نشرت مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية مقالًا منسوبًا للرئيس المصري الأسبق «جمال عبد الناصر»، يتحدث فيه عبد الناصر عن الأسباب التي دفعته وزملاءه للقيام بالثورة. يصف عبد الناصر في مقاله ـ بشكل مفصل ـ الوضع الذي رأي عليه مصر قبل الثورة، ثم تطلعاته لمستقبل البلاد بعدها، يتحدث عن المشاريع التي بدأ تنفيذها أو التخطيط لها، والسيادة الوطنية التي يريد استعادتها، والشكل الذي يريده لعلاقات مصر الخارجية. فيما يلي عرض لأبرز ما جاء في تلك المقالة.

مصر ما قبل الثورة

 معركة التل الكبير، خسر العرابيون فيها أمام الجيش البريطاني

لسنوات طويلة تعرضت كثير من بلدان العالم العربي للغزو الأجنبي، لكن الغزو لم يكن عسكريًا فقط، بل فكريًا أيضًا. أصبحت العقول العربية تحت السيطرة، وفاقدة للبوصلة الوطنية، لكنها أيضًا لم تستطع استيعاب القيم الغربية. التطبيق الخاطئ لأنماط حكم أجنبية أنتج خليطًا مشوشًا من الأنظمة السياسية، وأساليب الحكم. أصبحت الديمقراطية قناعًا للديكتاتورية، والدساتير التي من المفترض أنها كتبت لخدمة شعوب الشرق الأوسط أصبحت أدوات لاستغلالهم والسيطرة عليهم.

كان على الأمة المصرية على مر الزمن أن تواجه صراعين: صراعًا بين الأمة وحكامها، وصراعًا بين الأمة والغزاة الأجانب. أراد المصريون أبطالًا يقودون تحررهم، لكنهم كانوا يحصلون على أحزاب تتبع الحكام المستبدين أو الإقطاعيين، أو الأجانب الذين يخربون مصر، مثل البريطانيين. في الواقع احتل البريطانيون مصر بموافقة ضمنية من «الخديوي توفيق»، بعد الثورة الوطنية لعرابي. ادعى الخديوي الموافقة على الإصلاحات التي طلبها عرابي، لكنه فتح أبواب مصر أمام البريطانيين. عام 1882 قصف الأسطول البريطاني الإسكندرية، لكنه وجد مقاومة باسلة. قوات عرابي صمدت في البداية، حتى الرجل الأخير، لكن مع تواطؤ الخديوي خسر جيش عرابي وبدأ الاستعمار البريطاني لمصر.

اندلعت مظاهرات غاضبة، وأعلن البريطانيون أن الاحتلال مؤقت، لكنهم كانوا ينوون البقاء للأبد. وجد المستعمرون دائمًا عذرًا لتبرير بقائهم، في البداية قالوا إنهم يحمون الأجانب من المصريين، على الرغم من أن الأجانب لم يشتكوا أبدًا. ثم قالوا إنهم يحمون الأقليتين اليهودية والمسيحية من المسلمين، على الرغم من أن الأقليتين شاركوا المسلمين في المظاهرات المطالبة بخروجهم، ثم قالوا إنهم يحمون قناة السويس، ثم إنهم يحمون خط تواصلهم مع الهند والشرق الأقصى. عندما بدأت الحرب العالمية الثانية قالوا إن قناة السويس ذات موقع استراتيجي لا يمكن تركه، بعد انتهاء الحرب، قالوا إن عليهم البقاء لحماية مصالح العالم الحر.

منذ البداية استنزف المحتلون مصر، قاموا بحل الجيش المصري وشكلوا قوة رمزية يديرها ضباط بريطانيون، ثم تولى مستشارون بريطانيون مناصب في جميع أجهزة الدولة، مما أحكم سيطرتهم على مصر. تم منع التعليم الوطني، وإلغاء مشاريع للتعليم العالي، وتم تبني سياسات مالية أفقرت المصريين. كان على المصريين أن يدفعوا ثمن احتلالهم، وأن يفتحوا بلادهم للشركات البريطانية والوكالات الأجنبية، ليصبح السوق المصري خاضعًا لاحتكارهم.

أساسات الحكم الأجنبي كان تستند على النظام الإقطاعي الفاسد الذي بناه محمد علي، الرجل الذي أخذ الأراضي لنفسه وعامل الفلاحين كعبيد. استمر هذا الظلم بين أحفاده، واتسعت الفجوة شيئًا فشيئًا بين الحكام والشعوب. لاحقًا تم إلغاء احتكار الدولة المطلق للأراضي والتجارة وسمح بالملكية الخاصة، لكن ضرائب قاسية كانت تفرض على الفلاح المصري لتأخذ منه ثمرة كفاحه. مع هذا كانت الشركات الأجنبية تعمل معفية من الضرائب، فاستطاعت أن تهيمن على الطبقة التجارية المصرية الناشئة. النظام المصرفي الذي صمم في عهد الخديوي كان يهدف بالأساس لخدمة مصالح الطبقة الخاصة.

مراحل نضال الأمة

 

 أحمد عرابي باشا

كانت الأمة المصرية إذن على موعد مع معركتين، معركة للوصول إلى الاستقرار الدستوري، ومعركة أخرى من أجل السيادة والحكم الذاتي. من أهداف هذه المعارك كان الحصول على السيادة في الأمور المالية، وزيادة في الدخل الوطني والقومي، والارتفاع بمستوى الثقافة والمعيشة، كانت المسألة أن تستعاد كرامة الإنسان في مصر.

كانت الأمة تناضل بطريقتين: الأولى سلمية، والأخرى ثورية. النضال السلمي كان يتركز على زيادة الوعي، وتأسيس المجلات والصحف، لكن حين كانت تشعر الأمة أن لا فائدة من السلم، كان عليها أن تلجأ للقوة. لهذا مرت الأمة بثورات ثلاث: ثورة عرابي، ثورة عام 1919 وثورة يوليو 1952. حين تفشل ثورة في تحقيق أهدافها الأساسية، فإنها لا محالة تضع بذور غضب جديد. لهذا كان الكفاح المصري مستمرًا وطويلًا، ليحقق الهدفين العظيمين: الأول القضاء على الاستبداد، وجعل الأمة مصدرًا للسلطات، والثاني تحقيق السيادة الوطنية، وإيقاف استنزاف الأجانب للموارد المصرية.

عام 1936 وقعت معاهدة بين مصر وبريطانيا لإنهاء الاحتلال، لكن المعاهدة وضعت شروطًا دائمة لا تقل سوءًا عن الاحتلال الدائم. بعد المعاهدة استغل البريطانيون انقسام الأحزاب للمزيد من التدخل في شؤون مصر، كذلك استغل الملك فاروق توق الأحزاب للقوة ليحقق منافع خاصة على حساب الشعب. استحوذ على آلاف الأفدنة؛ بحجة الإعفاء من الضرائب، وأصبحت مصر بلدًا للمحاباة والفساد.

عندما شعر العرب بالحماس لإنقاذ فلسطين، لم تكن الحكومة المصرية جاهزة للمهمة. سوء الإدارة والفساد في عصبة الملك تسبب في ضياع تضحيات الجيش المصري هدرًا. أظهرت الحرب حجم الشر الذي انتشر في الحكومة المصرية. الغضب قاد الأمة للشوارع، حاولت الحكومة تشتيت الانتباه بإلغاء اتفاقية عام 1936، وهو مطلب شعبي بالتأكيد، لو تبنت الحكومة ما يلزم من الإصلاح بعد ذلك. لكن هذا لم يحدث، ما دعا إلى تشكيل «حركة الضباط الأحرار».

الثورة.. طريق وحيد للخلاص

 

 نجيب وناصر، عام 1953

كانت الثورة إذن الحل الوحيد. قادها الجيش ودعمها الشعب. قبل الثورة كان الجيش أداة الطغاة في وجه الشعب، بعدها أصبح يفهم دوره الحقيقي، أن يقود الشعب نحو حرية الوطن. لم تخسر الثورة الكثير من الدماء؛ هذا لأنها في الحقيقة تعبير عن مشاعر للأمة، تم كبتها لعصور طويلة. كانت الأمة قد أقسمت الولاء لـ«محمد علي»؛ في محاولة لخلع «المماليك»، لكن محمد علي، ومن أتوا بعده خذلوا تلك الثقة بالاستبداد، ومصادرة حقوق الأمة؛ لهذا لم يكن هناك بد من أن تطيح الثورة بالأسرة الحاكمة وتؤسس الجمهورية المصرية.

كان هدف الثورة الأول تحقيق السيادة الوطنية؛ لهذا كان يجب على القوات البريطانية أن تخرج من الأراضي المصرية بشكل كامل، وللأبد. كانت الحياة العامة فاسدة في مصر، والدستور أداة للتلاعب، والأحزاب تدعم الاستبداد؛ لهذا كان على الثورة أن تعلق الدستور، وتحل الأحزاب، وتطيح بالحكومة الفاسدة؛ لتبدأ مرحلة جديدة تناسب تطلعات الأمة.

كان النظام الإقطاعي سائدًا، ولم يكن توزيع الثروة عادلًا، لهذا وضع قانون الإصلاح الزراعي الذي ينظم ملكية الأراضي واستئجارها ويراعي حقوق المستأجرين. وزع القانون الفائض من الأراضي، وتلك التي صودرت من أسرة «محمد علي» الفلاحين الفقراء. كان هدف القانون تحرير الفلاحين من نير الإقطاع.

كان للثورة أيضًا برنامج واضح لإعادة الإعمار. تم إنشاء مجلس وطني للإنتاج؛ يهتم بالتخطيط لرفع الإنتاجية الوطنية، وتحديد سياسات التصنيع على نطاق واسع. أعيد تأسيس البنك الصناعي، والذي كان هدفه الأول مساعدة الصناعات الناشئة، وتوفير الدعم والمستشارين الفنيين للصناعات الموجودة بالفعل. كان على الثورة تحرير الاقتصاد المصري من السيطرة البريطانية على سوقه الداخلي والخارجي، أوفدت الثورة بعثات اقتصادية للعديد من الدول، كانت البعثات تحاول إيجاد أسواق للسلع المصرية.

محاور ثلاثة لبناء البلاد

 

 احتفالية افتتاح السد العالي

في هذا الجزء يتحدث عبد الناصر عن امتلاك النظام المصري الجديد سياسة واضحة؛ لإعادة بناء البلاد علي أسس جديدة، سياسة لها محاور ثلاثة تتكامل معًا، اقتصادية وصناعية وزراعية. في الخطة الإصلاحية المتكاملة، تساهم المشاريع الزراعية في تطوير الصناعة، وتساهم المشاريع الصناعية في تطوير الزراعة. السد العالي كمثال، سيوفر الطاقة للصناعة، بينما مصانع الأسمدة تزيد من خصبة التربة.

يستعرض المقال بعض الأمثلة على تلك السياسة.

المشروع الأساسي «السعد العالي» يهدف أولًا إلى زيادة الإنتاج الزراعي المصري بنسبة 50%. قبل السد العالي كان مجموع الأراضي الزراعية المصرية 6 ملايين فدان، استهدف السد خلق 2 مليون فدان آخرين، وتوفير الري الدائم لآلاف الفدادين في صعيد مصر. السد ليس حائطًا حجريًا تقليديًا، لكنه «جرانيت» هرمي يبلغ سمكه نحو نصف كيلومتر وارتفاعه 150 مترًا، ليصبح السد الأعلى، وذا البحيرة الأكبر في العالم.

بعد بناء السد العالي هناك مشروعات صغيرة لتوسيع الأراضي الزراعية. يغطي المشروع أراض من الدلتا والصعيد، وأجزاءً كثيرة من مصر، لتصبح الخطة النهائية استصلاح 600 ألف فدان قد تتضاعف في عمليات التوسيع المستقبلية. هناك خطة أخرى لاستصلاح 50 ألف فدان في شمال سيناء ليستفيد منها اللاجئون الفلسطينيون، ستمر المياه من نفق تحت قناة السويس لري تلك المنطقة، وسيتم تمويل الخطة من قبل الأمم المتحدة.

بعيدًا عن زيادة الأراضي الزراعية، هناك محاولات لزيادة الإنتاج الزراعي من الفدان الواحد. برنامج الإصلاح الزراعي ساهم في هذا أيضًا، حين يتملك المزارع أرضه فإنه يزيد إنتاجية الفدان. كمثال على هذا زاد محصول قصب السكر في صعيد مصر من 733 قنطارًا للفدان إلى 908 قطارًا. تشكلت جمعيات تعاونية ريفية تمد أصحاب الأراضي الصغار بالماء والحبوب والأسمدة والماشية والنصائح الفنية. كما اتخذت وزارة الزراعة تدابير من شأنها مكافحة الآفات وزيادة الثروة الحيوانية والألبان والحبوب والمنتجات الأخرى.

مراجعة للقوانين التي تقف في وجه بناء مصر

مصانع الأسمدة في أسوان


هناك خطط أيضًا لاستغلال مصادر النفط. كانت الخطوة الأولى مراجعة قانون التنقيب الذي يحظر عمل الشركات الأجنبية في مصر. سمح للشركات بالعمل، ومنحت امتيازات لشركات النفط الأجنبية. بدأت شركات بالعمل في الصحراء، وفي شبه جزيرة سيناء وفي آبار النفط في البحر الأحمر، بالإضافة إلى ذلك تم تطوير مصفاة التكرير في السويس؛ ليتزايد إنتاجها من 300 ألف إلى مليون و 300 ألف طن سنويًا. هناك أيضًا خط أنابيب يجري بناؤه بين السويس والقاهرة؛ لتقليص تكاليف النقل.

أيضًا تبنت الحكومة إجراءات لدعم القطاع الخاص، مثل تخفيض الجمارك وتشجيع رأس المال الأجنبي. من المتوقع أيضًا أن يحول برنامج الإصلاح الزراعي أجزاء كبيرة من رأس مال الأمة من الزراعة إلى الصناعة؛ لأن كبار الملاك يتم تعويضهم عن أراضيهم بسندات يمكن استثمارها في مشاريع صناعية.

أكبر المصانع في المخطط هي مصانع الأسمدة، سيكون الإنتاج الأولي 375 ألف طن، ليزيد إلى 500 ألف، بعد أن ينتهي السد العالي ويمد المصانع بالطاقة. تأتي بعدها مصانع الحديد والصلب، والتي يجري تشييدها بالفعل، هذه المصانع تبدأ عهد الصناعات الثقيلة في مصر، خاصة أن مناجم الحديد في أسوان غنية بما يكفي لتمد مصر بما تحتاجه من حديد لمدة 500 عام. ثمة مشاريع أخرى يمكن ذكرها، مصانع ورق تنتج أوراق الكتابة والطباعة والجرائد للاستفادة من «تفل قصب السكر» و«قش الأرز» المتواجدين بكثرة في الأسواق المحلية، وهناك مصانع «بنجر السكر» و«مصانع الإطارات» و«مصانع الحبال».

الزيادة في الإنتاج الزراعي والصناعي تتطلب منافذ جديدة في الأسواق الأجنبية، كانت مصر تعاني من عجز في الميزان التجاري قيمته 225 مليون دولار عام 1952، في السنوات العشر التي سبقت الثورة وصل العجز الكلي إلى 1.5 مليار دولار، لكن حكومة الثورة استطاعت أن تتغلب علي هذا العجز، لتصل الأرباح إلى 61 مليار دولار بعد أقل من عامين.

تطلبت هذه الإنجازات جهودًا مضنية في الداخل والخارج، في الداخل، تم منع تدخل الحكومة الفاسدة في تحديد أسعار القطن، والتي تسببت في ارتفاع مستمر في سعره، وتم القضاء على الممارسات غير المشروعة ليستعيد القطن المصري ثقة الأسواق العالمية. تبنت السياسات التجارية مبدأ فصل السياسة عن الاقتصاد، لهذا لم تكن هناك تفرقة بين الشرق والغرب في بيع القطن والاتفاقات التجارية الخاصة به. القطن هو العمود الفقري للاقتصاد المصري، ولقد نجت مصر في تسويق محصولها من القطن عالميًا.

لتحسين الميزان التجاري تم خفض الواردات من السلع غير الأساسية، وتقييد الاستيراد من الدول التي ليس هناك اتفاقات تجارة معها. مع الانتهاء من خطط التوسع في الزراعة والصناعة سيكون ممكنًا تخفيض الواردات من المواد الغذائية والسلع المصنعة. سيكون القمح على رأس هذه المواد، ثم النفط والأدوات المنزلية. هذا لن يحسن الميزان التجاري فحسب، ولكن أيضًا سيحافظ علي العملة الصعبة.

إصلاحات اجتماعية تهدف إلى مجتمع أكثر رفاهية وتسامحًا

محمد علي باشا، كان على الثورة أن تتخلص من إرثه الإقطاعي والطبقي


سياسة المحاور الثلاثة لإعادة بناء الاقتصاد المصري لها هدف واحد: رفع مستوى المعيشة للشعب. الفلاح المصري لم يعد مستعبدًا من كبار ملاك الأراضي، هو الآن سيد نفسه؛ فبرنامج الإصلاح الزراعي أدى إلي زيادة كبيرة في دخله. العامل المصري أيضًا يتم تحديد أجره في كثير من الأحيان من قبل لجان مشتركة تضم ممثلين عن مديريه والعمال والحكومة. تختلف الأجور وفقًا لعوامل عديدة، بما في ذلك نوع العمل، والحالة الاجتماعية للعمال، والمنطقة التي يعمل بها، الثابت أنه سيحصل في جميع الأحوال على أعلى أجر تسمح به خطط التوسع الصناعي.

لزيادة رفاهية الشعب، تبنت الحكومة برنامجًا واسعًا من الخدمات الاجتماعية. يشمل البرنامج إنشاء وحدات للرعاية الاجتماعية في المناطق الريفية، تخدم كل منها 15 ألف نسمة، وتشمل كل منها مدرسة ومركزًا صحيًا. بنهاية السنوات العشر المطلوبة لإنجاز المشروع الأكثر طموحًا، السد العالي، يعتقد أن يرتفع الدخل القومي لمصر للضعف على الأقل، ما يعني زيادة مقابلة في مستوى معيشة الأمة، في الوقت ذاته، ولمعالجة الطبقية الاجتماعية التي قسمت المجتمع المصري إلى أطراف تعادي بعضها بعضًا، ألغيت علامات التمييز الاجتماعي والألقاب والأوسمة مثل «أمير» أو «باشا» أو «بيك».

هذه إذن هي أهداف الثورة، وضع حد لاستغلال الناس وتحقيق التطلعات الوطنية وتطوير وعي سياسي ناضج يجعل الشعب يفهم واجباته وحقوقه كمواطن، وهو أمر أساسي لبناء ديمقراطية صحية؛ لأن الهدف النهائي هو حكومة ديمقراطية تمثل جموع الشعب، وليس مجرد نوع من الديكتاتورية البرلمانية التي يفرضها «الباشوات» وسكان القصور على الأمة. في الماضي، كان البرلمان أداة لعرقلة تحسين الأوضاع الاجتماعية. في المستقبل يجب أن يخدم البرلمان المصري جموع المصريين، وليس فئة بعينها. لهذا تتكون لجنة كتابة الدستور من ممثلين من جميع فئات الشعب والأديان السماوية الثلاثة.

على الثورات أن تتخلص من أعدائها

سيد قطب، أعدمته حكومة عبد الناصر


أثناء التخطيط للمستقبل، يجب أيضًا التخلص من آثار الماضي الفاسد، لاسيما الجماعات التخريبية والرجعية التي انتشرت على نطاق واسع، إن أكبر عدو داخلي للشعب هم الشيوعيون الذين يخدمون الحكام الأجانب، وجماعة الإخوان المسلمين التي لا تزال تسعى للحكم عن طريق تنفيذ الاغتيالات، وحكام الماضي الذين يرغبون في إعادة سلطتهم مرة أخرى.

الجماعات الدينية الرجعية مثل جماعة الإخوان المسلمين ليست جماعات سياسية خالصة، ولا دينية خالصة. هدفهم النهائي هو السلطة ويدركون أنها تعتمد أساليب تتعارض مع روح الإسلام وروح العصر. الإسلام مستمد من فلسفة شاملة لا يفشل أبدًا في استيعاب مختلف المشاعر الإنسانية. ليس فقط في المجال الإنساني، ولكنه يمتلك مرونة وتسامحًا. لديه مبادئ في كل شيء، تنطبق على الزمان والمكان ومراعاة حقوق الإنسان. وتدين التعصب والإرهاب والتعصب والكراهية المنظمة. تعاليمه تشكل جوهر الديمقراطية الحقيقية.

إننا فخورون بأن ثورتنا كانت بيضاء. كان علينا فرض بعض القيود لمنع أعداء الشعب من استغلال الناس وتسميم عقولهم، ولكن إن كنا قد استخدمنا سلطتنا، فقد كان ذلك من أجل تمهيد الطريق لحياة أفضل للرجال والنساء في بلادنا، نريد رفع هذه القيود في أسرع وقت، وسنفعل بمجرد أن نشعر أن الناس لم يعد يهددهم الأشرار.

الجامعة العربية.. وعلاقات مصر الخارجية

 

القمة العربية في القاهرة عام 1955

على الرغم من أن التقارير الصادرة من أعداء العرب تؤكد عكس ذلك، فجامعة الدول العربية هي حقيقة واقعة. قد تكون بالفعل هناك بعض الاختلافات الاجتماعية والاقتصادية بين دولة عربية وأخرى، تمامًا كما توجد اختلافات بين دول الاتحاد الأوروبي، لكن العرب لديهم قواسم مشتركة أكثر من الدول الأوربية. دول الجامعة العربية يتصورون أنهم قادرون على التوحد في قوة تساهم في تحقيق السلام العالمي والدفاع عن المنطقة.

جهود توحيد الدول العربية واجهت عراقيل كثيرة، أهمها المؤامرات من الدول الأجنبية، لكن الوحدة قابلة للتحقق في جميع المجالات. خلال مناقشات إخلاء قناة السويس من القوات البريطانية، تم التأكيد على أن الإخلاء لن يخلق فراغًا عسكريًا في الشرق الأوسط، بل سيمهد الطريق أمام خلق دفاع قوي عن القناة.

يجب أن يكون الدفاع عن الشرق الأوسط مسؤولية أهله، لا قوى خارجية، كل شعب أدرى بأرضه، هذه أفضل طريقة تستطيع بها الشعوب حماية أراضيها. منذ قرن مضى وبتعداد سكان يبلغ نصف التعداد الحالي كان لمصر جيش قوامه 200 ألف عسكري، ليس هناك سبب يجعل 70 مليون عربي غير قادرين على بناء جيش يدافع عنهم. لدى بلادنا ثروات كثيرة، والعرب الذين حصلوا على فرصة للتعليم أثبتوا أنهم لا يقلون في قدراتهم عن أقرانهم في العالم.

ثمة خوف دائم من أن العرب سيهاجمون إسرائيل فورًا؛ إذا حصلوا على قوة عسكرية. الحقيقة هي أن المصريين يشعرون أن ظلمًا كبيرًا وقع على العرب، خاصة ضد مليون أو أكثر من الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم من بلادهم. السياسية الإسرائيلية عدوانية توسعية، لكننا مع ذلك لا نسعى لبدء أي نزاع. الحرب ليس لها مكان في السياسات البناءة التي نحاول اتخاذها لتحسين أوضاع شعوبنا. هناك الكثير لفعله في مصر، وباقي الدول العربية لديها الكثير لتفعله أيضًا.

هناك حديث عن مخاطر تسلل شيوعي إلى الحركات التحررية العربية والإفريقية، ليس من الحكمة أن تنظر الولايات المتحدة للحركات التحررية الوطنية والمخلصة هذه النظرة؛ لأن هدفهم الوحيد هو رؤية بلادهم متحررة من الهيمنة الأجنبية. تحجم أمريكا عن دعم الحركات الوطنية خوفًا من الشيوعيين، هذا الخوف هو الذي يعطي الشيوعيين فرصة للاستيلاء على حركات تبدأ فقط كحركات وطنية صادقة.


هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد