في مقاله بصحيفة «الإندبندنت»، يتحدث الكاتب البريطاني المتخصص في شؤون الشرق الأوسط روبرت فيسك عن الانتخابات الرئاسية المصرية، التي يرى أنها محسومة لصالح الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي الذي يحكم البلاد بقبضة حديدية، وبدعم غير محدود من المسيحيين المصريين.

وبحسب «فيسك»، ففي دولة أدمنت الانتخابات والبرلمانات والأخبار الزائفة، ينبغي علينا أن نتعجب من أولئك المصريين المفعمين بالشجاعة والطاقة الذين سيذهبون للتصويت، يستطيع المرء أن يجزم – ولنطرح الوقاحة والسخرية جانبًا – أن السيسي – الذي صنع الناس من صورته يومًا كعكات الشيكولاتة وقطع الحلوى بعد أن شعروا نحوه بعاطفة جياشة حين خلصهم من الرئيس المنتخب المنتمي لجماعة الإخوان محمد مرسي – سيفوز بأغلبية ساحقة ومؤكدة.

مسيحيو مصر.. كتلة مضمونة «في جيب» السيسي

ليس هناك شك أيضًا أنه، ومن بين أنصار السيسي المخلصين، سنجد – وفي الحقيقة يجب أن نجد – المسيحيين المصريين، التابعين للكنيسة القبطية الأرثوذكسية، حيث لم يظهر البابا سوى الولاء للرئيس «العظيم» الذي فاز بـ96.1% من أصوات الشعب في انتخابات 2014. أقول «يجب» لأن المسيحيين في مصر – شأنهم في ذلك شأن مسيحيي سوريا والعراق – لديهم وضعية خاصة بالنسبة لأنظمة الشرق الأوسط. فهم أقلية في بلدانهم – أقباط مصر 8% فقط من نسبة السكان -، والأقليات تحتاج دومًا إلى الحماية، ومن بيده أن يمنح الحماية أفضل من الحكام المستبدين؟

هذا هو الملاذ والمصير بالنسبة للأقلية المسيحية إذًا، لا يهم إلى أي مدى يرغب المسيحيون في وطن علماني يوفر العدل والكرامة، إذ يجب أن يعتمدوا على حكام ظالمين لتوفير الكرامة والعدل لطائفتهم فحسب، على مدار العقود الماضية، كان العنف الطائفي بين المسيحيين والمسلمين مقتصرًا على صعيد مصر، حديثًا صار المسيحيون أهدافًا سياسية في قلب القاهرة ذاتها، ويتعرضون لمذابح جماعية على أيدي «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» وأتباعهم من الإسلاميين كجزء من سعيهم الدؤوب للسيطرة على شبه جزيرة سيناء، وتدمير نظام السيسي.

Embed from Getty Images
البابا تواضروس يدلي بصوته في انتخابات 2014.

عمل السيسي بجد على الاستثمار في مسيحيي مصر، وقد نجح – والحقيقة أنه يستحق المديح على ذلك – في التخلص ببراعة من أحد موروثات الرئيس الراحل (أنور السادات) الذي وصف نفسه بأنه «رئيس مسلم لشعب مسلم»، وجاهر بعداء الأقباط، حتى إنه سجن بابا الكنيسة الأرثوذكسية.

على عكس الحكام السابقين، كان السيسي سخيًا مع المسيحيين، سمح ببناء خمس كنائس جديدة على الأقل، دك معاقل الإسلاميين في ليبيا ردًا على ذبح 21 قبطيًا مصريًا على الشاطئ، وبنى لهم كنيسة في مسقط رأسهم تخليدًا لذكراهم، والأهم أنه كان أول رئيس مصري يحضر بنفسه قداس عيد الميلاد.

المشكلة هي أن أولئك المسلمين المصريين المعارضين للسيسي – ليسوا الإخوان المسلمين فقط، وبالطبع كل هؤلاء ينعتهم خطاب السلطة بالـ«إرهابيين»، بل أي مسلم، حتى لو كان مسلمًا مصريًا ينتمي للطبقة الوسطى التي دهستها عجلة «الإصلاح» الاقتصادي والتضخم المستمر تحت حكم رئيس اعتقل أو روّع كل المعارضين حتى تخلى الجميع عن فكرة منافسته في الانتخابات – الذين سينظرون إلى المواطنين المسيحيين بوصفهم جزءًا لا يتجزأ من نظام السيسي، والحقيقة أنهم – ولسوء الحظ – صاروا كذلك بالفعل.

هكذا إذًا سيذهب الأقباط بإخلاص للتصويت للرجل الذي تحكم شرطته السرية في كامل الحياة السياسية في مصر، الذي أعاد اعتبار التعذيب أمرًا روتينيًا للأجهزة الأمنية، الرجل الذي يعتقل أو يعتدي على خصومه السياسيين، والمدونين، والطلاب، والعسكريين السابقين، والصحفيين والسياسيين ذوي الرأي الحر. صار الاختفاء القسري والشنق والقتل في أقسام البوليس ظواهر يومية معتادة بالنسبة للمصريين، ومن ضمن 106 آلاف سجين في مصر، تقدر هيومان رايتس ووتش أن 60 ألفًا منهم هم سجناء سياسيون.  

الانتخابات الرئاسية.. «مسلسل هزلي» معلوم النهاية

كان «تحطيم» السيسي لخصومه السياسيين قبل الانتخابات سيكون هزليًا لو لم يكن مأساويًا، في بلد تمتع يومًا – أثناء الاحتلال البريطاني مثلًا – بالشجاعة والإصرار اللازمين للمطالبة بالحرية الوطنية والديمقراطية على الطريقة الغربية، وربما في زمن آخر، ستحتل المصائر التي لحقت بمن كان يُحتمل أن ينافسوا السيسي في الانتخابات سيناريوهات لأعمال تليفزيونية كوميدية ستحظى بالتأكيد بشعبية جارفة في العالم العربي ككل.

أحمد شفيق، وهو مرشح حقبة مبارك الذي نافس مرسي بعد ثورة 2011، أعلن ترشحه في الانتخابات قبل أن ينسحب تحت «ضغوط» من نظام السيسي، ومحمد أنور السادات، ابن أخي «الرجل العظيم» الذي يشبه في الحقيقة عمه الراحل، اختار هو الآخر أن يسحب ترشحه. قبل خمس سنوات، أخبرني السادات أنه يؤيد «المسلم الملتزم» (السيسي)، كما أخبرني أن «الحل الأمني» (سحق الإسلاميين في صحراء سيناء) يمكن أن يكون فقط حلًا مؤقتًا: «الناس تصيح «هؤلاء إرهابيون» في وجه الإخوان المسلمين ومن ثم فهم يضغطون على الحكومة، كل وسائل الإعلام تدفع في اتجاه واحد وهذا أمر لا يساعدنا، هذا يصعب المهمة على الأشخاص الراغبين في الوصول لتسوية ما، نحتاج في مصر أن نتعلم كيف نعيش سويًا».

لكن يبدو أن «العيش سويًا» الآن لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل للدولة العميقة، حيث يرفرف الخير والحكمة الأبدية للمشير السيسي، كما «السادات» اضطر المحامي الحقوقي (خالد علي) إلى إعلان انسحابه من «السباق» الرئاسي، كما تم اعتقال المرشح الإسلامي السابق في انتخابات 2012، والذي جادل بأن على الجيش ألا يتحمل مسؤولية أخطاء حكم السيسي، عبد المنعم أبو الفتوح بعد زيارة إلى لندن. حتى قادة الجيش أنفسهم لم يكونوا محصنين، إذ سُجن رئيس أركان الجيش السابق الفريق سامي عنان بعد فترة قصيرة من إعلانه نيته الترشح للرئاسة، كما اعتقل أحد أبرز مساعديه الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات (هشام جنينة) بعد فترة وجيزة.

Embed from Getty Images
الناجي الوحيد هنا كان موسى مصطفى موسى، بعد أن قرر – في خلال دقائق معدودة – أن عليه أن يصير مرشحًا رئاسيًا، يعد «موسي» أحد الأنصار المتحمسين للسيسي نفسه. وفي مقابلة استثنائية – وربما محرجة – الأسبوع الماضي، ادعى الرجل أن أحدًا لم يتم اعتقاله، وأن سامي عنان «انتهك القوانين العسكرية»، وأن خالد علي ربما لم يمتلك التوكيلات اللازمة للترشح، ويقول: «لا أظن أنه قد تم تهديد أي أحد.. إطلاقًا!»، يريد الرجل إعادة فتح المصانع، وأن يحصل الفقراء والمتعلمون على رواتب مناسبة.

أولئك الممتنعون عن التصويت هم – وفقًا لادعاء السيسي الدائم – «ممولون من الخارج»، ولا عجب إذًا أن الكثير من معارضي السيسي ينادون بمقاطعة الانتخابات.

لن تصنع المقاطعة أي فارق، بإمكاني المراهنة على شيئين في هذه الانتخابات، بعيدًا عن دعم المسيحيين للسيسي بالطبع: الأول، سيحصل السيسي على ما بين %93.73 و97.7% من الأصوات، وسنرى. أما الرهان الثاني فهو هل سيتصل الرئيس ترامب بالسيسي بعد الانتخابات ليهنئه على الفوز؟ بالتأكيد سيفعل. وسيصفه بـ«الرجل العظيم» الذي يقوم بـ«دور عظيم»، أراهنكم أنه سيفعل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد