النوبيون هم أحفاد حضارة أفريقية قديمة، التي كانت ذات يوم إمبراطورية حكمت مصر. وتمتد أراضي النوبة التاريخية على طول نهر النيل لتغطي اليوم المنطقة الجنوبية من مصر وشمال السودان.

تناولت سلمى إسلام في مقال لها على موقع Public Radio International تحليلًا لمشكلة النوبيين في مصر، الذين تظاهروا ضد النظام الحالي بسبب اعتزامه بيع جزء من أراضيهم المتبقية في منطقة فرقند إلى المستثمرين ضمن مشروع استصلاح مليون ونصف مليون فدان.

وقالت سلمى إن نشطاء اعتصموا لمدة أربعة أيام على الطريق الواصل بين مدينة أسوان ومنطقة معبد أبو سمبل الأثري بعد أن عرقلت السلطات تقدمهم نحو المنطقة المعروضة للبيع. وقد دفعت المظاهرات الحكومة إلى استبعاد حوالي 40 ميلًا مربعًا من الأراضي النوبية المخصصة للمشروع في فرقند، بيد أن نزاعهم مع الحكومة لم ينتهِ بعد.

تقول فاطمة إمام – ناشطة حقوقية نوبية – «أعتقد أن الحكومة ماضية في خطط بيع الأرض إلى المستثمرين». ويؤكد محمد عزمي – الرئيس السابق للاتحاد النوبي العام وهو مجموعة حقوقية تروج لحق النوبيين في العودة إلى أراضي أجدادهم – أن هدفهم النهائي هو العودة إلى أراضيهم.

اقرأ أيضًا: الطنطورية المصرية: «ساسة بوست» يستقصي أسرار الجرح النوبي المفتوح في ذكرى التهجير

تشير سلمى إلى أن النوبيين هم أحفاد حضارة أفريقية قديمة، التي كانت ذات يوم إمبراطورية حكمت مصر. وتمتد أراضي النوبة التاريخية على طول نهر النيل لتغطي اليوم المنطقة الجنوبية من مصر وشمال السودان.

ولكن منذ البدء في بناء السدود في أوائل القرن العشرين، شهدت المنطقة موجات من النزوح بسبب الفيضانات التي سببها تشييد السدود. وجاء بناء السد العالي في أسوان ليكون القشة التي قصمت ظهر البعير. وأغرق مخزون بحيرة ناصر ما تبقى من منطقة النوبة في مصر، مما دمر تاريخًا يعود إلى آلاف السنين. ونتيجة لذلك، أُجبر 50 ألف نوبي على ترك منازلهم والانتقال إلى منازل متهالكة في محيط كوم أمبو – 30 ميلاً شمالي أسوان – بعيدًا عن نهر النيل.

وتؤكد سلمى أنه لم يعد يتبقى اليوم من النوبة القديمة سوى شريط رفيع من الأرض بجوار النيل جنوبي أسوان يقع بين السد العالي والحدود مع السودان. لكن العديد من النوبيين – الذين انتقل الكثير منهم للعيش شمال مصر – ما زالوا يحلمون بالعودة، انتقل النوبيون في القرن الماضي للعيش في القاهرة والإسكندرية بحثًا عن عمل. ونتيجة لذلك، وُلد الكثير من الأبناء والأحفاد النوبيين في تلك المدن.

لا يعرف الكثير من الجيل الحالي من النوبيين عن أرض أجدادهم سوى الحكايات التي يقصها عليهم أباؤهم وأجدادهم، وبعض الأغاني من التراث النوبي القديم.

يقارن النوبيون السود – الذين يعانون من العنصرية والتهميش – أنفسهم بسكان الأمريكتين الأصليين. فالهوية النوبية مرتبطة بالأرض والبيئة، وفقًا لما نقله التقرير عن الكاتب النوبي المخضرم حجاج أدول، وهو من مواليد مدينة الإسكندرية.
وينوه التقرير إلى أن النوبيين يخشون اندثار ثقافتهم ولغتهم. فقد أكدت الحكومات المصرية المتعاقبة على أن هوية مصر عربية فقط، مما باعد بين النوبيين وجذورهم. يرى أدول أنه يتعين إعادة النوبيين إلى أرضهم وإلا فقدوا هويتهم.

كان الدستور المصري الذي جرى إعداده في 2014 قد تضمن مادة تلزم الدولة بإعادة النوبيين إلى أراضيهم خلال عشر سنوات، بل وشكلت الحكومة لجنة لإعادة إعمار وتأهيل النوبة حتى تعد قانونًا خاصًا لتنظيم عملية العودة.

ولكن بعد مرور ثلاث سنوات – تضيف سلمى – جرى حل اللجنة، وقد أشارت إحدى أعضاء اللجنة – منال الطيبي – إلى أن الخلافات مع النوبيين الذين انتقلوا إلى شمال مصر هي السبب في فشلها. وقد نقل التقرير عن الطيبي قولها إن هناك قلق من أنه بمجرد استعادة النوبيين ملكية أراضيهم، سيقومون ببيعها إلى غير النوبيين.

الأديب حجاج أدول

ومن أجل حل المشكلة، اقترحت اللجنة إنشاء شركات للبناء والزراعة، وسيتعين على كل من يرغب في بيع أرضه الحصول على موافقتهم أولاً. لكن ذلك أغضب النوبيين في القاهرة والإسكندرية، إذ رأوا أن اللجنة تسلبهم حق حرية التصرف في أراضيهم، وفقًا للطيبي. لكن بعض النوبيين يرون أنه لا حق لهم في تلك الأرض، مثل الفنان كرم مراد، الذي قال إن هذه ليس أرضًا نوبية، بل هي أرض مصرية والنوبيون جزء من مصر.

بيد أن نشطاء نوبيين يتهمون الحكومة بالمماطلة، إذ يقول محمد عزمي إنه يعتقد أن الحكومة لا ترغب في عودة النوبيين، ويتفق معه ناشط آخر بالتأكيد على أن الحكومة لم تكن تعتزم تطبيق المادة 236 من الدستور، وإنما أرادت فقط إسكات النوبيين لبعض الوقت.

تقول سلمى إنه بعد تشكيل اللجنة بشهرين، أصدر الرئيس السيسي مرسومًا أنهى به عملهم. فقد وضع المرسوم الكثير من النوبيين تحت مناطق عسكرية جديدة يُحظر السكن فيها. تبع ذلك مرسوم آخر خصص بموجبه القرى النوبية في منطقة فرقند لمشروع زراعي ضخم، وقد قررت الحكومة بيع جزء من تلك الأرض إلى المستثمرين. ورغم أن الحكومة وعدت باستثناء منطقة فرقند من المشروع، لكن النشطاء يعتقدون أنها لن تلتزم بوعدها.

هناك شعور بالعجز لدى العديد من نشطاء النوبة الذين فشلوا في التعامل مع الحكومة، لذا قرروا نقل المعركة إلى المحاكم الدولية، عبر قيام منظمات المجتمع المدني النوبية بتقديم شكوى رسمية إلى اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ضد مصر بسبب المراسيم الرئاسية.

تشير معدة التقرير إلى أنها سعت للحصول على توضيح من المتحدث باسم رئيس الوزراء شريف إسماعيل حول سبب عدم المضي قدمًا في تنفيذ المادة 236 من الدستور، لكنها لم تحصل على رد بعد. وتفسر معدة التقرير سلوك الحكومة بأنه خوف من سعي النوبيين إلى إنشاء دولة مستقلة. لكن الحملة الشرسة الجارية حاليًا على الحريات في مصر – وهي الأعنف في تاريخ البلاد الحديث – عرضت كافة الحقوق بما فيها حقوق النوبيين إلى الخطر.

ينقل التقرير عن أحد النشطاء قوله «إن الحكومة تتجاهل حقوق الإنسان لكافة السكان. فقد انتهكت حقوق النوبيين مثلما انتهكت حقوق الأقباط، ومثلما انتهكت حقوق البدو». ويرى حجاج أدول أن الدولة فشلت في الالتزام بمعظم بنود الدستور وليس المادة 236 فقط.

وبعد سنوات من الكفاح لاستعادة حقوق النوبيين دون طائل، يبدو أن النشطاء النوبيين مثل أدول والطيبي يتخذان مقاعد المتفرجين. وقد أفسح هذا المجال للنشطاء الشباب – المتأثرين بأحداث الثورة – للسعي مجددًا من أجل قضيتهم.
يقول أحد الباحثين إن هناك شعورًا بالعجز لدى العديد من نشطاء النوبة الذين فشلوا في التعامل مع الحكومة، لذا قرروا نقل المعركة إلى المحاكم الدولية، عبر قيام منظمات المجتمع المدني النوبية بتقديم شكوى رسمية إلى اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ضد مصر بسبب المراسيم الرئاسية.

يختتم التقرير بالقول إن بعض النشطاء يرون الاحتجاجات غير كافية، وأنه يجب مواصلة الضغط على الدولة وتدويل القضية إن لزم الأمر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد