كان نبيل البستاني متوجهًا إلى سيناء في السادس من أكتوبر لمقابلة أخيه طارق لقضاء الإجازة. وفي طريقه قابل كمين شرطة خارج مدينة شرم الشيخ حيث تم إجراء فحص جنائي عليه، وكان اسمه موجودًا بالفعل في قاعدة البيانات بسبب قضية قديمة تضمنت عدة اتهامات باطلة تمت تبرئته منها. وصل طارق للكمين ليجد الشرطة مصرة على القبض على أخيه نبيل بالرغم أن الأخير قد قدم نسخة يحملها معه دائمًا من الأوراق التي تفيد براءته. حاول صديق طارق الذي كان موجودًا أيضًا إقناع الشرطي بالأمر ولكن بينما كانا يتحدثان، تدخلت قوات الجيش وأخذت نبيل لمخيم عسكري قرب سيناء.

ذهب طارق مع أخيه إلى المخيم في سيارة الجيش، حينما وصلا قيل له إنه غير مسموح له بدخول المخيم فقرر انتظار أخيه في الخارج حتى يتم الإفراج عنه. وبحلول الليل حذرت السلطات طارق تحذيرًا صارمًا أنه إن لم يغادر قد يتم القبض عليه هو أيضًا أو حتى أسوأ من ذلك. غادر طارق المخيم على مضض وعاد في اليوم التالي ليجد ما كان خائفًا منه قد حصل. اختطف الجيش أخاه نبيل وأخفاه.

تخطت قصة نبيل إطار النظام التقليدي لقمع المواطنين. استمر طارق في البحث عن أخيه في العديد من المخيمات في السويس وفي الإسماعيلية. وكان حريصًا في البحث باستخدام شتى الطرق القانونية الممكنة حتى لا يزعج السلطات التي تتخذ إجراءات تعسفية ضد كل من يطالب بالعدالة. ولكن باءت كل محاولات طارق بالفشل. فقد عرف عن طريق أحد المصادر أن أخيه في الإسماعيلية بينما قالت مصادر أخرى أنه في السويس. ولكن التصريح الرسمي من الجيش أن نبيل ليس بحوذتهم. الآن طارق لا يعرف إذا ما كان سيستمر حبس أخيه حتى نهاية الانتخابات أم سيتم تلفيق تهم أخرى له بخصوص الأحداث الإرهابية التي رأيناها من قبل.

يقف النظام القانوني المصري عاجزًا مع النشطاء الحقوقيين في وجه السلطة العسكرية التي قررت اختطاف شاب وإخفاء مكانه، وأيضًا حرمان عائلته من معرفة السبب. في الواقع حكم النظام الحالي على مواطنيه الباحثين عن حقوقهم بأن يكونوا بلا حول ولا قوة، غير قادرين على التصريح بالظلم الواقع عليهم أو على أحبائهم.

في شهري أغسطس وسبتمبر فقط تم توثيق وقوع ٢١٥ حالة اختفاء قسري عن طريق المفوضية المصرية للحقوق والحريات، طبقًا لرئيسها  محمد لطفي. تم أيضًا توثيق ١٦٣ حالة في الفترة من أبريل حتى يونيو قبل ذلك عن طريق حملة (الحرية للجدعان).

يعتبر غياب القانون والإفلات من العقاب والاختفاء القسري إشارات قوية لتفكك النظام. كما أن الاختفاء القسري على وجه الخصوص يعد أخطر إشارة تدل على أن أدوات النظام القمعية المدعومة بالقانون لم تعد كافية. وهكذا اضطرت السلطة إلى اللجوء لتدابير غير قضائية ولا أخلاقية حتى تتمكن من السيطرة على التهديدات المحتملة بالنسبة لها. ولم يصل الأمر فقط للاختفاء القسري حيث وقعت أيضًا عدة حوادث اغتيال وإعدامات غير قضائية على مدار الشهور المنصرمة.

عندما يغيب النظام، يتغير اعتقاد الناس تجاه الدولة فبدلًا من أن يشعروا بالاحترام تجاه الكيان الذي من المفترض أن يصون ويحمي العدالة، تجد أن هذا الشعور قد تبدل وتحول لشعور بالسخط، وأن أي محاولة من الدولة لجمع الأموال من الناس تعتبر الآن ابتزازًا.

وعلى نحو مماثل، في حادثة صادمة ولكن ليست مفاجئة تم إلغاء محاضرة علمية عن كوكب المريخ للعالم عصام حجي لدواعٍ أمنية. وتنم هذه الحادثة عن الخوف أو السخط (ولا يجب أن يكون أي منهما أساسًا للحكم). يذكر أنه من المعروف عن دكتور عصام حجي أنه انتقد جهاز علاج الإيدز الذي أعلن عنه الجيش في فبراير ٢٠١٤.

تتلاشى الثقة في النظام الحالي ووعوده المستمرة بالإصلاح يومًا بعد يوم. حيث إن عدد مشاركة الناخبين في انتخابات مجلس الشعب كان ضئيلًا جدًّا بالرغم من محاولة معالجة الأمر عن طريق الانتخابات التي وصلت نسبة المشاركة فيها لـ ٢٦٪ بالرغم من إعلان رئيس نادي القضاة أن النسبة كانت ٦٪ فقط. فمن غير الواضح أن هناك من يصدق الرقم المعلن أخيرًا.

تتجه مصر للسعي نحو استرجاع النظام القديم وحكم الأقلية عن طريق برلمان تم إجهاضه شرعيًّا بانضمام كوكبة من أكثر الشخصيات فسادًا. بينما ظلت قوى الغرب راضية عن هذا المسار طالما أن اقتصادهم يظل مزدهرًا.

يستمر نبيل ومئات أخرى من الشباب مثله في الذبول والفتور داخل زنازين السجون بدون تهمة. فيعيش أسرهم في كابوس حيث إنهم غير قادرين على إيجاد أبنائهم وبناتهم المختفين قسريًّا. والأسوأ من ذلك أن انتهاكات النظام مدعومة من قبل لا مبالاة أو سكوت وتواطؤ المجتمع الدولي.

يتمثل المبرر لهذا السكوت في الرغبة للوصول لدولة مستقرة تحت حكم السيسي. ولكن لا يبدو أن هذا قد تحقق، وخصوصًا أن حالة عدم الرضا والغضب عند العمال تزداد يومًا بعد يوم حيث تقترب الدولة نحو الوقوع في هاوية اقتصادية عميقة. حيث تقل قيمة الجنيه أكثر فأكثر، وهنالك أيضًا ازدياد ملحوظ في غزارة الإضرابات كإضراب عمال المحلة الأخير الذي بدأ في التاسع عشر من أكتوبر.

يخطط السيسي لزيارة المملكة المتحدة ليحصل على المزيد من الدعم الدولي. لكن لن يكون هناك قيمة لنبيل وكل من هم مثله داخل تلك الغرف حيث تحاك أكثر الصفقات فسادًا على حساب الأفراد. كل ما يمكننا فعله هو السؤال ولكن تم تجاهل هذا السؤال بزيارة هذا الرئيس الطاغية واستقبال السياسي الفاسد له؛ مما مهد الطريق لاختفاء نبيل قسريًّا ومعه الكثيرون غيره.

قد يكون نبيل بالنسبة للعموم من الناس مجرد اسم آخر. فحاليًا يتحول كل من يختفي قسريًّا أو ينتهي به المطاف في السجن إلى مجرد رقم فيما يسمى “الحرب على الإرهاب”. ولكن هؤلاء الناس وعائلاتهم ومعاناتهم حقيقية. كما أن من يدعم انتهاكات هذا النظام حقيقي والصفقات التي يعقدونها على حساب معاناة الآخرين حقيقية أيضًا. يتفكك النظام أكثر فأكثر كلما لجأت الدولة لمثل هذه الإجراءات غير القانونية لمعاقبة مواطنيها، بينما تتفكك معه إنسانيتنا مع استمرارنا في التزام الصمت.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد