ما زالت أزمة مصر الاقتصادية تتفاقم يومًا بعد يوم، ليتسع تأثيرها ويشمل المزيد من قطاعات الشعب. نشرت جريدة «نيويورك تايمز» تقريرًا يرصد فيه ديكلان والش الأزمة، في أعقاب ارتفاع سعر الدولار أمام الجنيه المصري، ومدى تأثيرها لا على الفقراء فقط، ولكن على الأغنياء أيضًا.

تحدّث ديكلان مع زياد محمد، طالب التجارة وإدارة الأعمال في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. زياد غير مهتم بالسياسة؛ أمر متوقّع بالنسبة لشاب غنيّ مثله. لكنه يصف صدمته عندما اكتشف أن سيارة المرسيدس التي كان يرغب في شرائها لن تصبح متاحة للبيع قبل 18 شهرًا.

«إنني غير مهتمّ بالسياسة؛ طالما أنّها لا تؤثر في حياتي. لكن هذه مشكلة، وكل شيء يصبح أغلى فأغلى».

العائلات كذلك تصارع لدفع مصاريف أبنائهم في المدارس الخاصة، حيث يجب الدفع باليورو أو الدولار. أشرف عمران، رجل أعمال مصري، تحدّث إلى نيويورك تايمز قائلًا:

«لقد فقد السيسي شعبيته في الطبقة العُليا من المجتمع. لقد أعطانا السيسي قصة جيدة، والناس يريدون تصديقها، لكن يجب أن يلتزم بها، وهو ما لم نرَه».

سخطٌ جماعي

بعد انقلاب عام 2013، كان أبرز داعمي الرئيس عبد الفتاح السيسي من الطبقات الغنيّة. الأغنياء يفضّلون الاستقرار، ويوافقون على سحق الإسلاميين، حتى على حساب الحريات المدنية. لكن ولاءهم يُختبر الآن مع تصاعد أزمة العملة الصعبة بشكل يهدّد رفاهيات حياتهم، وهو ما أدّى إلى تصاعد الأصوات المنتقدة للسيسي.

الآن يستخدم السيسي موارده القليلة المتاحة في دعم الفقراء والموظفين الحكوميين عن طريق رفع قيمة الجنيه المصري. لكن، ورغم أن هذا هو الخيار السياسي المنطقي بالنظر إلى الاحتجاجات التي أطاحت بمبارك في 2011، ما زال الفقراء يعانون من نقص بعض السلع الأساسية، والأغنياء يسخطون بسبب القيود الجديدة على معيشتهم.

إبراهيم عيسى، الصحفي المصري الذي كان من أكبر مؤيدي السيسي وأعلاهم صوتًا، نشر مؤخرًا نقدًا لاذعًا لسياسات السيسي.

«إن الجديد هو معاناة الأغنياء. لا توجد طبقة مجتمعية أو ديموغرافية سعيدة الآن، من الإسكندرية إلى الصعيد. إن السيسي لم يعُد مرضيًا للشعب».

يمضي التقرير إلى قوانين الحكومة الجديدة الصارمة، التي تمنع استخدام بطاقات الائتمان المصرية بالخارج، وتحدّ من عمليات شراء العملة الصعبة، مما أدّى برجال الأعمال إلى اللجوء إلى السوق السوداء التي ارتفع فيها سعر الدولار بنسبة 20% عن الشهر الماضي.

رُغم أن الأغنياء لا يمثلّون إلا كسرًا ضئيلًا من مجموع السكان في مصر، ورغم أنهم يعيشون منعزلين في تجمعاتهم المحيطة بالقاهرة، إلا أن الأعمال التجارية، الكبير منها والصغير، تأثرت بشدة بالأزمة. شركة «جينيرال موتوزر» المصنّعة للسيارات اضطرت إلى وقف الإنتاج في مصنعها في مصر لعجزها عن توفير القطع اللازمة.

أمّا الخطوط الجوّية الأجنبية، فقد هدّدت بتقليص عدد رحلاتها إلى مصر لأن الإجراءات الجديدة تحول دون استرداد الأرباح من مصر، وقد توقفت الخطوط الجوية البريطانية بالفعل عن بيع التذاكر بالجنيه المصري.

عوامل خارجية

يستعرض التقرير تصريحات المسئولين الحكوميين دفاعًا عن السيسي، موجّهين اللوم إلى »العوامل الخارجية». إن السياحة التي هي أحد أهمّ مصادر الدخل القومي المصري ما زالت تُصارع لتلتقط أنفاسها، بعد تلقيها ضربة قوية على إثر سقوط الطائرة الروسية في صحراء سيناء، أواخر أكتوبر «تشرين الأول» من العام الماضي، غالبًا نتيجة قنبلة زُرعت على متنها. انخفض عدد السيّاح في يناير «كانون الثاني» بنسبة 44%، وهو ما كلّف البلاد حوالي 1.3 مليار دولار، طبقًا لوزير السياحة المصري.

أيضًا فإن داعمي مصر من الدول الخليج، مثل السعودية، خفّضوا دعمهم السخي لمصر، والذي يقدّر بحوالي 30 مليار دولارٍ في أول عامين من حكم السيسي. كما أدّى انخفاض أسعار النفط إلى قلة الحوالات التي يرسلها العمّال المصريون بالخارج إلى ذويهم، وأيضًا أثر على معدّل مرور السفن بقناة السويس. جدير بالذكر أن السيسي أنفق 8 مليارات من الدولارات على «قناة السويس الجديدة»، الصيف الماضي.

سخرية لاذعة وانتقادات حادّة

ليست أزمة العملة هي المشكلة الوحيدة التي تواجه السيسي، حيث تتعالى الأصوات المنتقدة لحكومته بسبب انتهاك جهازها الأمني للحريات بشكل ممنهج. ظهر تأثير تلك الانتقادات على السيسي في خطابه الأخير الذي هاجم فيه منتقديه مطالبًا إياهم أن يصمتوا، وموجهًا نصيحته إلى المصريين ألا يستمعوا لأحدٍ سواه.

لم تجلب اللهجة العاطفية التي اتسم بها الخطاب إلا السخرية من السيسي على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عرضه البعض للبيع على عدّة مواقع للتسوق الإلكتروني بعد عرضه بأن يبيع نفسه. وصفه إعلان على موقع eBay بأنه «مارشال عسكري، استعمال خفيف»، ليصل سعره إلى 100 ألف دولار قبل أن ينهي الموقع المزاديات ويحذف الإعلان الساخر. ورغم أن الكثير من منتقدي السيسي يقبعون في السجون، إلا أن الاحتفاء الواسع بهذه الأفعال الساخرة يُشير بوضوح إلى خفوت هالة السيسي بين مؤيديه.

لم يتوقّف الأمر عند هذا الحد، بل اتسّع ليشمل البرامج التليفزيونية التي كان مذيعوها مؤيدين للسيسي وحكمه وحكومته بشكل مطلق، حيث بدأوا في انتقاده على إثر خطابه الأخير. يوسف الحسيني، المذيع بقناة ONTv، أبدى كرهه الواضح للخطاب، حيث بدا السيسي فيه منعزلًا، وغاضبًا، رغم أنّه لم يمكث سوى 20 شهرًا فقط في سدّة الحكم. أضاف الحسيني أيضًا أن الأمر لا يتعلّق بالأزمة الاقتصادية وحدها. زجّ النظام بعدّة أشخاص في السجن بتهمٍ متعلّقة بإزدراء الأديان وخدش الحياء العام، ومَنَعَ منتقدي الحكومة، أمثال الصحفي حسام بهجت، والناشط الحقوقي جمال عيد، من السفر خارج البلاد.

أشار التقرير أيضًا إلى الواقعة التي قتل فيها ضابط شرطة أحد سائقي التاكسي قبل أسبوعين، بعد مشاجرة على «الأجرة». لتندلع تظاهرات غاضبة في الشوارع، في تحدٍ واضح لقانون التظاهر.

مخاوف الانهيار

لكن كثيرًا من المصريين، أغنيائهم وفقرائهم، ما زالوا يدعمون السيسي، باعتباره آخر سدٍ يحول دون سقوط البلاد في منحدر الفوضى التي تعمّ الكثير من البلدان العربية الآن. في مزادٍ للأزياء على ضفاف النيل، دافعت هالة محمود عن الرئيس.

«إن الشعب يحاول إدانة السيسي، كما لو أنه ارتكب جرمًا ما. لكنّه رجلٌ عسكري، ونحن نواجه الكثير من المشاكل في بلادنا».

ربما تستعيد الأجيال القديمة الآن ذكريات التقشّف و«ربط الحزام» في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي. هاني جنينة، الخبير الاقتصادي، قال إن مصر الآن هي محط أنظار الكثير من المستثمرين الأجانب على المدى المتوسط، لكنها لن تشهد تحسنًا في العامين القادمين.

لكن الشباب لا يشاركونهم الصبر. ندى الحلسواني، خريجة الجامعة الأمريكية، قالت بأن عائلتها صوتت للسيسي، لكن الفندق الذي يملكه والدها على ضفاف البحر الأحمر يخلو تقريبًا من النزلاء الآن.

«إنني لا أرى أي تغييرٍ إيجابيٍ يلوح في الأفق».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد