بعد أيام من موافقة لجنة فرعية بالبرلمان المصري مبدئيًا على تعديلات دستورية من شأنها أن تسمح للرئيس بالاستمرار في الحكم، تصف رنا علام، المستشارة والمديرة بالشبكة الدولية لعمل المجتمع المدني، في مقال بموقع «لوب لوج» الأمريكي، التعديلات بأنها ما هي إلا محاولة لتوسيع سلطات الرئيس والجيش، متوقعة أن تسهم في زيادة سياسة الإفلات من العقاب والأوتوقراطية، وأن تُصعَّب من تحقيق الديمقراطية والعدالة والحرية.

واستهلت الكاتبة مقالها بالقول: «إن الديكتاتوريات تتعامل مع الدستور بطريقة أقل شأنًا من تلك التي تتعامل بها حتى مع شعوبها، فهي تُعدل نصوصه وفقًا لرغباتها المُتغيرة»، مضيفة «أن المصريين ليسوا غرباء عن تلك الحقيقة».

«كلاكيت 100 مرة».. هكذا أصبح تعديل الدستور «العادة المفضلة» للرؤساء في مصر

وأشارت الكاتبة إلى أنه في الفترة بين عام 1956 والآن حظيت مصر بسبعة دساتير، فضلًا عن العديد من التعديلات التي أُدخلت على كل منها على مدار السنوات. ورأت أن الدستور الأكثر ديمومة هو ذلك الذي وضِّع أثناء فترة الرئيس الأسبق حسني مبارك، لكنها قالت إن التعديلات التي أدخلها على ذلك الدستور في العام 2005 كانت القشة التي قسمت ظهر البعير وإيذانًا ببداية سقوطه.

واعتبرت أن السبب في ذلك هو أن التعديلات التي أدخلها كانت على العملية الانتخابية، والرقابة على السلطة القضائية فضلًا عن إدخال العديد من النصوص المقيدة للمعارضة، لكنها أرتأت أن التعديل الذي كان أكثر ضررًا، حتى إلى يومنا هذا، هو السماح بالمحاكمات العسكرية للمدنيين، إذ إنه التعديل الوحيد الذي استمر لسنوات وظل راسخًا في مواجهة الثورات.

ومن وجهة نظر الكاتبة فالدستور الحالي – الذي أُقر في العام 2014 – «جيد» نظريًا إلا في ما يتعلق بالمحاكمات العسكرية للمدنيين. غير أنها تقول «إن المشكلة تكمن في أن الحكومة وقوات الأمن لا تحترمان مطلقًا أحكام القانون التي تكفل الحماية للمواطنين».

ففي الانتخابات الرئاسية عام 2016، ترشح عبد الفتاح السيسي للانتخابات بالمخالفة للدستور بعدما سجن معارضيه، حتى أنه سجن سامي عنان أحد أقوى قادة الجيش نفوذًا.

ووفق الكاتبة «تستخدم الديكتاتوريات الدساتير فقط حين تلائمها» على سبيل المثال لمحاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية، مشيرة إلى أنه في أقل من عامين خضع أكثر من 7400 مدني لمحاكمات عسكرية.

وفي ما يتعلق بالتعديلات الدستورية الجارية حاليًا في مصر – وهي الثانية التي يجري إدخالها على دستور 2014 – تقول الكاتبة إنها تُواجه باحتجاج كبير من المصريين، ومع ذلك فهو لا يلقى أذنًا صاغية.

وبحسب الكاتبة، فالبرلمان، الذي شكله مجتمع الاستخبارات والمنوط بحماية الشعب والرقابة على الحكومة، أضحى الذراع اليمنى للسيسي، ويتحرك صوب إقرار هذه التعديلات التي تسمح بالأساس للسيسي بالبقاء في سدة الحكم حتى 2034، ليصبح بذلك مد حد الفترة الرئاسية الشغل الشاغل لأغلب المصريين ووسائل الإعلام الدولية كذلك.

وليست المادة المتعلقة بمد فترة الرئاسة هي «الأخطر»، من وجهة نظر الكاتبة، بل تلك المواد المتعلقة بسلطات الرئيس والجيش، وهي أمر يصعب للغاية تغييرها بإعادة كتابة الدستور، وتتعامل الطغمة الحاكمة معها بأعلى درجات الاحترام.

مترجم: هل قد نشهد تحالفًا بين الشيعة والإخوان المسلمين ولماذا؟

وأوردت الكاتبة ست نقاط قالت إنها تعديلات لم يسلط عليها الضوء إلى حد كبير ولا يجري مناقشتها. وتتمثل هذه التعديلات في:

1- تأسيس مجلس أعلى للهيئات القضائية، برئاسة رئيس الجمهورية، مما يضعه فوق طائلة القانون رسيمًا وحرفيًا.

2- أما التغيير الثاني الذي لم يحظ بكثير من النقاش فيتمثل في إعطاء الرئيس الحق في تعيين رئيس المحكمة الدستورية، وأوضحت الكاتبة أنه بغض النظر عن حقيقة أن السيسي عيَّن بكفاءة الرئيس الحالي للمحكمة الدستورية، فالتعديلات الدستورية الجديدة ستجعل ذلك الأمر حقًا مكفولًا بالدستور للرئيسم؛ مما يعني أن السيسي سيكون له أن يختار الشخص الذي ستكون له الكلمة الفاصلة في دستورية القوانين الجديدة التي يسنها هو نفسه.

3- وستمنح التعديلات الدستورية السيسي كذلك الحق في تعيين رؤساء الجهات والهيئات القضائية والنائب العام، وبذلك، تقول الكاتبة، لن تصبح السلطة القضائية «مستقلة» بعد الآن لا رسميًا ولا دستوريًا، لافتة إلى أنه رغم عدم استقلال السلطة القضائية كليًا في العقود الماضية في مصر، ستجعل هذه التعديلات عدم استقلاليتها أمرًا دستوريًا وقانونيًا.

4- ورأت الكاتبة أن التغيير الرابع المثير للقلق يتمثل في تقليص دور مجلس الدولة -وهو الجهاز القضائي التابع للدولة المعني بإعادة النظر في القرارات التي تتخذها السلطة التنفيذية. وتنص التعديلات الجديدة على أن رأي مجلس الدولة لن يكون «إلزاميًا» وأنه لم يعد مسؤولًا عن مراجعة العقود التي تبرمها الحكومة، في حين أن ذلك المجلس هو الذي أعلن أن نقل تبعية جزيرتي تيران وصنافير للسعودية هو أمر غير قانوني. وقالت الكاتبة: «إن مثل ذلك التعديل سيسمح للرئيس بمنح أي أرض أو توقيع أي عقود بغض النظر عن الضرر الذي سيلحقه بمصر وشعبها».

5- ويقع ضمن التغييرات الستة المقلقة إزالة كلمة «مباشر» في نص مادة المحاكمات العسكرية للمدنيين والتي تنص على جواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية في حال حدوث «اعتداء مباشر» على الأفراد العسكريين. ومن شأن ذلك التعديل «الطفيف» أن يوسع بشكل كبير الحقوق الدستورية للجيش ضد المدنيين، بحسب الكاتبة.

6- واعتبرت الكاتبة أن التعديل الأكثر خطورة هو المادة التي تقول إن الجيش هو «حامي الديمقراطية والدستور في مصر»، موضحة أن ذلك بالأساس يجعل انقلابًا عسكريًا في المستقبل «دستوريًا».

مصر نموذجًا.. تعرف إلى مصطلح «المعروض النقدي» وعلاقته بالتضخم

وقالت الكاتبة إن المشكلة الحقيقة في التعديلات تكمن في الصلاحيات الواسعة التي تمنحها للرئيس والجيش، مضيفة أن بإضفاء صبغة الدستورية على الجيش والرئيس يمهد الطريق لمستقبل يكون فيه يزيد فيه كل من الإفلات من العقاب والأوتوقراطية ويشهد توسع في سلطة الجيش. وأشارت إلى أن التقليل من سلطات الجيش كان دومًا معركة خاسرة بالنسبة للمصريين، الذين لم يتمكنوا أبدًا من أخذ ولو جزء ضئيل من سلطة الجيش، رغم أنه كانوا قادرين على إطاحة ديكتاتور حكم 30 عامًا.

وفي ختام مقالها قالت: «إن ضمان الديمقراطية والعدالة والحرية دائًما ما كان مهمة شاقة في مصر. لكن الآن أصبحت مهمة أكثر استحالة».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد