أشارت مجلة (ذي إيكونوميست) الأسبوعية إلى أن السلطات المصرية أعادت ترميم وافتتاح معبد يهودي قديم في مدينة الإسكندرية، ثاني أكبر المدن المصرية على ساحل البحر المتوسط، وهذا الأمر من شأنه أن يرسل إشارات مختلطة إلى اليهود، ما دعا المجلة لأن تتساءل في مقال لها عن دافع الحكومة المصرية الحقيقي من وراء هذا الإجراء، وهل ترغب حقًّا في تشغيل هذا المعبد ليؤدي فيه اليهود صلواتهم؟

مجتمع

منذ سنة واحدة
لماذا تنفق مصر أكثر من مليار جنيه على ترميم التراث اليهودي الآن؟

نهج السيسي تجاه يهود مصر

تقول المجلة اللندنية: عندما يتعلق الأمر بالحديث عن الجالية اليهودية في مصر، يقول الرئيس عبد الفتاح السيسي كل ما هو مناسب وطيب. وتوضح المجلة أنه من بين 80 ألف يهودي كانوا يعيشون ذات يوم في مصر، لم يتبق في هذا البلد العربي المسلم الآن إلا جزء ضئيل فقط من اليهود. 

ومع ذلك، يعد الرئيس السيسي بعودة ظهور اليهود المحليين المقيمين في البلاد ولم يغادروها مطلقًا. ودعا اليهود الذين طردوا بعد الغزو الإسرائيلي في عام 1956 للعودة مجددًا إلى مصر. بل أدرج المقابر اليهودية المتصدعة والمتهدمة مواقعَ تراثية، وأنفق ملايين الدولارات لترميم ما كان يُعد فيما مضى أكبر كنيس يهودي في العالم واسمه (إلياهو هانبي) أو معبد (النبي إلياهو)، في شارع النبي دانيال في وسط مدينة الإسكندرية، شمال مصر. 

عودة يهود الإسكندرية

وتضيف المجلة أنه في 14 فبراير (شباط) الجاري، عاد حوالي 180 يهوديًّا من أصل سكندري لإعادة تدشين الكنيس من جديد. وعلقوا مزوزة* (mezuzah) على جدرانه، ورقصوا ممسكين بمخطوطات التوراة وغنوا المزامير على أنغام أغنية «إنت عمري»، لأم كلثوم، أشهر مطربة في مصر. 

جانب من مراسم افتتاح المعبد – الإسكندرية – مصر. يناير 2020

أما كبار السن من الرجال فانهمكوا في احتساء قهوة الإسبريسو في مقهى ديليس (Café Delice) القريب، الذي ما يزال يذيع أغنية (لا، لم أندم أبدًا) لأيقونة الغناء العالمية، إديث بياف، المعروفة بـ«أم كلثوم فرنسا»، وانشغلوا في تبادل رؤية صور زفاف باهتة التقطت لهم عند زواجهم على بعد خطوات من الكنيس الشهير. 

وذرفوا الدموع إثر استحضارهم ذكريات مغادرتهم لمصر، وتسليمهم جوازات سفرهم (للسلطات المصرية آنذاك)، وتوقيعهم على وثائق تتعهد بعدم العودة لمصر ثانية. كانت الطقوس التي أجريت بعد ذلك في المعبد أو الكنيس المُرمم هي الأكبر منذ 60 عامًا. ووعد الرجال بالعودة بعد عام لحضور حفل زفاف، وهي الخطوة الأولى لإعادة بناء مجتمع استقطب اليهود أكثر من فلسطين قبل أكثر من قرن.

تشديدات أمنية خلال افتتاح المعبد بعد ترميمه

وأوضحت المجلة أن الأمن كان مشددًا أثناء الحدث (إعادة الافتتاح)، لأسباب وجيهة بالطبع. ففي السنوات الأخيرة، استهدف الجهاديون الذين لهم صلات بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) أقلية دينية أخرى هم: المسيحيين. وفي حين تابعت كتيبة من سيارات الأمن التي تطلق صافرات الإنذار الصارخة تحركات اليهود أينما ذهبوا، بدت السلطات المصرية حريصة أيضًا على تخفيف مظاهر الاحتفال بالمناسبة. 

وأحاط الجنود المرتدون لأقنعة الوجه والمُسلحون بمدافع رشاشة باليهود من كل ناحية، ومنعوا المسلمين الذين كانوا يأملون في مشاركة زملائهم السابقين من الوصول للمكان والاحتفال بإعادة تدشينه. ومُنع السفير الأمريكي، وهو يهودي الديانة، من حضور مراسم تلاوة التوراة.

وتعلق المجلة قائلة بعد أن أنفقت الحكومة المصرية الكثير من المال لترميم المعبد، قد يبدو من الغريب أن تتكتم على مراسم إعادة فتحه. 

تناقض بين تصريحات الرئيس ومواقف الحكومة

تتابع المجلة: لكن على الرغم من كلمات الرئيس السيسي، فإن السلطات المصرية ما تزال متناقضة في مواقفها تجاه اليهود وأماكنهم. 

من داخل المعبد اليهودي المفتتح حديثًا – الإسكندرية – مصر. يناير 2020

فالمعابد اليهودية في مصر والمقابر اليهودية مغلقة باستمرار. وقبل أكثر من عقد من الزمان، رممت الحكومة معبد موسى بن ميمون*، العلامة اليهودي المتبحر الذي أسس اليهودية الأرثوذكسية في القاهرة إبان القرن الثاني عشر (والذي عمل طبيبًا للقائد صلاح الدين الأيوبي)، لكن المعبد مغلق أمام الجمهور، ولا توجد علامات إرشادية في الطريق توجه الناس نحو الموقع. وما زال العديد من المصريين من ذوي الأصول اليهودية يخشون الكشف عن أصولهم.

كيف يتعامل «أمير المؤمنين» مع يهود المغرب؟

وتتحول المجلة إلى الحديث عن بلد مسلم آخر ترى أنه يقدم نموذجًا بديلًا وهو المغرب. وتذكر أن جاليته اليهودية تقلصت أيضًا عندما وصل الصراع العربي الإسرائيلي إلى ذروته. لكن اليهود الذين بقوا في البلاد ظلوا يمارسون شعائرهم علانية. ورمم الملك محمد السادس، ملك المغرب، عشرات المعابد، ويستضيف بانتظام يهود الشتات في المهرجانات التي يغني فيها الأئمة والحاخامات معًا.

وفي الشهر الماضي، افتتح مركزًا للتراث اليهودي واضعًا يده على كتاب التوراة وداعيًا لله (بالتوفيق). يقول أندريه أزولاي، المستشار اليهودي للملك: «كان هذا التقليد الأول من نوعه من جانب أمير المؤمنين،  وهو اللقب الإسلامي الذي يطلق على الملك.» 

  • مزوزة: (mezuzah) (عضادة الباب) وهي قطعة من الرق منقوش عليها آيات محددة بالعبرية من التوراة، وتتكون هذه الآيات من الصلاة اليهودية شيماء يسرائيل، وفي اليهودية الحاخامية السائدة، ترفق مزوزة على بوابة دور البيوت اليهودية لتحقيق ما يسمى بالوصية التوراتية بكتابة كلمات الله على أبواب وبوابات البيت. وتُكتب الآيات بالحبر الأسود الذي لا يمحى مع قلم ريشة خاص، ثم يجري لف الرق وتوضع داخل العلبة عند مدخل البيت). 
  • كنيس موسى بن ميمون أو معبد موسى بن ميمون، هو كنيس يهودي ويعد من أهم وأقدم المعابد اليهودية. ويقع في 15 شارع درب محمود بالموسكي بحارة اليهود- الجمالية بمدينة القاهرة في مصر.

«الإيكونوميست»: لماذا يتنافس الزعماء المسلمون على بناء المساجد الضخمة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد