا أصفها بالقصور، ووافقت».

وفي أثناء حديث السيسي عن القصور التي بناها قال: «أين سأستقبل الرئيس ترامب؟» مشيرًا إلى أنها ما يليق باستضافة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – الذي دعاه بـ«ديكتاتوره المفضل». وصرح بأن تكلفة هذه الأبنية – التي ليست قصورًا- «رمزية» وأن ذوقها يجب أن يكون «مناسبًا».

مصر تتفوق على الجميع.. إليك عدد القصور الرئاسية في أقوى اقتصادات العالم

وبغض النظر عما يفترض أن يطلق على تلك الأبنية، فإن السيسي توسع بشكل ملفت في الإنشاءات برأس مال قيمته 58 مليار دولار، بالإضافة إلى إنشاء 13 مدينة جديدة. وذلك على الرغم من فرضه برنامج تقشف قاسٍ بقيادة صندوق النقد الدولي، يضغط بشدة على المصريين العاديين.

لكن طموحات السيسي – الذي يدعوه الكاتب «رمسيس الثاني»- واجهت مشكلات في التمويل؛ وذلك لأن الإمارات لم تعد حريصة على دفع الفواتير للمدن الجديدة، والتي شبهها الكاتب بمدينة الأقصر الواقعة بصعيد مصر.

واجهت السيسي مشكلات سياسية، وأبرزت الاحتجاجات التي اندلعت في جميع أنحاء البلاد خلال هذا الشهر – بسبب مزاعم مقاول بإساءة السيسي استخدام المال العام- مدى سخط الشعب عن حكم الجنرال السابق.

Embed from Getty Images

ولكن النظام رد بموجة اعتقالات جديدة للآلاف، وكذلك نشر عدد من قوات الشرطة والأمن في ميدان التحرير بالقاهرة؛ مما يؤكد مخاوف السيسي من ملاقاة مصير سلفه مبارك.

ويعتقد الكاتب أن هذا مستبعد إلى الآن، مشيرًا إلى أن المصريين لا يريدون أن ينتهي الأمر ببلادهم كما انتهى بسوريا، أو ليبيا، أو اليمن، إذ أدت الثورة إلى كارثة، كما أن معظم المصريين لا يبدون حريصين على العودة إلى نموذج الديمقراطية الذي تمتعوا به لفترة وجيزة، تحت قيادة الرئيس الراحل محمد مرسي، وهو الرئيس المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، الذي تولى الحكم فترة قصيرة اقتربت من الديكتاتورية قبل إطاحته في انقلاب عسكري بقيادة السيسي. وتوفي مرسي بنوبة قلبية أثناء محاكمته بتهمة التخابر.

أيهم أفضل حالًا.. مصر أم دول الربيع العربي؟

لكن هل يعني ذلك أن سير السيسي على خطى مبارك – ديكتاتورية دون تعصب، وفساد مؤسسي دون نهب مباشر، ودولة أمنية دون قتل جماعي، وتعاون مع الغرب في الشؤون الدولية دون تبني القيم السياسية الغربية- هو أفضل ما يمكن أن تأمله مصر؟

يجيب الكاتب قائلًا: «أعتقد ذلك. لقد أصبحت الديمقراطية دعوة للإسلاميين للتربع على عرش السياسة. ولم تجذب الليبرالية المصرية – التي تعادي السامية في بعض الأحيان- أبدًا دعم الأغلبية السياسية. كما أن السيسي يصر على الحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ومحاربة الإرهابيين عسكريًّا وأيديولوجيًّا».

أما بالنسبة للبدائل الرئيسية الأخرى التي يقدمها القادة العرب السياسيون، فتتخلص في الديكتاتوريات العلمانية في الجزائر، أو الديكتاتوريات العسكرية في السودان، أو الديكتاتوريات العائلية في السعودية، أو الديكتاتوريات الإسلامية على غزة. أما النموذج التونسي – والذي يوصف أحيانًا بأنه قصة نجاح الربيع العربي- فهو على حافة كارثة.

ماذا لو قورنت مصر بتلك النماذج، فهل تبدو سيئة للغاية؟ يجيب الكاتب قائلًا: «ربما تكون أسوأ؛ إذ أهدر السيسي الفرصة التاريخية لضرب مثال على ترك منصبه طواعية، كما فعل نيلسون مانديلا، حتى لو فعل ذلك في سياق انتقال مرتب إلى شخص موثوق به في حزبه (كما حدث في المكسيك في ظل حكم الحزب الثوري المؤسسي، أو في جنوب أفريقيا في ظل حكم حزب المؤتمر الوطني الأفريقي).

كما فقد السيسي فرصته لتقليص الدور الساحق الذي يلعبه الجيش في الاقتصاد المصري على الأقل، وفتح الطريق أمام لاعبين جدد ونزع فتيل مصدر رئيسي للاستياء الشعبي، وقطع كل سبل التواصل مع الليبراليين المصريين والغربيين دون داع، من خلال معاملتهم كأعداء سياسيين، مساويًا إياهم بجماعة الإخوان المسلمين».

والنتيجة هي أنه جعل أي نوع من الإصلاحات التدريجية الفعالة، سواء سياسية، أم اقتصادية، أم أيديولوجية مستحيلة؛ إذ قدم السيسي للمصريين خيارين فقط: إما هو وإما الطوفان. وفي النهاية، يفوز الطوفان حتمًا.

ويضيف الكاتب: «وسواء كان الديكتاتور المفضل أم لا، لن يكون السيسي رهانًا جيدًا للولايات المتحدة على المدى الطويل، وقد ينتهي الأمر بصورة كارثية مثلما انتهى مع شاه إيران الأخير. هذه ليست حجة للإدارة الحالية أو القادمة لاعتزاله. إنها حجة للقول إنه يلزم أن يكون هناك ثمن للدعم الأمريكي، يُدفع بعملة الإصلاح التدريجي السياسي والاقتصادي».

ويختتم الكاتب مقاله قائلًا: «السيسي، من بين الجميع، يجب أن يعلم هذا. فقد قال لي عندما التقينا قبل بضع سنوات في القاهرة: «لسنا آلهة على الأرض». كما أن اهتمامه بحماية نفسه، وعدم الحديث عن مصلحة مصر، يجب أن يدفعه إلى التوقف عن التصرف كفرد».

«واشنطن بوست»: كيف تواطأت إدارة ترامب مع مصر لاعتقال صحافي «نيويورك تايمز»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد