تنغمس واشنطن اليوم في العديد من النقاشات حول مصر، ومستقبلها المتجّه بقوة نحو ترسيخ قبضة الحكم الشمولي. وبين الداعين إلى السعي لخلق مجتمع مصري أكثر انفتاحًا، أو دعم المصريين في مواجهة الحكومة القمعية، وهؤلاء الذين يرون ضرورة دعم مصر ضد الإرهاب أيًا كان شكل الحكم، يرى «جون ألترمان»، نائب رئيس مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالولايات المتّحدة، أنّ هذه ليست الأمور التي يتوجّب النقاش حولها. في ظل العلاقة المصرية الأمريكية المتوترة، فإن الأجدر بالمناقشة هو العواقب التي ستتأتى من فقد العلاقة الوثيقة بين مصر والولايات المتّحدة، وما ينبغي فعله لتخفيف هذه العواقب.

من السوفييت إلى الأمريكيين

يصف «ألترمان» تحوّل المصريين من التحالف مع السوفييت إلى التحالف مع الأمريكيين بأنها «ضربة معلم» استراتيجية كُبرى، وأن معاهدة السلام اتي وُقعت عام 1979 نجحت في تغيير وجه الشرق الأوسط. وعلى مدار 35 عامًا تلت ذلك، توثّقت العلاقات بين الجيشين المصري والأميركي، واتحّدت استخبارات الدولتين في مواجهة الإرهاب، وانتفع الدبلوماسيون الأمريكان من «وزن مصر الثقافي والفكري في الشرق الأوسط»، على حدّ وصفه، كما استثمرت الشركات الأمريكية مليارات الدولارات في مصر.

يُشير «ألترمان» كذلك إلى أن الشرق الأوسط اتّبع خطى مصر في مراحل مختلفة، فعندما بدت الأوضاع ثوريّة في مِصر، اتّخذ الشرق الأوسط طريق الثورة، وعندما انحرفت مصر في اتجاه الإسلام السياسي كان الحال كذلك في بقية دول الشرق الأوسط.

لكن، بعد خمسة أعوام من الاضطرابات، نجِد أن العلاقات المصرية الأمريكية توترت كثيرًا، حيثُ يشتكي المسؤولون المصريون من التدخل الأمريكي في شؤون السياسة المصرية، ويتّهمون إدارة «أوباما» بمحاولة إسقاط مصر، بينما يتهامس المسؤولون بالولايات المتّحدة حول «رعونة» الحكومة المصرية وعدم كفاءتها، كما يقول «ألترمان».

«السيسي» يفقد السيطرة

يرى «ألترمان» أن مُعظم النقاشات السياسية بواشنطن تتمحور حول السيسي، رغم أن الشواهد تُظهر فقدان سيطرته على الحكومة، مع تزايد السخط الشعبي، والانقسامات الداخلية بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. مع تراجُع خطر الإخوان المسلمين؛ ذلك الخطر الذي كان السيسي يصوّر نفسه على أنّه «البطل» و«المنقذ» المحارب له، واستمرار التراجع الاقتصادي، وإدراك قطاع واسع من النخبة المصرية عدم اكتراث «السيسي» ببناء التحالفات، وسعيه لفرض الطاعة بالقوة، بدأت الأصوات المنتقدة تتعالى. وما كان مِن «السيسي» ردًا على ذلك إلا أن ضاعف الإجراءات الأمنية، وأشاع الخوف من الأعداء والمتربّصين.

هذه البيئة الأمنية المُحكمة، كما يقول «ألترمان»، تصعّب الأمر على الولايات المتّحدة. مِصر لم تكن يومًا دولة ليبرالية ديمقراطية، لكن استخدامها لوسائل غير قانونية استثنائية لقمع المعارضة والمجتمع المدني قد خرج عن نِطاق المألوف، وأصبح يؤثر كثيرًا على قطاعٍ من المصريين وثيق العلاقة بالولايات المتّحدة. وقائع الاختفاء، والاغتيالات السياسية والاعتقالات الجماعية ازدادت بشكل غير مسبوق، والمسؤولون المصريون يرون أنّه يجب إطلاق أيديهم في مواجهة الإرهاب، بينما يرى الأمريكان أنّ الأمر يمكن أن يتمّ بقدرٍ أكبر من الذكاء.

من الممكن أيضًا، وفقًا لـ«ألترمان»، أن يُزاح السيسي نفسه من السلطة، من قبل اللاعبين الأساسيين الذين حاول إبعادهم عن المشهد السياسي، ربّما من داخل الجيش نفسه. في حالة وقوع هذا، فمن المُستبعد أن تتحسّن الأوضاع الداخلية، خاصّة وإن تمّ الأمر بانقلاب عسكريّ صريح يُجبِر الحكومة الأمريكية على تطبيق قوانينها التي تمنع دعم الحكومات المتربّعة على الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية.

الفوضى الشاملة

احتمالٌ آخر، هو أن تسقُط مصر في هوّة الفوضى الشاملة، التي رأينا بعض ملامحها في سيناء، حين عجزت مصر عن حماية قوات حفظ السلام الدولية المُتمركزة هناك، مما أدى إلى قرار بمراجعة أماكن تمركزها. ربّما لا تُهدّد الدولة الإسلامية والجماعات المتشدّدة بسيناء ركائز النظام المصري حاليًا، لكن عدم قُدرة مصر على مجابهة مخاطرها يجعل علاقتها بالولايات المتّحدة أقل قيمة وأهمية.

لذا يرى «ألترمان» أن الولايات المتّحدة يجب أن تبدأ في التفكير في سياسة شرق أوسطية أقل اعتمادًا على مصر، وتمركزًا حولها. يتأتّى ذلك بتعميق العلاقات الاستخباراتية مع باقي حلفاء الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط، وإيجاد وسائل لطمأنة إسرائيل في حالة تدهور علاقاتها بمصر، فسقوط مصر في هوّة عدم الاستقرار سيتسبب في اضطراب العديد من الدول الحليفة للولايات المتّحدة.

ينتهي «ألترمان» إلى التنبيه على صعوبة التحوّل الأمريكي عن مصر والشرق الأوسط عمومًا، حيثُ يجادل البعض أن الولايات المتّحدة أصبحت مكشوفة أكثر من اللازم بالشرق الأوسط. فاعتماد العديد من حلفاء الولايات المتّحدة على النفط الشرق أوسطي، والتهديدات القادمة من المنطقة، تجعل تأثير مثل هذه الخطوة على دور الولايات المتّحدة كبيرًا، ليس في الشرق الأوسط فقط، ولكن في العالم بأسره.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد