«تنظر القاهرة إلى الاستثمار في شبه جزيرة سيناء على أنه استثمار في الأمن القومي، لكن الجيش يحصل على إعفاءات ضريبية وفوائد أخرى تجعله يزاحم القطاع الخاص»؛  هذا ما خلص إليه تحليل نشرته صحيفة هآرتس للصحفي والمحلل الإسرائيلي زفي بارئيل سلط فيه الضوء على استثمارات الجيش المصري والامتيازات التي يتمتع بها في مجال الأعمال مقارنة بالقطاع الخاص، وهو الموضوع الذي يثير الكثير من الجدل حتى في دوائر الأعمال المصرية. 

يرى المحلل الإسرائيلي أن مصر بحاجة إلى توسيع القطاع الخاص القادر على خلق فرص وظيفية للشباب وليس منافسة الجيش. ويستشهد «بارئيل» بتصريح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال المؤتمر الوطني للشباب الذي استضافه يوم السبت الماضي: «وبعدين انتوا مش عارفين اليوم في سيناء بيكلفنا كام؟».

وذكر السيسي أنه تم تخصيص عشرات المليارات من الجنيهات لتطوير شبه جزيرة سيناء، باعتبار ذلك جزءًا من الخطة الكبرى التي أعلن عنها في عام 2018. وأعلن وزير التنمية المصري تخصيص حوالي 318 مليون دولار في ميزانية العام المقبل لمشاريع سيناء، بزيادة حوالي 75 في المائة عن العام الماضي. وتخصص نصف هذه الأموال لشمال شبه الجزيرة والباقي للوسط والجنوب.

وتعتبر الكويت والمملكة العربية السعودية شريكين في بعض المشاريع، أما البقية فتمولها الحكومة، باعتبار ذلك جزءًا من سياستها التي تنظر إلى الاستثمار في سيناء على أنه استثمار في الأمن القومي.

ويشير الكاتب إلى أن هناك فجوة بين التصريحات التي تطلقها الحكومة والالتزام بها في التنفيذ، لكن يبدو أن السيسي هو أول رئيس مصري -منذ أن أعادت اتفاقيات كامب ديفيد شبه الجزيرة إلى مصر- يخطط بجدية للاستثمار في منطقة تعتبر هي الأكثر إهمالًا من حيث الاستثمار الحكومي.

الموقف الأمني سيئ

يوضح المحلل الإسرائيلي أن مصر لا تزال منخرطة في حرب مُنهِكة ضد الجماعات الإرهابية في سيناء. وكثيرًا ما تكون مدنًا وأحيانًا مناطق بأكملها خاضعة لحظر التجوال، وتمر الرحلة بين العريش ومصر عبر العشرات من نقاط التفتيش العسكرية، ويحظر تشييع الجنازات الكبيرة، كما يتطلب الدخول إلى المقابر تصريحًا خاصًّا. والاعتقالات ومداهمات المنازل روتينية، والبطالة مرتفعة للغاية.

Embed from Getty Images

لكن قوات الأمن والحكومة تدرك الآن أن إنعاش اقتصاد سيناء، وخاصة في شمال شبه الجزيرة، قد يخلق فرص عمل للعديد من البدو الذين انضموا إلى الجماعات الإرهابية أو ساعدوهم باعتبارها وسيلة لإعالة أسرهم. وهكذا  بعد ثماني سنوات من الربيع العربي، الذي صاحبته موجات من الهجمات الإرهابية الكبرى في جميع أنحاء البلاد، بدأ سكان سيناء في رؤية التغيير الذي أحدثته السياسة الجديدة.

ويخص الكاتب بالذكر مشروعين من بين المشاريع الجديدة التي تأتي في إطار استثمارات الحكومة في سيناء وهما: مشروعي رفح الجديدة وبئر العبد، حيث سيتم بناء أكثر من 10 آلاف شقة سكنية. هذان المشروعان سيوفران السكن لآلاف الأسر التي طردت من المنطقة الحدودية بين سيناء وغزة حتى يتمكن الجيش من إنشاء منطقة أمنية بعرض عدة كيلومترات لوقف حركة المسلحين بين المنطقتين.

وهناك مشروع آخر أعلنته الحكومة في فبراير(شباط) وهو تخصيص خمسة أفدنة من الأراضي لكل خريج جامعي عاطل عن العمل لإقامة مزرعة تحت توجيه وإشراف الحكومة. لكن الحكومة لم تتمكن بعد من توفير حصص الأراضي المطلوبة. ومن المشكوك فيه أن تحوز هذه الخطوة الكثير من الرضا، لأن العمل الزراعي ليس هو حلم خريج الجامعة المصري. وجدير بالذكر أن مشروعًا مماثلًا بدأه الرئيس حسني مبارك قبل 15 عامًا في دلتا النيل باء بالفشل الذريع.

استثمارات البنية التحتية لا توفر فرص عمل جديدة

غير أن المحلل الإسرائيلي يرى أن استثمارات البنية التحتية ليست كافية لخلق فرص عمل لآلاف الشباب العاطلين عن العمل في شمال سيناء. وتحاول الدولة تشجيع المستثمرين الأجانب والمصريين على بناء المصانع ومراكز الخدمة، وإنشاء مناطق التجارة الحرة، وهي تعد بتوفير حوافز للمستثمرين في شمال سيناء. لكن المستثمرين ليسوا في عجلة من أمرهم بصفة رئيسية بسبب التهديدات الأمنية وصعوبات النقل بين سيناء ومصر.

Embed from Getty Images

ويختلف الوضع في جنوب سيناء، خاصة في المناطق السياحية على طول ساحل البحر الأحمر لأن هذه مناطق آمنة تجذب السياح والمستثمرين، وهنا قرر السيسي تفضيل الجيش على مستثمري القطاع الخاص.

أعطى أمران أصدرهما الرئيس مؤخرًا للجيش السيطرة على 47 جزيرة في البحر الأحمر وعلى مئات الآلاف من الأفدنة على طول الشاطئ. وفي بعض الأماكن، سيقوم الجيش ببناء منتجعات ومنشآت رياضية، في حين سيقوم جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع للقوات المسلحة بإدارة بعض المواقع السياحية التي تعمل بالفعل.

القطاع الخاص في منافسة غير عادلة مع الجيش

تأسس جهاز مشروعات الخدمة الوطنية في عام 1979 للسماح للجيش بإنشاء مصادر مدنية للدخل من خلال تطوير المصانع ومشاريع البناء. لقد تحول الجهاز إلى تكتل صناعي ضخم كلف بالكثير من المشاريع الحكومية. وبينما تخضع مشاريع الشركات الخاصة لضريبة الدخل وضريبة الشركات، تعد أرباح الجيش من المشاريع المدنية معفاة من الضرائب، وكذلك غير خاضعة للرقابة الحكومية والبرلمانية. وبالتالي يتمتع الجيش بميزة غير عادلة لأنه يتنافس مع القطاع الخاص في وقت تحتاج فيه مصر بشدة إلى الاستثمار الخاص.

ويتابع التحليل: إن سيطرة الجيش على المواقع السياحية يعد تطورًا جديدًا ينطوي على الكثير من الأرباح المحتملة. فبعد انتهاء أزمة السياحة باستئناف رحلات الطيران العارض من روسيا إلى مصر، والتي كانت قد توقفت لأكثر من عامين بعد تفجير دموي  على متن طائرة روسية في عام 2015، ارتفع عدد السياح إلى مصر ارتفاعًا كبيرًا وكذلك الإيرادات السياحية.

ووفقًا للبيانات التي أعلنتها وزارة السياحة المصرية، جلبت السياحة في عام 2018 حوالي 12 مليار دولار، بزيادة 50 في المئة عن عام 2017. وخلال النصف الأول من هذا العام، جلبت السياحة أكثر من 7 مليارات دولار.

وتتوقع مصر استقبال أكثر من 12 مليون سائح هذا العام والعام المقبل، غالبيتهم سيترددون على منتجعات البحر الأحمر. لكن المشكلة هي أن معظم الأرباح ستذهب الآن إلى الجيش، ما سيؤدي بالتالي إلى تعزيز احتكاراته الاقتصادية. وسيكون الجيش هو الذي يختار أيضًا مقاولي الباطن، وهو الذي يتولى إدارة المواقع السياحية الجديدة بمجرد بنائها.

«إيكونوميست»: إصلاحات السيسي الاقتصادية تزيد من مستويات الفقر! وعلى الجيش أن يبتعد عن التجارة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد