رُغم أنّ 57% من الشعب المصري يعيش في الريف، إلا أنّ الريف يظلّ معزولًا عن المشهد السياسي والمجتمعي. يحلّل ماجد مندور في مقاله بموقع Open Democracy، الأسباب التي أدّت إلى ذلك الانعزال، ليفقد الحِراك زخمًا كبيرًا، وفُرصةً ضيّعتها مركزية الصراع حول القاهرة والمراكز الحضريّة، في ثورة يناير وما تلاها من أحداث.

رُغم أنّ 57% من الشعب المصري يعيش في القرى، إلا أنّ الريف يظلّ معزولًا عن المشهد السياسي والمجتمعي. يحلّل ماجد مندور في مقاله بموقع Open Democracy، الأسباب التي أدّت إلى ذلك الانعزال، ليفقد الحِراك زخمًا كبيرًا، وفُرصةً ضيّعتها مركزية الصراع حول القاهرة والمراكز الحضريّة، في ثورة يناير وما تلاها من أحداث.

أوضاع سيئة

إن أوضاع أغلب الفلّاحين المصريين في تراجع مستمر لعقود طالت، وصل إلى ذروته مع إصدار قانون 96 عام 1992، والذي حلّ محل قانون الإصلاح الزراعي. حرّر القانون أجرة الأراضي الزراعية بعد أن كان لها حدّها الأقصى، وسمح لمالكي الأراضي بطرد المستأجرين فور صدور القانون، ملغيًا حقّهم في تجديد عقود الإيجار بلا نهاية. أدّى هذا إلى «عودة نمط من تملّك الأراضي الزراعية لم تشهده البلاد منذ أيام الملكية؛ فعلى سبيل المثال، تحكّم 0.05% من ملّاك الأراضي في 11% من الأراضي الزراعية. وأثر هذا القانون في مليون بيت ريفيّ، وهو ما يمثّل في ذلك الوقت 10% من تعداد السكّان».

هذا القانون، بالإضافة إلى تغيّر طبيعة الزراعة من الاعتماد على العمالة إلى طرق زراعة مكلّفة تتبع النموذج الأمريكي، ساهم في رفع معدّلات الفقر والعِمالة غير الرسمية، وخفض المستوى المعيشي  في الريف، مقارنة بالمناطق الحضرية.

لكن الريف ظل هادئًا بالمقارنة. صحيحٌ أنّ محاولات متفرّقة للاحتجاج المنظّم قد وقعت، مثل تشكيل اتحاد الفلّاحين المستقل في 2012، لكن لم تخرج حركة ثورية لها مطالِب وطنية شاملة.

احتجاجات هنا وهناك

في 2005، داهمت قوات الشرطة قرية صرد في الدلتا، بهدف القضاء على مقاومة الفلّاحين لمحاولة أصحاب الأراضي طردهم. هرب الرجال تاركين عائلاتهم وراءهم، وتعرّض سكان القرية للضرب والتعذيب. وقعت أحداث مشابهة في مختلف أرجاء الجمهورية، لكن لم تتخّذ أي أبعاد قومية. كان القمع دائمًا محليّ الطابع.

ما السبب وراء تفكّك الاحتجاجات في الريف؟ يمكن أن نعزي هذا إلى الهيكل النخبوي بالريف المصري، وإلى الدور الذي لعبته جماعة الإخوان المسلمين.

يرى مندور أنّه لكي نفهم الهيكل النخبوي لريف مصر، يجب أن نلقي نظرة على قانون الإصلاح الزراعي الناصري وتأثيره على البنية المجتمعية للريف المصري. بوضعه حدًّا أقصى لمساحة الأرض الزراعية المملوكة للفرد والعائلة، وطرح ما زاد عن ذلك الحدّ للبيع في السوق الحرّة، أدّى ذلك إلى نمو طبقة الفلّاحين المتوسطة، التي صارت من أشدّ حلفاء النظام الناصري، وانضم أبناؤها للاتحاد الاشتراكي الوطني، الأب الناصري للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في عهدي السادات ومبارك.

استمرّ ذلك الدعم في عهد مبارك، فقد انضوى الكثير من أبناء هذه الطبقة تحت لواء الحزب الوطني الديمقراطي، ودعموا قانون 96 الذي نقل الثروة إلى الطبقات العليا في السلم الريفي المجتمعي، وأنهى حقوق صغار الفلاحين في استئجار الأرض وسكنها.

حتّى بعد حلّ الحزب الوطني الديمقراطي، نجد أن الأمر لم يتغير في عهد السيسي. فشبكة العلاقات وتوازنات السلطة لم تتغير: النخبة الريفية تحرّك الريف دعمًا للنظام، والنظام يضمن بقاء تلك النخبة “نخبة”.

الإخوان المسلمون

القوّة الوحيدة الأخرى الموازنة في الريف هي جماعة الإخوان. بالأخص في صعيد مصر، تحظى جماعة الإخوان بقاعدة شعبية واسعة ظهرت بوضوح في انتخابات 2012. لكن الإخوان لم يفعلوا بتلك القوّة شيئًا، بل دعموا سياسات تهميش الفلّاحين، فموقفهم من قضية الإصلاح الزراعي متطابقٌ مع موقف النظام ومؤيديه، حيث دعموا قانون 96، والاقتصاد النيوليبرالي. ظهر هذا في برنامج الإخوان السياسي عام 2007 ودعمهم لإجراءات التقشف وخصخصة القطاع العام، كما أكّد محمد حبيب، النائب السابق لمرشد الجماعة.

لهذا حُكم على الحركة الريفية الوطنية بالتفتت. فالنخبة، سواءً دعمت النظام الحاكم أو الإخوان المسلمين، لها موقفٌ ثابت من الإصلاح الزراعي. وبالتالي لن يخرج في مصر من يمثّل الحركة الريفية، ويقودها لتحدّي الأوضاع القائمة ووضع مطالبها في بناء أيديولوجي واضح، مثلما فعل المكسيكي إيمليو زاباتا، في بدايات القرن الماضي.

قِصر نظر

ما يزيد الأمور تعقيدًا، أن الحركة السياسية الحضرية تعاني من قصر النظر. تتبنّى رؤية حضرية خالصة للصراع، غير مهتمّة بمشاكل الريف حيث يعيش أغلب المصريين، وتظلّ مشاكلهم بعيدة عن قلب الصراع، وبالتالي يبتعدون هم عنه. إن قضايا الإصلاح السياسي، وحقوق الإنسان، والقطاع الأمني، مهمّة بالطبع. لكن الحركة الاحتجاجية السياسية يتوجّب عليها إضافة مكوّن مجتمعي ينظر إلى قضايا مثل الإصلاح الزراعي بعين الاهتمام، لتتمكّن من استقطاب الفلاحين كخطوة أساسية في اكتساب كتلتها الحرجة اللازمة لتحويلها إلى حركة وطنية حقيقيّة، وليست مجرّد حركة حضرية ضيّقة الأفق.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد