كشفت دراسة جديدة أُجريت على مومياء الفرعون «سقنن رع تاعا الثاني» أن الفرعون عانى من عدة إصابات وجروح وحشية في وجهه ورأسه ما أدَّى إلى موته ميتة مروعة. 

سلَّط تقريرٌ نشره موقع «لايف ساينس» للكاتبة ستيفاني باباس، المهتمة بتغطية علم الحفريات، الضوء على السبب الحقيقي وراء وفاة الفرعون «سقنن رع تاعا الثاني»، مرجحًا أن يكون الفرعون قد لقى حتفه في ساحة المعركة، وأنه كان ضحية اعتداء غاشم من ثلة من المهاجمين المسلحين تسللوا إليه وقيدوه من خلف ظهره ثم انهالوا على وجهه ورأسه طعنًا بالخناجر والبَلَطَات والحِرَاب فهشموا جسده ولم يستطع أن يدرأ عن نفسه الهلاك المحتوم. 

دراسة جديدة

في البداية أشارت الكاتبة إلى فحص جديد أُجريَ باستخدام التصوير المقطعي المحوسب (الأشعة المقطعية) على مومياء الفرعون المتضررة، إذ أوضح الفحص أن هناك جروح وإصابات جديدة في وجه الفرعون حاول المحنِّطون القدماء إخفاءها. وعثر العلماء على قَطْعٍ كبير في جبهة الفرعون، وجروح حول عينيه ووجنتيه، كما غاصت إحدى الطعنات في قاعدة جمجمته حتى وصلت إلى جذع الدماغ تقريبًا. ويبدو أن المهاجمين كانوا قد أحاطوا بالحاكم المنهزم إحاطة السوار بالمعصم.

وأوضحت سحر سليم، أستاذة الأشعة في جامعة القاهرة في بيان لها، قائلة: إن «هذا الأمر يدل على أن الفرعون سقنن رع كان في الواقع على خط المواجهة الأمامية مع جنوده يخاطر بحياته من أجل تحرير مصر».

حربٌ بسبب أفراس النهر

وأبرز التقرير أن الفرعون «سقنن رع تاعا الثاني» كان حاكم مصر الجنوبية في المدة ما بين حوالي 1558 إلى 1553 قبل الميلاد، أثناء احتلال الهكسوس لمصر. وسيطر الهكسوس، الذين جاءوا آنذاك من بلاد الشام على الأرجح، على شمال المملكة المصرية وفرضوا الجباية على جزئها الجنوبي. وبحسب روايات أوراق البردي المتفرقة، ثار «سقنن رع تاعا الثاني» ضد المحتلين من الهكسوس بعدما تذمر ملكهم من أن الضجيج، الذي تصدره أفراس النهر في إحدى المسابح المقدسة في مدينة طيبة الجنوبية، كان يقضُّ مضاجعه. وعلى الرغم من أن مقر إقامة ملك الهكسوس في العاصمة أفاريس أو أواريس (عاصمة الهكسوس)، كانت تبعد عن جنوب مصر حوالي 400 ميل (644 كيلومترًا)، لكن ملك الهكسوس، استنادًا إلى هذه الفِرية، طالب بتدمير المسبح المقدس، وهو ما يُعد إهانة شديدة في حق «سقنن رع تاعا الثاني».

Embed from Getty Images

ورجَّح التقرير أن هذه الإهانة كانت تمهيدًا لنشوب حرب بين الفرعون والهكسوس. وسجَّل أحد النصوص الموجودة على لوح صخري منحوت عُثر عليه في معبد طيبة أن كاموس، نجل «سقنن رع تاعا الثاني» ووريثه في الحكم، لقى حتفه في إحدى المعارك ضد الهكسوس. ولم يعرف أحد ما الذي حدث للفرعون، حتى بعد اكتشاف موميائه في عام 1886. ولاحظ علماء الآثار وجود جروح في جمجمته وتكهَّنوا بأنه قُتِل في إحدى المعارك أو ربما قُتِل أثناء نومه وسط مؤامرة القصر. وأفاد علماء الآثار في القرن التاسع عشر، الذين عثروا على المومياء، أنهم وجدوا للمومياء رائحة كريهة عندما فحصوها، وهو ما دفعهم للاشتباه في أن عملية تحنيط المومياء نُفذَّت على عجل في ساحة المعركة.

وتستخدم الدراسة الجديدة الأشعة السينية من زوايا متعددة لتكوين صورة ثلاثية الأبعاد لمومياء الفرعون، والتي وجدت رفاته في حالة يُرثى لها، إذ انخلعت عظامه وتفككت وكانت رأسه مفصولة عن بقية جثمانه.

سقنن رع مات ميتة شنيعة

واستعرض التقرير الإصابات الموجودة في جمجمة الفرعون، والتي تشير إلى أن قصة موته كانت شنيعة ومروعة. إذ عثر العلماء على قَطْعٍ في جبهة مومياء الفرعون يُقدر طوله بنحو 2.75 بوصة (7 سنتيمترات)، والذي نتج – على الأرجح – بسبب ضربة بلطة أو سيف اخترقت العظم أعلى الجبهة. وكان هذا الجرح وحده كفيلًا بأن يقضي على حياته، لكن العلماء عثروا على قَطْعٍ آخر مميت فوق عين الفرعون اليمنى يقدر طوله بنحو 1.25 بوصة (3.2 سم) وربما يكون بضربة بلطة. ووفقًا للباحثين كانت رأس الفرعون «سقنن رع تاعا الثاني» هدفًا لمزيد من الضربات والطعنات التي انهالت عليه من اليمين، ومن فوقه باستخدام بلطة أو عصا مدببة، وهو ما تسبب في جروح، وقطوع في الأنف، والعين اليمنى، والخد الأيمن. 

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
من فيلاديمير لينين إلى عذراء الإنكا.. التحنيط ليس «سر الفراعنة» فقط

وأثناء الاعتداء على الفرعون بهدف قتله، مرَّر أحد المهاجمين، الذي كان يقف أمام الملك، سيفًا أو بلطة على خد الفرعون الأيسر، تاركًا قَطْعًا عميقًا آخر على وجهه. بينما غاص رمح، من الجهة اليسرى، في قاعدة جمجمة الفرعون، تاركًا قَطْعًا بطول 1.4 بوصة (3.5 سم). وفي السابق، أفاد علماء الآثار، الذين فحصوا مومياء الفرعون في بادئ الأمر، عن اكتشافهم لعديد من هذه الجروح، لكن الدكتورة سحر سليم وزميلها عالم المصريات زاهي حواس اكتشفا مجموعة جديدة من الكسور في الجمجمة المغطاة بمواد التحنيط. واكتشفوا أن معظم الجروح والقطوع، التي نتجت على ما يبدو بسبب طعنة خنجر وضربة عصا مسننة وثقيلة وقد يكون يد بلطة، تتركز في الجانب الأيمن من الجمجمة.

أسيرٌ في المعركة

ولفت التقرير إلى أن يدَيَّ مومياء الفرعون كانت قد تعرضت للثني والشد، لكن لم تُكتَشف أي إصابات دفاعية على ساعديه، مما دفع الباحثين إلى التكهن بأن يديَّ «سقنن رع تاعا الثاني» كانت مقيدة خلف ظهره عند وفاته. ووفقًا لبيانها تتوقع سحر سليم أن يكون الفرعون قد أُسِر أثناء القتال في ساحة المعركة وأعدمه عدة مهاجمين إعدامًا احتفاليًّا. 

وتحدثت سحر سليم إلى موقع «لايف ساينس» قائلة: على الرغم من أن الباحثين اكتشفوا مومياوات الفرعون من قبل واكتشفوا الإصابات البالِغَة في جثمانه، لم يكن هناك دليل على مقتل الفرعون في ساحة المعركة حتى وقتنا الراهن. 

Embed from Getty Images

وتوضح سحر أن رمسيس الثالث، على سبيل المثال، اكتشفنا من خلال إحدى البرديات أنه ذُبِح فيما سمِّي بمؤامرة الحريم والتي تآمرت فيه زوجته لتوريث ابنها الحكم وليصبح ملكًا للبلاد. بينما تحكي الروايات التاريخية عن مشاركة رمسيس الثاني وتحتمس الثالث في معارك القتال، لكن لم نعثر على أي جروح في جثثهم المحنطة. كما وجدنا إحدى الجثث المحنطة لشخصية غير محددة الهوية، ولكنها ذات شأن ومقام رفيع كانت تحمل سهمًا مثبتًا في صدرها، والذي قد يكون حدث خلال القتال في معركة من المعارك.

هزيمة الهكسوس والمملكة المصرية الجديدة

وخلص الباحثون في دراستهم الجديدة، التي نُشرت يوم 17 فبراير (شباط) في دورية «فرونتير إن ميديسن/Frontiers in Medicine»، إلى حقيقة أن المشرفين على عملية تحنيط جثمان «سقنن رع تاعا الثاني» استخدموا طريقة متطورة لإخفاء الجروح التي في رأس الفرعون؛ مما يدل على أنه لم يُحنَّط على عجل. وإلى جانب ذلك وجد الباحثون أن مخ الفرعون الجاف كان محشورًا أيضًا في الجانب الأيسر من جمجمته؛ مما يُوحي بأن شخصًا ما أرقده على جنبه بعد وفاته، إما في المكان الذي سقط فيه أو أثناء نقل جثمانه للتحنيط.

تاريخ

منذ 6 شهور
مهاجرون أم غزاة؟ هذا ما نعرفه عن الهكسوس محتلي مصر القديمة

واختتمت الكاتبة تقريرها بالقول: صحيح أن «سقنن رع تاعا الثاني» ربما يكون قد فقد حياته في المعركة، لكن ورثته كسبوا الحرب في النهاية. وبعد وفاة نجله كاموس، قد تكون الملكة «أعح حتب الأولى» زوجة «سقنن رع تاعا الثاني»، أدارت شؤون الحكم بصفتها وصية على العرش، وواصلت التمرد ضد الهكسوس. وعندما بلغ أحمس الأول نجل «أعح حتب الأولى» و«سقنن رع تاعا الثاني» سن الرشد، ورِث العرش واستطاع أن يطرد المحتلين الأجانب أخيرًا من البلاد. وبعد ذلك استطاع أحمس الأول أن يُوحِّد مصر ويؤسس المملكة الجديدة، وشهدت مصر القديمة في هذه الحقبة ذروة قوتها والتي كانت بين القرنين السادس عشر والحادي عشر قبل الميلاد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد