صورة قاتمة لمعدل انتشار فيروس كورونا في مصر تنقلها روث ماكيلسون، مراسلة صحيفة «الجارديان» في القاهرة، عن أخصائيي الأمراض المعدية في جامعة تورنتو الكندية.

كشف بحث أجراه متخصصون في الأمراض المعدية من جامعة تورنتو الكندية، عن أن عدد المصابين بفيروس كورونا المستجد Covid-19 في مصر، من المرجح أن يكون أعلى من الأرقام الرسمية التي أعلنتها الحكومة؛ وهو ما يعني زيادة احتمالية أن يكون السائحون الذين غادروا البلاد خلال الأسابيع الأخيرة قد أصيبوا بالعدوى.   

وأظهرت بيانات الصحة العامة وتقارير إخبارية، أن ما لا يقل عن 97 من الرعايا الأجانب الذين زاروا مصر منذ منتصف فبراير (شباط)، ظهرت عليهم أعراض المرض، أو ثبتت إصابتهم بفيروس كورونا المستجد عند عودتهم إلى أوطانهم. 

عربي

منذ 3 شهور
«هآرتس»: فيروس «كورونا» قد يتحول إلى كارثة بالنسبة لمصر

ولفت التقرير الذي نشرته صحيفة الجارديان البريطانية، وساهم أدهم يوسف في إعداده، إلى أن هؤلاء السائحين أمضوا معظم الوقت على متن البواخر النيلية، التي يعتقد أنها مصدر تفشي المرض في مدينة الأقصر الواقعة جنوبي البلاد، وهي نقطة جذب سياحية شهيرة. 

ويقول المسؤولون المصريون إن 100 مواطن أجنبي ومصري آخرين ثبتت إصابتهم بفيروس كورونا منذ منتصف فبراير (شباط). وهذا العدد يشمل امرأة تبلغ من العمر 60 عامًا، أعلن خبر وفاتها يوم الخميس في مدينة المنصورة بدلتا النيل، على بعد 465 ميلًا من الأقصر.

وجاءت وفاة هذه السيدة، التي كانت أول مواطنة مصرية تموت خلال الوباء الحالي، بعد أسبوعٍ واحد من قيام السلطات بإنزال 45 راكبًا من على متن باخرة أسارا السياحية، وعزلهم لاحقًا في الأقصر. 

وغادر حوالي 82 راكبًا الحجر الصحي الذي كان مفروضًا على متن السفينة، وسافروا إلى أوطانهم بعد أيام قليلة، عقب سفر مسؤولين من وزارة الصحة المصرية إلى الأقصر؛ لفحص 558 شخصًا آخرين، وجاءت نتيجة فحصهم جميعًا سلبية. كما أعيد فحص 27 شخصًا آخرين جرى تشخيص إصابتهم بالفيروس في البداية، وجاءت  نتيجة الفحص الثاني سلبية أيضًا. 

آلاف المصريين العاملين في الخارج يحتشدون لاستخراج شهادة تثبت عدم إصابتهم بفيروس كورونا

وأضافت روث ماكيلسون، مراسلة صحيفة الجارديان في القاهرة، أن السياحة هي حجر الزاوية في الاقتصاد المصري، لذلك أصر المسؤولون على استمرار العمل كالمعتاد، مؤكدين أن المواقع السياحية في الأقصر ما تزال مفتوحة، حتى مع الحظر الذي فرضته الدولة على التجمعات العامة الكبيرة، وإغلاق المدارس.

وأعلن الجيش المصري إجراءات جديدة لمواجهة فيروس «كوفيد 19»، تشمل: الاستعانة بإدارة الحرب الكيميائية للمساعدة في توفير المياه اللازمة لتحضير محاليل التعقيم والتطهير، ونقل جميع المعدات الطبية، ومهمات الوقاية، والمواد الغذائية. 

هل تحرَّكت مصر متأخرًا لاحتواء فيروس كورونا؟

ويستدرك تقرير الجارديان: لكن المراقبين يخشون من أن إجراءات الطوارئ التي اتخذتها مصر ربما تكون بدأت بعد فوات الأوان؛ لأنها جاءت بعد فحوصات محدودة، وتعتيم شديد على إحصائيات الإصابة ومواقع التفشي، والإجراءات القانونية المشهرة في وجه أي شخص ترى السلطات أنه «ينشر أخبارًا أو شائعات كاذبة» حول المرض.

وقال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي: «نعلن كل شيء بشفافية كاملة». لكن روث ماكيلسون نقلت عن مركز السيطرة على الأمراض في تايوان، نفي تصريحاتٍ أدلت بها وزارة الصحة المصرية بأن امرأة تايوانية كانت على متن باخرة Asara  النيلية، هي مصدر الإصابة بالفيروس في الأقصر أواخر شهر فبراير. وقال المركز التايواني إن التحليلات أثبتت أن تلك المواطنة أصيبت بالفيروس في مصر.

تقديرات المختصين الكنديين: 19.310 حالة إصابة بالفيروس في مصر

رسم أخصائيو الأمراض المعدية في جامعة تورنتو، الذين درسوا التفاوت بين معدلات الإصابة الرسمية والمرجحة في أماكن مثل إيران، صورة قاتمة عن الانتشار المحتمل للفيروس في مصر.

واستعان هؤلاء الباحثون الكنديون بمزيج من بيانات الرحلات الجوية، وبيانات المسافرين، ومعدلات الإصابة، ليخلصوا إلى ما يلي: «في ظل التقدير المتحفظ لعدد المصابين بفيروس كورونا المستجد، نظرًا إلى عدم إدراج الحالات المرتبطة والغامضة، نقدِّر حجم تفشي المرض في مصر بـ19.310 حالة».

Embed from Getty Images

 وأضاف أخصائيو الأمراض المعدية الكنديون: «من المرجح أن يكون في مصر عدد كبير من الحالات المصابة بفيروس Covid-19 التي لم يُبلَّغ عنها، وزيادة قدرات عيادات الصحة العامة قد تساعد في تحديد الحالات وإدارتها».

 واستخدم العلماء في بحثهم بيانات تعود إلى أوائل مارس (آذار)، عندما كان عدد حالات الإصابة التي أعلنتها مصر رسميًّا يبلغ ثلاث حالات فقط، مما يعني أن أعداد المصابين أصبحت أعلى الآن على الأرجح، بحسب مراسلة صحيفة الجارديان، التي حاولت التواصل مع خالد مجاهد، المتحدث باسم وزارة الصحة المصرية، لكنها لم تحصل على استجابة بشأن استفساراتها. 

المصريون يفضلون العزلة الذاتية خوفًا من الإجراءات الحكومية

يتابع التقرير: يوجد في مصر عدد كبير من الشباب، مما يعني أن عددًا أقل من الأشخاص ستظهر عليهم أعراض خطيرة لفيروسCovid-19 . ويقول كثيرون في أحاديثهم الخاصة إنهم سيختارون العزلة الذاتية إذا أصيبوا بالفيروس؛ لأنهم لا يرغبون في تسليم أنفسهم للحكومة، التي سبق وأن فرضت الحجر الصحي على أشخاص في منطقة نائية قريبة من الحدود الليبية، واحتجزت الأطباء في الماضي.

ونقلت مراسلة الجارديان عن طبيب يعمل في أحد مستشفيات المطرية، طلب عدم الكشف عن اسمه، قوله: «حتى الآن، تُعد عملية الفحص مركزية للغاية. وتعتمد على سيناريو مفاده: أن الشخص الذي يشتبه في أنه مريض، يتوجه إلى أماكن معينة لإجراء الاختبار».

وبينما نفى طبيبان في الأقصر أن يكونوا قد تغاضوا عن حالات الإصابة بالفيروس، يشير التقرير إلى أن السياح غادروا المدينة، وعادوا إلى أوطانهم، وحينها أبلغوا عن ظهور أعراض المرض التي ظهرت عليهم. 

وقال أحد الأشخاص الذين فحصوا ركاب الباخرة أسارا يوم الجمعة الماضي، واكتفى بتعريف نفسه باسمه الأول «بكري»: «لا توجد دولة في العالم يمكنها إجراء فحوصات لجميع السكان». لكن مراسلة الجارديان تستشهد بما تفعله الدول في مختلف أنحاء العالم، للاستدلال على أن الفحص واسع النطاق ضروري لتحديد ملامح الفيروس شديد العدوى، ومكافحته. 

وأضاف بكري: «هناك أعراض وإرشادات محددة حول عدد الأشخاص الذين يتعين فحصهم». مضيفًا أن تسع بواخر سياحية أخرى خضعت للفحص في السادس من مارس (آذار)، إلى جانب الباخرة أسارا. 

ماذا عن رجال الشرطة المصاحبين للفرق الطبية؟

وتوفي سائح ألماني كان على متن الباخرة السياحية «حابي 5»، بعد يومين فقط من نقله من الأقصر إلى مستشفى في الغردقة. وجرى فحص الركاب الآخرين الذين كانوا يخضعون للعزل على متن الباخرة، وجاءت نتائج الاختبارات سلبية، واستأنفت الرحلة سيرها.

ونقلت الجارديان عن إسلام عسيري، وهو جراح في مستشفى الأقصر الدولي: «لم نشاهد أناسًا يأتون إلى المستشفيات وهم يعانون من الأعراض. لا يبدو المشهد كما هو الحال في الصين، حيث يسقط الناس أرضًا في الشارع».

Embed from Getty Images

ويؤكد الجراح إسلام عسيري أن الإحصائيات الرسمية ذات مصداقية، ويرى أن الصدق فعل وطني. لكنه يستدرك: «ينظر إلى مشاركة المعلومات في بعض الأحيان على أنها فعل سياسي؛ لأنها مرتبطة بالدخل القادم من السياحة. لذلك يلتزم الجميع الحذر، بدءًا من الحكومة، وصولًا إلى كل من يتعامل مع هذا الأمر».

وقال الشربيني، وهو عامل في فندق في الأقصر: إن المسؤولين وصلوا إلى مقر عمله في تمام الساعة السادسة صباح يوم التاسع من مارس (آذار) لإجراء الفحوصات. ويضيف: «دخل أعضاء الفريق الطبي إلى المكان وهم يرتدون أقنعة واقية كاملة، وأخذوا عينات من الدم».

وتابع مستدركًا: «لكنهم كانوا بصحبة رجال شرطة يرتدون ملابس مدنية»؛ مما يعني أن مسؤولي الأمن الذين يتنقلون في كثير من الأحيان حول المدينة ظلوا بدون حماية، حسبما تلفت مراسلة الجارديان في القاهرة. 

هل المنظومة الصحية في مصر مستعدة لمواجهة تداعيات الفيروس؟

يبلغ عدد سكان مصر 100 مليون نسمة، يعيش 95% منهم على 5% تقريبًا من مساحة البلاد، وهو التكدُّس الذي يشكل تحديًا لممارسة  «التباعد الاجتماعي». واتخذت الحكومة خطوات للتعامل مع المشكلة، شملت تقصير أوقات الصلاة، والإعلان عن تمويل بقيمة 5.2 مليار جنيه إسترليني لمكافحة «تداعيات الفيروس». لكن السلطات سعت أيضًا للسيطرة على ما يُقال بشأن الفيروس، حتى مع حظر البلدان المجاورة دخول المواطنين القادمين من مصر.

Embed from Getty Images

وشكك الأطباء والصيادلة، الذين تحدثوا مع الجارديان، في أن نظام الرعاية الصحية العامة في مصر مستعد لمواجهة عواقب انتشار فيروسCovid-19 . ونقلت الصحيفة عن بعض الصيادلة، الذين غالبًا ما يكونون الخيار الأول للعديد من المصريين للحصول على المشورة الطبية، قولهم: إن الكثيرين يخشون من تشخيص إصابتهم بالمرض.

وقال أحد العاملين في القاهرة، رفض الكشف عن اسمه: «رأيت حالتين لشخصين تظهر عليهما أعراض البرد، لكنهما كانا يخشيان أن يقولا إنهما يشكان في احتمالية إصابتهما بفيروس كورونا».

وأضاف: «نظرًا إلى عدم توفير السلطات أي دليل أو معلومات حول ما يجب فعله إذا كنت بالقرب من شخص يعاني من الأعراض، فإن الكثير من الأشخاص يكتفون بتناول جرعات من المضادات الحيوية، وبذلك تستقر حالتهم لبضعة أيام. لكنهم يمرضون مرة أخرى».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد