يبدو أن «ديكتاتور ترامب المفضل» يسابق عقارب الساعة للزج بمزيد من المعارضين السياسيين في غياهب السجون، فهل تختلف الأمور في عهد بايدن؟

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تقريرًا، أعدته الصحافية ريبيكا كولارد، تناولت فيه ما الذي يمكن أن تفعله إدارة بايدن القادمة مع الانتهاكات التي يرتكبها النظام الحاكم في مصر بشأن حقوق الإنسان؟ متسائلةً ما إذا كانت أمريكا قد باتت متواطئة مع مصر في خرقها للحقوق والحريات بالصمت تارةً وبالتصريحات التي لا تغني ولا تسمن من جوع تارةً أخرى.

استهلت الكاتبة تقريرها بالإشارة إلى ما فعله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في قمة مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى العام الماضي في فرنسا، عندما صاح بصوت عالٍ يكفي لأن يُسْمِع كثيرًا من الحضور متسائلًا أين «ديكتاتوري المفضل؟» بحثًا عن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي قاد انقلابًا عسكريًّا في عام 2013 ضد رئيس البلاد المنتخب ديمقراطيًّا، ليصبح هو نفسه رئيسًا لمصر بعد ذلك.

تغافل أمريكي عن الطغاة وإطراء

تقول الكاتبة إن تعليق ترامب العفوي أصاب قلوبًا مُتْعَبة من حقيقة العلاقة طويلة الأمد بين الولايات المتحدة وحكام مصر المستبدين – وهو التحالف الذي أوصله ترامب إلى مستويات جديدة على الرغم من الديكتاتورية، حتى أنه أصبح في أحيانٍ كثيرة يمتدح السيسي على رؤوس الأشهاد. لكن مع خروج ترامب من السلطة في الولايات المتحدة بعد الهزيمة المدوية التي مُنيَ بها في انتخابات 3 نوفمبر (تشرين الثاني) أمام منافسه جو بايدن، يحاول السيسي استغلال أيام إدارة ترامب الأخيرة لشن حملة قمعية أكثر صرامة ضد المدافعين عن حقوق الإنسان داخل البلاد.

ولفت التقرير إلى أن قوات الأمن المصرية اعتقلت الأسبوع الماضي ثلاثة أعضاء بارزين ينتسبون إلى إحدى أبرز المنظمات الحقوقية في البلاد، «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR)»، والتي لم يتبقَ منها سوى القليل في مصر. ويأتي ذلك بعد أيام قليلة من استضافة المنظمة لعدد من السفراء والدبلوماسيين الغربيين في مكتبها بالقاهرة، وهي الخطوة التي شعر النظام المصري بوضوح أنها قد تؤدي إلى انفلات زمام الأمور من بين يديه.

Embed from Getty Images

وذكرت الكاتبة أن قوات أمن مصرية بملابس مدنية اعتقلت في 15 نوفمبر محمد بشير، المدير الإداري لمنظمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في القاهرة. وبعدها بثلاثة أيام، أُلقِي القبض على كريم عنارة، مدير وحدة العدالة الجنائية في المنظمة، في مطعم على شاطئ البحر في منتجع دهب السياحي في سيناء. وأُدرِج اسم الشخصين إلى إحدى القضايا التي تستمر فيها التحقيقات منذ مدة طويلة في اتهامات تتعلق بالإرهاب وتضم بالفعل عددًا من المعتقلين السياسيين.

وعلَّق جاسر عبد الرازق، المدير التنفيذي للمبادرة، على اعتقال محمد بشير، قائلًا: «إن الاعتقال جاء ردًا مباشرًا من السلطات المصرية على اجتماع المنظمة مع عدد من الدبلوماسيين الأوروبيين والغربيين»، وأعرب عن صدمته من أن تكون «قوات الأمن قد استشعرت الخطورة والتهديد بسبب اللقاء مع بعض السفراء».

اتهامات لا أساس لها وحملات تشهير

وألمحت الكاتبة إلى أن عبد الرازق اعتُقل أيضًا في اليوم التالي. وقد زُج بهم جميعًا حاليًا في سجن طره، وهو سجن سيئ السمعة يقع بالقرب من القاهرة، لينضموا إلى حوالي 60 ألف معتقل سياسي في مصر محتجزين في السجون باتهامات واهية أو ملفقة. وخضع الثلاثة لاستجواب امتد لعدة ساعات، وكان من ضمن الأسئلة التي وُجِّهت إليهم سؤال عن لقائهم بدبلوماسيين غربيين من دول تُعد حليفة لمصر. وصرحت السفارة السويسرية في مصر أن الاجتماع كان بمثابة جلسة إحاطة عن عمل المجتمع المدني في مصر. بينما وصفت منظمة العفو الدولية الحملة على المنظمة بأنها «حملة تشهير»، ورأت أن الاتهامات الموجَّهة إلى المقبوض عليهم لا أساس لها.

ومن جانبهم، يقول المدافعون عن حقوق الإنسان إن الولايات المتحدة وغيرها من دول الغرب غضَّت الطرف كثيرًا عن انتهاكات حقوق الإنسان التي يرتكبها الحاكم المستبدون المقرَّبون منهم في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط، وهو الاتجاه الذي زاد بكثافة في عهد ترامب فقط، ولم يؤدِّ ذلك إلى الثناء على السيسي فحسب، بل أسفر عن تعميق العلاقات مع المملكة العربية السعودية حتى بعد عملية القتل الوحشي في حق جمال خاشقجي، أحد كُتَّاب صحيفة واشنطن بوست، في عام 2018.

ووعد بايدن بملاحقة منتهكي حقوق الإنسان حول العالم، إذ غرَّد في يوليو (تمّوز) بأنه: «لن يكون هناك مزيد من الشيكات على بياض للديكتاتور المفضل لترامب»، ويبدو أن النظام في مصر يرغب في اختبار تعهد بايدن ووضعه على المحك -كما تقول الكاتبة.

هل تدعم أمريكا الديمقراطية في مصر من جديد حقًّا؟

ونوَّهت الكاتبة إلى أن اعتقال السلطات المصرية لأعضاء منظمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أثار إدانات قوية من جانب بعض الأعضاء البارزين في الكونجرس الأمريكي الذين طالبوا بإطلاق سراحهم، وكان من بين هؤلاء الأعضاء السيناتور إليزابيث وارين وبيرني ساندرز. ووصف ساندرز الاعتقالات بأنها «انتهاك واعتداء»، وأضاف: «لا بد أن توضح الإدارة الأمريكية المقبلة لمصر وكل الدول أن الولايات المتحدة ستدعم الديمقراطية من جديد، وليس الاستبداد والديكتاتورية».

Embed from Getty Images

وحتى الآن، التزم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو وغيره من المسؤولين البازين في إدارة ترامب الصمت حيال هذه الاعتقالات. فيما يزور بومبيو حاليًا عددًا من دول الشرق الأوسط.

وأردفت الكاتبة قائلة إن مصر بدأت، مثل دول أخرى في المنطقة، إعادة ضبط علاقتها مع واشنطن ومن غير المرجح أن تكون متسامحة مع تكتيكات الذراع القوية. إذ استأجرت مصر شركة الضغط الأمريكية «براونشتاين هيات فاربر/ Brownstein Hyatt Farber Schreck» بعد أيام قليلة من فوز بايدن مقابل 65 ألف دولار شهريًا، وهو ما يُشير إلى أن مصر قد تكون قلقة من انتهاء ميزة الإفلات والحصانة النسبية من العقاب التي كانت تتمتع بها في عهد ترامب.

وفي هذا الصدد، يرى مايكل وحيد حنا، زميل بارز في مؤسسة «ذا سنشري» أن العلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة ومصر من بقايا حقبة ماضية من عدة نواح. ونشأت هذه العلاقة خلال الحرب الباردة وضعُفت خلال عقود من التدخل السوفييتي في منطقة الشرق الأوسط، وكان الغرض من هذه العلاقة منح واشنطن حصنًا ودودًا داخل إحدى الدول المحورية لحماية مصالحها في المنطقة. وبعد اتفاقيات كامب ديفيد عام 1978 ومعاهدة السلام مع إسرائيل، تدفقت مليارات الدولارات من المعونات العسكرية الأمريكية على مصر وجعلت من القاهرة واحدة من أكبر حلفاء أمريكا الإقليميين.

بيد أن هذه العلاقة بدأت تهتز خلال الربيع العربي. وفي أوائل عام 2011، ومع شن النظام في مصر حملة شرسة ضد المدنيين المتظاهرين، دعا الرئيس الأمريكي آنذاك، باراك أوباما، إلى التغيير السياسي في مصر. ومنذ ذلك الحين، أدَّت الاضطرابات الداخلية والحكم السلطوي المتنامي في مصر إلى وضع ضغوط علنية على العلاقات الأمريكية المصرية. يقول حنا: «إن مصر في الوقت الحالي مجرد دولة مُصدِّرة للإزعاج».

وترى الكاتبة أن المعضلة تتمثل في أن اللهجة الصادرة عن إدارة بايدن القادمة للبيت الأبيض ستكون بلا شك مختلفة عن عهد ترامب، ولكن ليس من الواضح ما إذا كانت واشنطن تمتلك أدوات مهمة وذات مغزى لتقود التغيير الحقيقي في مصر. وسيتولى بايدن الرئاسة الأمريكية وهو محاصر بمجموعة من القضايا الداخلية الشائكة، من بينها جهود ترامب لإلغاء الانتخابات وجائحة فيروس كورونا الشديدة، وهو ما سيؤدي إلى أن كثيرًا من شؤون السياسة الخارجية، ناهيك عن مصر، ستحتل مرتبة أدنى بكثير في الأولويات القصوى التي في انتظار بايدن. ولكن حتى لو أراد بايدن سحب «الشيكات المُوقَّعة على بياض» للسيسي، فليس من الواضح حتى الآن الطريقة التي سيفعل بها ذلك.

أمريكا متورطة بصمتها في الانتهاكات

وأشارت الكاتبة إلى أنه عندما أطاح السيسي محمد مرسي في عام 2013، وهو أول رئيس منتخب ديمقراطيًّا في مصر وبدأ حملته القمعية ضد المعارضين السياسيين، جمَّد أوباما بعض المساعدات الأمريكية المقدَّمة إلى مصر، لكن هذا الأمر بدا أن تأثيره كان ضئيلًا. إذ علَّق حنا قائلًا: «تحدَّت مصر أوباما لترى مدى جدية تهديده بقطع المعونات». وبعد عامين، أعادت الولايات المتحدة المعونات.

وحتى في المناسبات القليلة التي ضغط فيها مسؤولو إدارة ترامب على القاهرة، بدا أن ذلك لم يجْدِ نفعًا. وفي يناير (كانون الثاني)، تُوفي مصطفى قاسم، تاجر قطع غيار سيارات مصري يحمل الجنسية الأمريكية ويبلغ من العمر 54 عامًا، في أحد السجون المصرية بعد ست سنوات قضاها في الحبس من دون تلقي أي رعاية طبية مناسبة وأدَّى ذلك إلى تدهور صحتة حتى وافته المنية. وقد أثار هذه القضية نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس وبومبيو وعدد آخر من أعضاء الكونجرس، إلا أن حتى هذا الضغط الرفيع المستوى لم يردع مصر عن ارتكابها مثل هذه الانتهاكات نظرًا لما تتمتع به من عقود من الإفلات النسبي من العقاب على انتهاكاتها لحقوق الإنسان.

واستشهدت الكاتبة في ختام تقريرها بما قاله مايكل حنا: «من الواضح أن الضغط الدبلوماسي على مصر لا يُجدي نفعًا، وقد حان الوقت للولايات المتحدة لإعادة تقييم علاقاتها مع مصر. ولم يعد السؤال الآن هو كيف يمكننا تحقيق نتائج سياسية أفضل، بل السؤال المطروح إلى أي مدى نريد أن نكون متواطئين في القمع السياسي المصري»؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد