قبل أيام قليلة أصدر البنك المركزي المصري قرارا بتخفيض قيمة الجنيه (ما اعتبره مراقبون خطوة نحو تعويم الجنيه ). القرار لم يكن مفاجئًا؛ لأن الوضع الاقتصادي المصري كان يتطلب اتخاذ هذا القرار من فترة ليست بقصيرة. فلماذا تأخر القرار وما تبعاته على الاقتصاد المصري والمستثمرين، وكذلك عامة الناس والطبقة المتوسطة بالأخص؟

يحاول «ستيفن كوك» زميل معهد دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا بمجلس العلاقات الخارجية أن يستعرض الوضع الذي استوجب اتخاذ مثل ذلك القرار، ومدى ارتباط السياسة به، يقول «كوك»:

«مع كل الازدراء الذي يكنه المسؤولون المصريون لشعبهم، فإنهم غالبا ما يخضعون المنطق الاقتصادي إلى النفعية السياسية. ومن هنا تأتي المشكلة عندما تتحكم النفعية السياسية في الاقتصاد، فيكون الألم حينها أشد وأقسى مما يفترض أن يكون».

 

«لقد انهار»، في المطلق قد تكونان كلمتين مبهمتين، لكن للمهتمين بالشأن المصري، والمتابعين للوضع الاقتصادي ليس من الصعب تخمين القصد منهما. كلمتان وصلتا لـ«كوك» في رسالة من أحد أصدقائه ويدعى «تيموثي قلدس»، وفهم للتو أن القصد منهما الجنيه المصري. إذ قرر البنك المركزي المصري في 14 مارس(آذار ) أنه لم يعد قادرا على الدفاع عن الجنيه المصري، وقام بتخفيض قيمته 13%. بمعنى أنه صار بإمكان أي فرد استبدال الدولار الواحد من أي بنك مقابل 9 جنيهات مصرية. ولعل في ذلك خبر جيد للسياح الأجانب في مصر، لكن هذا في حال وجود سياح من الأساس في مصر.

يقول كوك إنه قرار تأخَّر المسؤولون المصريون كثيرًا في اتخاذه، لذا فإن إصداره مد الأسواق المالية والمستثمرين على الفور بجرعة ثقة. وربما يبدو التساؤل حول سبب تأخرهم كثيرًا في الإقدام على تلك الخطوة بعيدًا عن جوهر المسألة، إلا أن الإجابة عليه قد تمد المراقبين بمعلومات لاستشراف ما يمكن أن يقدم عليه صانعو السياسات الاقتصادية المصرية في المستقبل، وفقا لـ«كوك».

بدايات الانحدار

يعتقد كوك إن قيمة الجنيه  المصري عانت من انحدارٍ بطيء منذ بدء الاحتجاجات على الرئيس المخلوع  «محمد حسني مبارك» في 25 يناير (كانون الثاني) 2011. ففي هذا اليوم تحديدا لم تكن قيمة الدولار مقابل الجنيه تتجاوز 6 جنيهات، واستمر الحال على ذلك طوال الثمانية عشر يوما حتى تنحيه في 11 فبراير( شُبَاط) 2011. ومنذ أن أدى الرئيس  المعزول «محمد مرسي»، التابع لجماعة الإخوان المسلمين اليمين الدستوري، كانت قيمة التبادل 6 جنيهات مقابل الدولار الواحد. لكن  عندما عُزل بلغت قيمة الجنيه للدولار سبع جنيهات إلى الدولار الواحد، وكما أُعلِن مؤخرًا، فقد وصلت قيمته إلى تسع جنيهات مقابل كل دولار واحد. ويعتقد «كوك» أن قيمة الجنيه كان بالإمكان أن تنحدر بشكل أكبر، وبمعدل أسرع؛ لولا محاولات البنك المركزي الدفاع عن العملة. بمعنى أن السلطات المصرفية المصرية أنفقت عملة صعبة بكميات كبيرة لشراء الجنيهات المصرية محاولةً منها للحفاظ على قيمة العملة.

ووفقا لـ«كوك»، فإن الدفاع عن الجنيه  لم يكن فكرة جيدة على الإطلاق؛ فالمصريون بذلك يهدرون المزيد من المال على أمل تصحيح وضع فاشل، ويرجع هذا للمبالغة في تقدير قيمة الجنيه. فكانت النتيجة الطبيعية تضاؤل قيمته أكثر وتوجيه ضربة كبيرة لاحتياطي النقد المصر من العملة الأجنبية.

 

ويذكر المقال أنه  قبل أن يتخذ محافظ البنك المركزي «طارق عامر» هذا القرار الذي تسبب في «انهيار» قيمة الجنيه، كان من المستحيل الحصول على دولارات من أي مصرف مصري، وذلك على الرغم من إمكانية الحصول على الدولار من السوق السوداء مقابل أكثر من 9 جنيهات. فكان تحرك البنك المركزي بمثابة ضربة قاضية  لأرباح السوق السوداء.

جدير بالذكر هنا أن «طارق عامر» هو ابن شقيق «عبدالحكيم عامر» الصديق المقرب من «جمال عبدالناصر»، والذي ألحق العار بالعسكرية المصرية نتيجة لأفعاله المخزية في الستينيات من القرن الماضي، وفقا للمقال.

السياسيون و تعويم الجنيه

يرى «كوك» إنه من الصعب حقًا فهم كيف ورَّط المصريون أنفسهم في مثل تلك الفوضى. ويشير إلى كتابات سابقة عن حتمية تخفيض قيمة الجنيه ( تعويم الجنيه )  التي لا مفر منها، فالأمر لم يكن خفيًا أو حتى يصعب التنبؤ به. بل كان الكل على علم بما سيحدث في نهاية المطاف، لكن المشكلة كما هو الحال دائما، وفقا لـ«كوك» هي السياسة. أغلب المصرفيون المصريون وصانعو القرارت الاقتصادية لم يتراخوا أو يتكاسلوا عن فعل شيء. فهم بالتأكيد يعلمون حتمية تخفيض قيمة العملة وأنه أمر لا مفر منه، إلا أنهم تحملوا المعاناة قدر استطاعتهم لأطول وقت ممكن. وعلى الرغم من سعيهم ومحاولاتهم للحفاظ على قيمة العملة، استمرت قيمة الجنية  في انحدار على مدى السنوات الخمس الماضية، وزاد الغلاء في الأسعار على المصريين. ولم تكن الزيادة في الأسعار رسمية، إلا أنها زادت عبر البلاد وفي بعض الأحيان كانت الزيادة حادة جدًا.

وردا على البعض الذين يظنون أن أزمة الأسعار والعملة كانت سببا في اندلاع الثورة المصرية، يرى «كوك» أن المظاهرات التي خرجت ضد الرئيس المخلوع «محمد حسني مبارك» في 25 يناير (كانون الثاني) 2011، والاحتجاجات ضد الرئيس المعزول «محمد مرسي» التي بلغت ذروتها في 30 يوليو (تموز)  2013، والتي انتهت بالانقلاب العسكري، لم تكن كلها بسبب  أزمة غلاء الأسعار، لكن تظل الأزمات الاقتصادية جزءا منها.

مظاهرات الخبز ليست بعيدة

والسؤال هنا وفقا للمقال: هل يخشى المسؤولون المصريون ثورة خبز قريبة؟ يقول «كوك» إن المسؤولين المصريين بالتأكيد يعون جيدًا مظاهرات الخبز التي اندلعت في 1977، عندما اشارت الحكومة أنها ستخفض الإعانات فقط ولن يصل الأمر إلى حد إلغائها. حيث أجبرت شدة الاحتجاجات الرئيس «محمد أنور السادات» على التراجع، وأن يطلب من الجيش أن يتولى زمام الأمور لاستعادة النظام. وهي نفسها التجربة التي أخافت مبارك من التطبيق الكامل لإصلاحات صندوق النقد الدولي في التسعينيات، حيث تطلب الأمر الكثير لإقناعه بتحرير سعر الصرف في أوائل عام 2003. وساق المؤيدون لهذا القرار أمثال «عامر» وصديقه «جمال مبارك»، نجل الرئيس المخلوع، حجة أن من شأن تلك الخطوة جعل مصر أكثر جذبا للمستثمرين الأجانب مع تشجيع الخصخصة، وزيادة القدرة التنافسية، وبالتالي  توسيع الفرص الاقتصادية. كما راودت  بعض المخاوف الرئيس مبارك وبعض مستشاريه  القدامى من الجيش من التضخم واندلاع احتجاجات الخبز مرة أُخرى دون تحقيق أي فائدة اقتصادية أو اجتماعية من وعودهم.

فـ«كوك» يرى أن الأزمة الحالية لها جذور في  تاريخ مصر الحديث، إذ أن صناع القرار الاقتصادي المصري الحالي أجَّلوا القرار آملين (أو متوهمين) بإمكانية حدوث معجزة في شكل تدفقات نقدية أخرى من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فتأخروا كثيرًا. وفي تلك الأثناء اتسعت الفجوة بين أسعار السوق السوداء ومعدلات تبادل العملات الرسمية، واضعة المزيد من الضغوط على الاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية لمصر. فبدون تخفيض قيمة العملة، اضطر المصريون لمواجهة مشكلة سيولة فعلية.

فما الحل إذا؟

يحاول «كوك» التنبؤ بما يمكن فعله الآن خاصة بعد أن قوبل قرار البنك المركزي بالتهليل من قبل الأسواق. وهو يدعو إلى إلقاء نظرة على ردود أفعال الناس، وكيف تباينت، حيث يفضل الاقتصاديون الفعالية التي ينتجها تحرير معدلات أسعار  التبادل، لكن الساسة يفكرون أكثر في المسالة من ناحية كيف ستؤثر تلك القرارات في قدرتهم على شراء السيطرة السياسية. فبطريقة ما تعتبر المغالاة في قيمة العملة أشبه بتلقي قرض دعم هائل، وهو بالتحديد السبب في أن خفض قيمة العملة ينطوي على مخاطرة سياسية.

ويرى «كوك» أنه من المتوقع أن تزداد الأمور صعوبة على الطبقة المتوسطة على المدى القريب. وفي نفس الوقت، إذا اتخذت الحكومة إجراءات قاسية إضافية وتمكن البنك المركزي من متابعة التضخم وإبقائه تحت السيطرة، فإن ذلك سيعطي إشارة للمسؤولين أنه لا داعي للقلق بشأن الإصلاحات الاقتصادية. وإذا لم يهتموا بالإصلاحات الاقتصادية، فإن تخفيض قيمة العملة وتغيرات أخرى مطروحة على الطاولة ستأتي كصفقة واحدة.

ويختم كوك مقاله متسائلا: «هل كان حقًا قرار التعويم لعلاج أزمة أم أنه حل لبعض المشكلات على نطاق أضيق، وقد يكون له تبعات سيئة مستقبلاً؟» و«هل حقا يقامر السياسيون المصريون بتعويم الجنيه؟».

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد