وصلت أعداد السُجناء السياسيين في السجون المصرية إلى قرابة 60 ألف سجين مطلع عام 2019، بحسب تقرير لمنظمة «هيومن رايتس ووتش». وذكر موقع «لوب لوج» الأمريكي أن لجنة المحامين لحقوق الإنسان أصدرت تقريرًا يصف السجون المصرية بأنها تحوَّلت إلى أراضٍ خصبةٍ لتجنيد السجناء لصالح «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)».

وأورد الموقع أن مايك بومبيو، وزير الخارجية، أشاد بالرئيس عبد الفتاح السيسي على «قيادته» في مواجهة «تهديد الإرهاب المتواصل والراديكالية الإسلاموية التي تُغذيه» حين زار القاهرة في 10 يناير (كانون الثاني). وفي الواقع، وثَّق التقرير الصادر هذا الأسبوع كيفية استغلال السجون المصرية في تغذية هذا التهديد تحديدًا، منذ وصول السيسي إلى السلطة في يوليو (تموز) عام 2013.

مترجم: كيف رسخ النظام المصري قواعده وأسكت أصوات المعارضة حتى الموالية له؟

وأعدَّ براين دولي، كبير مُستشاري لجنة المحامين لحقوق الإنسان بالولايات المتحدة، التقرير الذي يُسلِّط الضوء على مقابلات أُجريت مؤخرًا مع عشرات السجناء السابقين، ويفحص السُبل التي حوَّل عن طريقها العشرات من كوادر (داعش) السجون في مصر إلى مراكز تجنيد، بحسب الموقع الأمريكي. ويرى «لوب لوج» أن هذه القضية يجب أن تُشكِّل مصدر قلقٍ كبيرٍ لحلفاء مصر الدوليين الذين يُقدِّمون المساعدات الأمنية والدعم لنظام السيسي، وخاصةً في ظل احتجاز السلطات المصرية لـقرابة الـ60 ألف سجينٍ سياسيٍ، وأكثر من 100 ألف سجينٍ إجمالًا.

ونقل تقرير «لوب لوج» عن محمد نبيل، السجين السابق بسبب نشاطه المُعارض مع حركة «6 أبريل» اليسارية، قوله: إن سلطات السجن تضع المساجين الجُدد «بمجرد الانتهاء من تعذيبهم» داخل زنازينٍ تضُمُّ أعضاء (داعش). وتسبب غياب العدالة، إثر اعتقال الكثيرين لمُجرَّد نشر تعليقاتٍ ناقدةٍ للحكومة على مواقع التواصل الاجتماعي، في تأجيج تلك الأوضاح بحسب الموقع.

وقال أيمن عبد المجيد، الذي سُجِنَ عامي 2015 و2016: «يتعرض المعتقلون للصعق بالكهرباء داخل السجن، عن طريق الفم والأعضاء التناسلية. وبذلك يُصبحون جاهزين للاستماع إلى (داعش)».

وأورد الموقع الأمريكي تصريحات محمد سلطان، المصري الأمريكي الذي اعتُقِلَ في أغسطس (آب) عام 2013 وتنقَّل بين ستة سجونٍ ومراكز شرطةٍ مُختلفةٍ على مدار 22 شهرًا قال فيها: «ليست الراديكالية تغيُّرًا بسيطًا. إذ يحدث ذلك التغيير تدريجيًا في المعتاد. وتتواتر الأنباء عن هجمات داعش في مصر وسوريا وكل مكان، لذا يشعر البقية من بيننا بالهزيمة». وأضاف أن الانتهاكات تُشكِّل عاملًا مُساعدًا إضافيًا، وكذلك الشعور بالخذلان في ظل احتضان القوى الخارجية للسيسي.

ولاحظ محمد حسنين، الذي قضى ثلاث سنواتٍ داخل السجن بسبب دوره القيادي في منظمة غير حكومية لمساعدة أطفال الشوارع، أن السجناء المُرتبطين بجماعة الإخوان المُسلمين الهدف الأول لحملة السيسي القمعية هم الأقل عُرضةً للتأثر بجاذبية (داعش). وذكر الموقع أنه قال لدولي: «يتمتع الإخوان المسلمون بمواقع التواصل الاجتماعي. لكن (داعش) يستهدف الخارجين عن ذلك الهيكل (لتجنيدهم)».

وقال سلطان: إن سلطات السجن أبقت عليه في «عزلةٍ كاملة» على مدار ستة أشهر، باستثناء «عضوين أو ثلاثةٍ في (داعش) من سيناء، نجحوا في الحصول على وسيلة اتصالٍ بخلاف الجميع. وكان تهريب هاتفٍ إلى داخل السجن أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة لنا دائمًا، بعكس أعضاء (داعش)».

وأفاد موقع «لوب لوج» أن الأوضاع السيئة داخل السجون تُعَدُّ من ضمن المظالم الأساسية أيضًا، إذ تعكس بصورةٍ جزئيةٍ حجم الاحتجازات الجماعية التي تُميِّز فترة السيسي القمعية. وأورد المجلس القومي لحقوق الإنسان -مجلسٌ شبه رسميٍ في مصر- عام 2016 أن سجون البلاد مُمتلئة بنسبة 150% من سِعَتها الأساسية، في حين وصلت تلك النسبة داخل مراكز الشرطة إلى 200%.

وذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش عام 2015 أن سلطات السجون تحرم النزلاء من الأسِرَّة وأدوات النظافة الأساسية مثل فرش الأسنان، داخل السجن شديد الحراسة الذي يُعرف باسم «العقرب».

ولقي ستة نزلاءٍ على الأقل حتفهم داخل سجن العقرب بين شهري مايو (أيار) وأكتوبر (تشرين الأول)، نتيجة الإهمال الطبي في بعض الأحيان. وقال مأمور سابقٌ في سجن العقرب، خلال مقابلةٍ تلفزيونيةٍ عام 2012: إن السجن «صُمِّم بحيث أن من يدخله لا يخرج منه إلَّا في حالة الوفاة. وهو مُصمَّمٌ خصيصًا للسجناء السياسين».

ووثَّقت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية كيف «تُباع الاحتياجات الأساسية لسُجناء العقرب – التي تُلزم سلطات السجون بتوفيرها بموجب القانون – بأسعارٍ باهظةٍ» داخل مقصف السجن، كما وجدت سجونًا مصريةً أخرى تعيش «حالة السجون الربحية»، بحسب تقريرها الصادر في سبتمبر (أيلول) عام 2018.

وذكر التقرير أن كوادر تنظيم (داعش) زادت من جاذبيتها باتِّباع سياسةٍ تنُصُّ على الخشونة وعدم التعاون مع سلطات السجن، واجتذاب السجناء الآخرين بتوفير خدماتٍ مثل الطعام الجيد وإمكانية استخدام الهواتف الخلوية المُهرَّبة، بحسب ما ذكره أحد المُحامين الذين «يمتلكون عملاء داخل مُختلف السجون المصرية، ويُوفِّرون حمايةً أفضل من حُرَّاس السجن والسُجناء الآخرين».

ونقل عن سجينٌ سابقٌ آخر، أشار إليه دولي باسم فرهاد، وصفه كيف يتمتَّع المئات من كوادر تنظيم (داعش) داخل سجن وادي النطرون بعددٍ ونفوذٍ كافٍ «للسيطرة على كيفية إدارة السجن والتعرُّف على السُجناء الضعفاء من أجل نقلهم إلى زنازينهم وتجنيدهم». وحين حاول «محمود» وغيره من السجناء مواجهة الأمر، «هددنا أعضاء (داعش) بالعنف الجسدي، لذلك توقَّفنا».

وعدد التقرير التدابير التي نصح بها السجناء السابقون لمواجهة الراديكالية الداعشية داخل السجون، ومنها: وقف التعذيب، تحسين أوضاع السجون، وتيسير الزيارات العائلية والتقارب مع أفراد العائلة.

ويعلم المسؤولون الأمريكيون حقيقة المشكلة جيدًا، بحسب «لوب لوج». إذ قال جون كيري، وزير الخارجية الأسبق، للصحافيين خلال زيارته للقاهرة في أغسطس عام 2015 إنه أعرب للمسؤولين المصريين عن قلقه إزاء «عملية الراديكالية التي يُمكن أن تحدث عن طريق السجن والاحتجاز».

ووصف أحمد ماهر، قيادي «حركة 6 أبريل» السجين، كيفية الإبقاء عليه في «عُزلةٍ شديدةٍ وتحت حراسةٍ مُشدَّدةٍ وحرمانه من أبسط حقوقه. وتحوَّلت السجون فعليًا إلى أرضٍ خصبةٍ للمُتشدِّدين، وأصبح أشبه بمدرسةٍ للجريمة والإرهاب، نتيجة تكدُّس مئات الشباب فوق بعضهم البعض داخل الزنازين الضيقة، حيث يُقيم الجهاديون بجوار أعضاء الإخوان المُسلمين والثوريين والمُتعاطفين معهم»، وذلك خلال مقابلةٍ نُشِرَت قبل بضع أسابيع. وبعد مرور أشهر، نشرت جريدة الشروق اليومية المصرية الرائدة عنوانًا يصف سجن طرة بأنه «مركزٌ حكوميٌ لتجنيد داعش»، في أبريل (نيسان) عام 2016.

وأفاد دولي أن الكونجرس أصبح يُلزم وزارة الخارجية بالتأكيد على اتِّباع مصر لخطواتٍ بعينها من أجل دعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو شرطٌ أساسيٌ لاستمرار إرسال المساعدات العسكرية الأمريكية إلى مصر، بدايةً من العام المالي 2012. لكن «تنازلًا مُتعلِّقًا بالأمن القومي» سمح للإدارات المُتعاقبة بتجاهل ذلك الإلزام.

ويرى الموقع الأمريكي أن شروط الكونجرس لم تتطرَّق إلى أوضاع السجون ومعاملة السجناء والحاجة الماسة إلى إصلاح قانون العقوبات، واكتفت بالإشارة عرضًا إلى ضرورة الإفراج عن السجناء السياسين.

مترجم: صور القمر الصناعي تظهر حجم الدمار في سيناء قبل وبعد عمليات الجيش المصري

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات