فقدان الغذاء قضية مهمة لمصر، كما هو الحال في معظم أنحاء العالم، إذ تفقد البلاد 40% من إنتاجها من الفواكه والخضروات التي تقدر بـ 30 مليون طن سنويًّا، ويسهم عدم كفاية المناولة والتعبئة والنقل والتبريد في زيادة النفايات.

لكن هذا النزيف لا يشكل العامل الوحيد في تهديد الأمن الغذائي للبلاد، فهناك أيضًا التعدي على الأراضي الزراعية وشح الموارد المائية، والذي تواجهه الحكومات المتعاقبة منذ خمسينات القرن الماضي بخطط لاستصلاح الأراضي الصحراوية باستخدام المياه الجوفية، فهل سينجح مسعاها هذا؟

تناول ملف عدد 27 أبريل (نيسان) الماضي من دورية Nature Outlook قضية الأمن الغذائي، باعتبار الحصول على الغذاء هو حق عالمي، ويعرض العدد التحديات التي يواجهها العالم في العقود المقبلة إذ سيكون هناك حاجة كبيرة إلى تحسينات في كيفية إنتاج وتوزيع واستهلاك المواد الغذائية.

إنتاج أراضي وادي النيل ودلتاه، والتي لا تشكل مساحتها أكثر من 5% من مساحة البلاد، من الأغذية لا يكفي السكان الذي يبلغ عددهم 92 مليون نسمة؛ إذ تستورد مصر القمح أكثر من أي بلد آخر، فهي تستورد 54% من احتياجاتها.

ويتضمن هذا الملف تقريرًا مطولًا عن الأمن الغذائي في مصر من إعداد لويزي سارت، وهي مراسلة حرة في مجالي البيئة والعلوم تعمل من القاهرة، وينشر لها في مواقع ودوريات عديدة مثل Nature Middle East، وMiddle East Institute، ومدى مصر.

وتعد دورية Nature Outlook من الدوريات العلمية العالمية عالية التأثير، وهي تتناول في كل عدد لها موضوعًا ذا أهمية علمية وسريرية واجتماعية، وتعطي صورة شاملة عن الحالة الراهنة للمعرفة وأهم مجالات البحث.

ويشير التقرير الذي حمل عنوان «مصر: مساحة للنمو» إلى إنتاج أراضي وادي النيل ودلتاه، والتي لا تشكل مساحتها أكثر من 5% من مساحة البلاد، من الأغذية الذي لا يكفي السكان، الذي يبلغ عددهم 92 مليون نسمة؛ إذ تستورد مصر القمح أكثر من أي بلد آخر، فهي تستورد 54% من احتياجاتها.

ويرجع التقرير تعرض مصر إلى التقلبات في أسعار السلع العالمية إلى ارتفاع الضرائب، وانخفاض قيمة الجنيه المصري بنسبة 50٪ في 2016، مما جعل 16٪ من السكان يعانون من سوء الحصول على الغذاء، وفقًا لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة.

والوضع أكثر خطورة في المناطق الريفية؛ ففي أجزاء من صعيد مصر، على سبيل المثال، لا تتوفر لدى 39% من السكان إمكانية كافية للحصول على الغذاء. وفي العام الماضي، واجه جميع المصريين نقصًا في المنتجات المستوردة، مثل الأرز والسكر وزيت الطهي.

اقرأ أيضًا: ما هي الشركات التي يمتلكها الجيش في مصر؟ ولماذا يعد الجيش منافسًا «غير نزيه» في مجالات الاقتصاد؟

إصرار حكومي على استصلاح الصحراء

وخلال الخمسة عقود الماضية انخفض نصيب الفرد من الأراضي الزراعية المتاحة بنسبة الثلثين تقريبًا. كما ساهم اندلاع ثورة بالبلاد عام 2011 في تراجع مساحة الأراضي الزراعية التي شهدت عمليات بناء غير قانونية كبيرة، فسكبت طبقات من الأسمنت على الأراضي الزراعية بسبب ضعف قوة تنفيذ القانون بالبلاد، فضلًا عن عوامل أخرى مثل إمدادات المياه غير النظامية، والتلوث، وتدهور جودة التربة، والاحترار العالمي مما يفرض ضغوطًا على مزارع الدلتا.

بينما تحاول الحكومة المصرية التوغل في الصحراء لرسم بقع خضراء، يرى العديد من العلماء أن هذا نهج غير مقنع، وبدلًا من ذلك، ينبغي بذل جهود إضافية لزيادة إنتاجية الأراضي الزراعية المتاحة بالفعل، وتقليل خسائر الأراضي التي يوفرها وادي ودلتا النيل.

ويبرز التقرير مساعي الحكومة منذ تشكيل الجمهورية عام 1953 في تحويل الرمال إلى تربة خصبة، فتم استصلاح حوالي مليون هكتار من الصحراء، مما زاد من مساحة الأراضي الصالحة للزراعة في مصر بنسبة 20-25٪، كما يعتقد الدكتور أيمن أبو حديد، وهو وزير زراعة سابق بالحكومة المصرية، وأستاذًا بجامعة القاهرة، أنه من الممكن استصلاح أكثر من 7 ملايين هكتار إضافيًّا من الصحراء، لكن السؤال هو «هل هناك ما يكفي من المياه؟» بحسب أبو حديد.

اقرأ أيضًا: هذه الشركات تتحكم في إنتاج حاجة العالم من المواد الغذائية

هل تكفي المياه؟

يبلغ متوسط نصيب الفرد من المياه سنويًّا من 340 مترًا مكعبًا إلى 660 مترًا مكعبًا تقريبًا، بحسب معيار الأمم المتحدة لندرة المياه. وبحلول عام 2030 من المتوقع أن يتم تجاوز حاجز الـ 500 متر مكعب، والذي سيجعل البلاد تصنف تحت «ندرة مطلقة».

وسيعتمد مشروع 1.5 مليون فدان، الذي أعلنه الرئيس عبد الفتاح السيسي في ديسمبر 2015، في الغالب على استخراج المياه الجوفية. والهدف النهائي هو تحويل ما يقرب من 4 ملايين فدان من الصحراء الغربية إلى أراضٍ زراعية خصبة. فيما تقع نسبة صغيرة فقط من الأراضي بالقرب من الوادي الذي تروي به مياه النيل. أما الباقي فسوف يستخدم المياه الجوفية، مثل نظام المياه الجوفية النوبية من الحجر الرملي، الذي يعد أحد أكبر طبقات المياه الجوفية الأحفورية في العالم، وتقع تحت الصحراء الغربية، فضلًا عن أجزاء من السودان وتشاد وليبيا.

ووفقًا لتقييم أجراه الاتحاد الأوروبي في عام 2013 من قبل دورية «نيتشر»، فإن 86% من الأراضي الزراعية الجديدة التي تبلغ مساحتها 428,000 هكتار سيتم ريها بالمياه الجوفية من نظام طبقات المياه الجوفية النوبية. ومن المتوقع أن تتطلب الأراضي المستصلحة 4.4 مليار متر مكعب من المياه الجوفية المستخرجة سنويًّا.

إن استدامة ضخ مثل هذا الكم الهائل من المياه للزراعة هي مصدر الكثير من النقاش في مصر. فتعتبر المياه الجوفية من الموارد غير القابلة للتجديد، والبيانات الدقيقة الواردة في التقرير عن كمية المياه قديمة، وقد تختلف بشكل كبير من دراسة إلى أخرى. ويشير جمال صيام، وهو خبير اقتصاد زراعي في جامعة القاهرة، إلى عدم وجود دراسة جدوى مناسبة قبل تنفيذ المشروع.

يبلغ متوسط نصيب الفرد من المياه سنويًّا من 340 مترًا مكعبًا إلى 660 مترًا مكعبًا تقريبًا بحسب معيار الأمم المتحدة لندرة المياه. وبحلول عام 2030 من المتوقع أن يتم تجاوز حاجز الـ 500 متر مكعب، والذي سيجعل البلاد تصنف تحت «ندرة مطلقة».

ويطالب أبو حديد بضمان أن تستمر الاحتياطيات ما لا يقل عن 50 إلى 100 سنة. وبحلول ذلك الوقت، يعتقد أبو حديد أن تكلفة تكنولوجيا تحلية المياه سوف تكون منخفضة بما فيه الكفاية لتحمل الضغط.

وبحسب حسام شوقي، مدير المركز المصري لبحوث تحلية المياه في القاهرة، فإن البلاد تحلي حاليًا 250 ألف متر مكعب من مياه البحر يوميًّا بتكلفة 6 جنيهات مصرية (0.3 دولار أمريكي) لكل متر مكعب. ويقول شوقي: «قبل استخدام المياه المحلاة في الزراعة، يجب أن ينخفض سعر المتر المكعب إلى 1.5 جنيه مصري». ويتوقع شوقي أن يتضاعف إنتاج المياه المحلاة ثلاثة أضعاف خلال السنوات الثلاث المقبلة.

ويقدر ألفار كلوساس، الباحث في إدارة المياه الجوفية في المعهد الدولي لإدارة المياه في القاهرة، أن الري بالمياه الجوفية يكلف عشرة أضعاف الزراعة في الوادي الخصب والدلتا. يجب حفر بعض الآبار بعمق يصل إلى 1000 متر للوصول إلى مياه ذات نوعية جيدة، وهناك حاجة إلى أنظمة الري بالتنقيط والرش لري المحاصيل.

اقرأ أيضًا: مُترجَم: الربيع العربي كان ثورة جياع

استصلاح للتصدير

في المقابل هناك من يرى أن استصلاح الصحراء لن يكون كافيًا لتحسين وضع الأمن الغذائي للشعب المصري، فغالبية الأراضي المستصلحة تُمنح للمستثمرين الكبار الذين يصدرون معظم ما يزرعون إلى الخارج، بحسب داليا جودة، مستشارة في إدارة المياه بالقاهرة.

وسيشمل جزء من مشروع 1.5 مليون فدان بناء الصوب الزراعية على مساحة 42,000 هكتار من الصحراء. وقد وضع محمود مدني رئيس مركز البحوث الزراعية في الجيزة الاقتراح الخاص بالصوب الزراعية. ويقول إن الهدف هو تصدير 70٪ على الأقل من الإنتاج.

وبخلاف جودة، يعتقد مدني أن المشروع سيحسن الأمن الغذائي في مصر، قائلًا: «سيحتاج كل فدان من الصوب الزراعية عاملًا واحدًا. بما يعني عمل 100 ألف عامل يحصلون على راتب جيد بإمكانهم شراء الغذاء من السوق».

أنتج الباحثون في مركز البحوث الزراعية أكثر من 300 صنف جديد وهجين قادرين على تحمل درجات الحرارة المرتفعة وزيادة ملوحة التربة. وقد زادت الأصناف الجديدة من الحبوب بنسبة 55٪، و46٪ للبقوليات، و24٪ للمحاصيل الزيتية، و20% لمحاصيل الرعي.

ويعود التقرير إلى رأي جمال صيام خبير الاقتصاد الزراعي الذي يبدي عدم اقتناعه بعوائد مشروع المليون ونصف فدان على الأمن الغذائي. فلا يمكن تحقيق الأمن الغذائي إلا من خلال المواد الغذائية مثل القمح والحبوب الأخرى، وهو ما يشكك في حدوثه، متوقعًا أن يختار المزارعون الخضراوات التي توفر عائدًا سريعًا على الاستثمار بدلًا من الكفاف.

ينبغي أن تحسن إنتاجية الأراضي الزراعية القائمة – والكلام ما زال لصيام- فقد أنتج الباحثون في مركز البحوث الزراعية أكثر من 300 صنف جديد وهجين قادرين على تحمل درجات الحرارة المرتفعة، وزيادة ملوحة التربة. وقد زادت الأصناف الجديدة من الحبوب بنسبة 55٪، و46٪ للبقوليات، و24٪ للمحاصيل الزيتية، و20٪ لمحاصيل الرعي. غير أن تمويل المركز قد خفض بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، من ما يعادل 1.1 مليون دولار في عام 2015، إلى 170 ألف دولار فقط في العام الماضي.

إصلاح نظام الري

وتأمل الحكومة أيضًا في الحد من هدر المياه إلى أدنى حد ممكن. إذ يُفقد نحو 30% من المياه المخصصة للري عن طريق التسرب، والتسرب من البنية التحتية المتقادمة، وارتفاع معدلات التبخر. ومن بين 55.5 مليار متر مكعب من مياه النيل المخصصة لمصر كل عام (حصة البلاد من الموارد مع السودان)، تستخدم الزراعة 85%، وبالتالي فإن الخسائر هائلة.

ويهدف مشروع تحديث الري على مستوى المزرعة الذي أنشئ في عام 2013 بتمويل من البنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية والحكومة المصرية إلى الحد من فقدان المياه، وزيادة الإنتاج عن طريق استبدال قنوات الري القائمة بالأنابيب البلاستيكية.

يقول رئيس المشروع، محمد سمير أبو سليمان: «حتى الآن، قمنا بتثبيت هذا النظام الجديد للري على مساحة 100 ألف فدان، والهدف هو تغطية ربع مليون فدان بنهاية المشروع»، مضيفًا: «هذا المشروع يهدف إلى زيادة كفاءة استخدام المياه إلى 75%، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من ميزانية المياه لدينا من 8- 10 مليارات متر مكعب سنويًّا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد