سجل أحداث الأسبوع الماضي القاتم يثبت فشل فكرة السيسي عن القانون ومعركته لفرض النظام.

 

شهدت الأيام القليلة الماضية الكثير من الذعر والدماء في مختلف أنحاء القاهرة وسيناء. النائب العام المصري (هشام بركات) قُتِل في انفجار لسيارة ملغومة, ليتبعه في اليوم التالي انفجاران لسيارتين ملغومتين أودت بحياة السائقين وأحد المارة. فقط لتستيقظ مصر كلها يوم الأربعاء على سلسلة من الأخبار المرعبة عن محاولة مجموعة من المسلحين الموالين لتنظيم داعش الاستيلاء على مدينة مصرية صغيرة في شبه جزيرة سيناء.

 

المجموعة التي كانت تعرف في السابق باسم “أنصار بيت المقدس” وأصبحت تعرف الآن بولاية سيناء شنت هجومًا مروعًا, فاستولت على نقاط تفتيش حول مدينة الشيخ زويد التي تقع إلى الجنوب من العريش ومعبر رفح الحدودي مع قطاع غزة قبل أن يبدأ مقاتلوها معركة للسيطرة على المدينة نفسها. المهاجمون وضعوا عبوات ناسفة على الطرق وبين المنازل لمنع خدمات الطوارئ أو الدعم العسكري من دخول المدينة، واقتحموا منازل المدنيين لإطلاق قذائف آر بي جي وأسلحة أخرى من فوق أسطح المنازل مع فرضهم حصارًا على قسم للشرطة.

استمرت المعركة بين المهاجمين وقوات الجيش المصري حتى المساء واستخدمت فيها القوات الجوية طائرات f16 لقصف مدينة الشيخ زويد بينما حاولت القوات البرية استعادة السيطرة على المدينة. المصادر الأمنية المصرية صرحت لوكالة أسوشيتد برس أن 64 جنديًّا قتلوا في المعركة، مما يجعلها أخطر معارك الجيش المصري منذ حرب 1973 مع إسرائيل.

 

 

“تعرض النائب العام (هشام بركات) لحادث اغتيال بعد استهداف موكبه بقنبلة يوم الاثنين 29 يونيو.”

 

يشهد هذا الأسبوع مرور عامين على عزل الجيش المصري للرئيس السابق محمد مرسي في انقلاب عسكري مدعوم شعبيًّا بغرض فرض النظام. الجنرال عبد الفتاح السيسي الذي وصل للسلطة بعد الانقلاب استطاع الفوز في الانتخابات بنسبة مبهرة بلغت 97% من الأصوات. السيسي أخبر المصريين من البداية أنه سيفرض قبضة حديدية ونظامًا أمنيًّا صارمًا لاستعادة النظام بعد سنوات من الاضطراب شهدتها مصر منذ ثورة 25 يناير 2011. وفي المقابل تنازل المصريون عن قدر من الحريات المدنية آخذ في التزايد.

 

الوقت الحالي يشهد شقوقًا متزايدة في إستراتيجية دولة السيسي الأمنية, ولكن استجابة الحكومة ظلت كما هي بدون تغيير: فرض المزيد من القوانين الجائرة وإلقاء اللوم على جماعة الإخوان المسلمين المحظورة وتنفيذ سياسة الأرض المحروقة في سيناء.

 

“عدم قدرة السيسي على فرض الأمن في سيناء ومصر كلها تنفي العلة الرئيسية لوجود نظامه”, كما يقول شادي حامد، وهو زميل في معهد بروكينغز في واشنطن. “السيسي وصل للسلطة على أساس أنه سيعيد الأمن والاستقرار وهو ما يبدو فاشلًا في تحقيقه بكل المقاييس. مصر الآن أكثر عرضة للهجمات المسلحة عما كانت عليه قبل عامين”.

حامد يلوم السيسي على نظرته الأمنية الضيقة وأساليبه القاسية مما أدى لتفاقم المشاكل التي كانت حكومته قد وعدت بحلها، ويبدو ذلك واضحًا في سيناء. السيسي حاول منذ وصوله للسلطة في 2013 سحق التمرد الجهادي في شمال سيناء باستخدام القوة الغاشمة لدرجة تشريد 1165 أسرة بعد هدم منازلهم لإنشاء منطقة عازلة على طول الحدود مع قطاع غزة.

“لسوء الحظ فإن التأثير السلبي لكثير من خطط الجيش وسياسات الحكومة أكبر على السكان المحليين من المسلحين”, يوضح (زاك جولد) وهو زميل زائر بمعهد دراسات الأمن القومي. “سياسات كثيرة مثل حواجز الطرق وحظر التجول والمنطقة العازلة تزيد من المظالم على السكان المحليين مما يدفعهم إلى التطرف ويجعلهم أقل رغبة في مساعدة الجيش”.

 

يقول (داينال نيسمان) في مقابلة أجراها مع (جولد) و(مهند صبري) في تقرير لمعهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط  “إن الحل الحقيقي يكمن في جعل الأهالي المحليين في صفك, سياسة الأرض المحروقة لن تنجح”. (نيسمان) يصف الهجوم الأخير بمثابة لحظة فاصلة. واضعو التقرير خصصوا المقدمة ليوضحوا أنه حان الوقت لمراجعة إستراتيجية عملية مكافحة الإرهاب ومدى فعاليتها.

الجيش المصري حرص على نشر عدد القتلى من المسلحين في هجوم الأربعاء الذي وصل لمائة قتيل, حتى أنهم ذهبوا لأبعد من ذلك بنشر صور مروعة لجثثهم على الفيسبوك. لكن في الوقت ذاته لم يصدر أي بيان رسمي بأعداد الضحايا من جانب المدنيين مما يشير إلى عدم رغبة الجيش في إظهار أن أرواح المدنيين مرتبطة بشدة بالصراع المشتعل.

 

التقرير أشار أيضًا إلى تزايد معدلات العنف في مصر مدعومًا بأرقام من مشروع تابع للمعهد لمراقبة الوضع الأمني في مصر يقوم على تسجيل الهجمات واستجابة الدولة لها. الأرقام الأولية تشير إلى وقوع 127 هجومًا إرهابيًّا في جميع أنحاء مصر في شهر يونيو, منهم 32 هجومًا في شمال سيناء. عدد الهجمات الإرهابية في شهر يونيو يتناسب مع المعدل الشهري للهجمات في 2015 وهو 118 هجومًا شهريًّا منهم 35 في شمال سيناء.

 

المشكلة ليست في تزايد معدل العنف وحده, ولكن في أن تكتيكات الدولة جعلتها غير مهيأة لمواجهة التحديات الهائلة في شمال سيناء وخارجها. فالحكومة المصرية أسست لحملة قمع عنيفة وممنهجة ضد جماعة الإخوان المسلمين منذ الإطاحة بهم من الحكم في 2013 بداية من تصنيفهم كجماعة إرهابية إلى اعتقال المنتمين لها وإصدار أحكام الإعدام بحقهم بشكل جماعي يصل إلى عدة مئات من أحكام الإعدام في المرة الواحدة. في غضون عامين تحول الإخوان من الحزب الحاكم في مصر إلى عدو الشعب رقم واحد, وذلك في محاولة من النظام لتصوير كل معارضيه كأجزاء من مؤامرة عظمى.

 

الهيئة العامة للاستعلامات في مصر أصدرت بيانًا في نفس اليوم الذي اغتيل فيه (هشام بركات) تتهم فيه الإخوان بشكل قاطع بأنهم وراء ذلك الهجوم وأن ذلك يؤكد منهج الإخوان في اعتماد العنف كوسيلة لخلق حالة من الفوضى. البيان يمضي في ادعائه المشوش ليزعم أن “قانون الجماعة هو نسخة مماثلة من قانون التنظيم الإرهابي داعش الذي هو امتداد لجماعة الإخوان المسلمين والذي تطبقه في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم”.

ولكن الحقيقة أنه ليس هناك دليل على أن معتقدات الإخوان تتوافق مع معتقدات التنظيمات الجهادية مثل داعش. محللون كثيرون مثل (ميشيل دن) وهي باحثة أولى في برنامج كارنيغي للشرق الأوسط يرون أن ذلك الرأي ناجم عن دوافع سياسية وحسابات خاطئة. “اعتدنا أن يكون النهج هو فرق تسد وليس توحيد أعدائك لتهزمهم”، كما تشير (دن) إلى أن الدولة المصرية تعمد للنهج نفسه في التعامل مع كل أطياف المعارضة المصرية, فتضع جماعات معارضة علمانية كحركة 6 أبريل وحتى مجموعات مشجعي الأندية من الأولتراس  تحت عنوان الإرهاب نفسه كما لو كانت المعارضة كلها طيفًا واحدًا.

 

“مهما قال النظام المصري, فإن أحدًا لم يقدم دليلًا واحدًا أن الإخوان وداعش وجهان لعملة واحدة,” يضيف حامد, “الحقيقة أن الأمر مثير للسخرية لأي شخص يعلم ولو أقل القليل عن الإسلام السياسي. داعش ترى أن الإخوان المسلمين مرتدون بدون جدال”.

الجدال بأن تنظيم داعش امتداد للإخوان إنما يضع الأساس لفشل أي إستراتيجية طويلة الأجل. “هذا النظام لا يملك سوى المطرقة ولذلك يبدو له كل شيء كما لو كان مسمارًا”, هكذا يضيف حامد. “الخطوة الأولى في مكافحة الإرهاب هي تعريف الإرهابيين بشكل صحيح, وهو ما لا يستطيع هذا النظام القيام به”.

بعبارة أخرى, إن محاولة مواجهة تمرد جهادي حقيقي في سيناء عن طريق إلقاء اللوم على المنتمين للإسلام السياسي في كل مكان هو مجرد إلهاء عن المشاكل الحقيقية التي تطلب حلولًا أكثر تطورًا وتعقيدًا من ذلك.

 

وتماشيًا مع إستراتيجيتها الراهنة, ردت الحكومة المصرية بقتل تسعة من نواب الإخوان المسلمين السابقين يوم الأربعاء في حملة على شقة بمنطقة 6 أكتوبر في القاهرة, ثم أشارت في بيان لاحق إلى أن المجموعة كانت تخطط لهجمات على الجيش والشرطة والقضاء واﻹعلام. قنوات التليفزيون بثت صورًا لجثثهم وتظهر بجانبها مجموعة من اﻷسلحة في زوايا مهيأة لالتقاط الصور الفوتوغرافية بشكل يثير الريبة.

جماعة الإخوان ردت بالدعوة إلى “التمرد” على الحكومة المصرية، وأصدرت بيانًا قالت فيه إن “اغتيال قادتها هي نقطة التحول التي سيكون لها تداعياتها الخاصة.. عبد الفتاح السيسي يفتح الطريق لمرحلة جديدة لن يكون لأحد خلالها القدرة على السيطرة على غضب  القطاعات المضطهدة من الشعب التي لن ترضى أن يتم قتلها في منازلها ووسط أسرها”.

 

علاوة على ذلك فإن هناك مخاوف من أن العنف الذي تشرعنه الدولة المصرية سيدفع بعض المنتمين للإخوان وخاصة الشباب منهم إلى التخلي عن روح الجماعة المعروفة بخطها غير العنيف. هذا من شأنه أن يؤدي لتضخم في أعداد المنضمين للجماعات الجهادية أو إلى نشأة العديد من الخلايا الصغيرة المنشقة عن جماعة الإخوان.

هذه المخاوف تأتي من جانب بعض قيادات الإخوان بالإضافة إلى مراقبين للمشهد. حامد يقول إن النقاش حول مصطلح “العنف الوقائي أو الدفاعي” أصبح قضية رئيسية داخل الإخوان المسلمين. يضيف حامد أن  فصيلًا من شباب الإخوان يرى أنه “بما أننا سيتم قتلنا على كل حال, سواء التزمنا السلمية أو تخلينا عنها, فلما لا نموت ونحن نقاتل”.

(دُن) ترى محاولات الإخوان للسيطرة على الأعضاء الأصغر عمرًا كجزء من تحول أوسع بين الشباب المصريين, سواءً الإسلاميين منهم أو غير الإسلاميين, في مواجهة حملات القمع. الأمر لن يدفع جميع الشباب نحو التكتيكات العنيفة ولكنه سيخلق جيلًا من الشباب يزداد نفورًا من الحكومة التي تدعي أنها تعمل على حمايتهم والدفاع عن مستقبلهم.

“الشباب هم الذين يتحملون الجانب الأكبر من انتهاكات حقوق الإنسان” كما تقول دُن. “يتم قتلهم واعتقالهم بالآلاف, يتعرضون للتعذيب. العديد من المجموعات المختلفة تحاول الحفاظ على ولاء شبابها في هذا الموقف شديد الصعوبة”.

 

الحكومة المصرية ردت على أحداث العنف بفرض المزيد من القوانين القاسية لمكافحة الإرهاب, فاجتمع مجلس الوزراء المصري بعد ظهر الأربعاء ليقوم بوضع مشروع لقوانين لمكافحة الإرهاب على عجل والتي لم يبق أمام سنها سوى توقيع السيسي.

وفقًا لخبير قانوني, رفض الإفصاح عن اسمه لطبيعة عمله, فإن مشروع القانون الجديد لمكافحة الإرهاب يمنح تعريفات فضفاضة وشديد الغموض للعمل الإرهابي وللإرهابي والجماعة الإرهابية وتمويلهم. بينما يفرض عقوبات تبدأ من السجن عشر سنوات وحتى الإعدام على مجرد الشروع في ارتكاب الجرائم. أي شخص متهم بالتحريض على الإرهاب سيتم محاكمته كما لو كان ارتكب عملًا إرهابيًّا حتى وإن ثبت فشله في إثارة أي فعل. مشروع القانون يتضمن كذلك تهمًا بالتجسس مكتوبة بلهجة مبهمة عقوبتها الإعدام أيضًا.

بالتوازي مع مقترحات مكافحة الإرهاب فقد دفعت الحكومة المصرية وكبار رجال السلطة القضائية لإدخال تعديلات على قانون الإجراءات الجنائية التي من شأنها أن تسرع من وتيرة المحاكمات لتضيف ضغطًا جديدًا باتجاه أحكام الإعدام. السيسي في حديثه للإعلام بعد جنازة بركات وصف تلك الإجراءات “بالعدالة المنجزة”.

الإسراع من وتيرة المحاكمات من الممكن أن يحرم المتهمين من حق الطعن على الأحكام, كما أن التعديلات الأخيرة ستجعل مسألة سماع شهادة الدفاع مسألة اختيارية أمام القاضي.

 

الدولة المصرية تبدو محاصرة في حلقة مفرغة من القمع والهجمات المروعة, الذي يدفعها لاتخاذ تدابير أشد قسوة على عموم الشعب كنوع من أنواع العقاب. هجمات هذا الأسبوع كانت الأكبر من نوعها – فقط حتى المرة القادمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات