نشر موقع «مشروع أبحاث ومعلومات الشرق الأوسط (MERIP)» مقالًا للكاتب وائل إسكندر، وهو صحافي مصري مستقل ومدون مقيم في القاهرة. يتناول المقال أساليب النظام المصري القمعية لوأد أي نوع من أنواع المعارضة القائمة أو المحتملة في البلاد من أجل ترسيخ عقيدة الصوت السياسي الواحد، الذي من شأنه أن يدفع مصر إلى الأمام حسبما يرى النظام الحالي.

أشار إسكندر في بداية مقاله إلى زيارة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى مصر في 9 يناير (كانون الثاني) 2019، والتي هدفت إلى تسليط الضوء على رؤية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب «أمريكا أولًا»، التي تنطوي على دور الولايات المتحدة الحازم في الشرق الأوسط، وذلك أمام جمهوره في الجامعة الأمريكية بالقاهرة. وذكر الكاتب تشديد وزير الخارجية الأمريكي أنَّ «أمريكا هي قوة خير في الشرق الأوسط».

إلا أنَّ إسكندر انتقد عدم إشارة بومبيو في خطابه إلى حماية حقوق الإنسان أو الديمقراطية، أو حتى التخفيف من وطأة الفقر المنتشر في مصر أو كبح جماح الدولة البوليسية الوحشية، وهي القضايا التي كانت في قلب الثورات العربية في عام 2011، والتي يبدو أنَّها أصبحت صعبة المنال في مصر اليوم عما كان عليه الوضع قبل ثماني سنوات. ويقول إسكندر إنَّ خطاب بومبيو يشير إلى أنَّ الولايات المتحدة سوف تؤيد بفعالية حملات القمع ضد حريات المواطنين في العالم العربي، مثل تلك التي تحدث في مصر اليوم، من أجل مواصلة عدائها تجاه إيران وأي شيء آخر فيه مصلحة كبرى للولايات المتحدة.

ويرى الكاتب أنَّه بينما لا تعد الاعتقالات الجماعية والاحتجاز التعسفي أمورًا جديدة على مصر، فإنَّ تصاعد وتزايد الاعتقالات خلال العام الماضي يشير إلى أنَّ العقلية السلطوية للنظام المصري قد تغيرت بشكلٍ كبير منذ تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي، الرئيس السابق للمخابرات العسكرية، السلطة في انقلابٍ عسكري في عام 2013.

منذ ذلك الحين، بحسب الكاتب، اعتقل النظام ما لا يقل عن 60 ألف شخص أو وجهت لهم اتهامات، وأخفت مئات الأشخاص قسرًا، وحاكمت الآلاف من المدنيين في المحاكم العسكرية، فضلًا عن قتل أنصار الإخوان المسلمين واعتقالهم واستهدافهم تحت راية محاربة الإرهاب، واتُهم العديد من المعارضين بالانتماء إلى الجماعة المحظورة لتبرير اعتقالهم.

وينوه إسكندر على أنَّ وتيرة الاعتقالات تسارعت في عام 2018 فقط كجزءٍ من حملة الاعتقالات الجماعية التي شنتها الشرطة وقوات الأمن المصرية ضد العاملين في مجال حقوق الإنسان، والمحامين، والصحافيين، والنشطاء السياسيين، إلى جانب عددٍ متزايد من المقربين من النظام السابق، وطالت حتى الشخصيات العامة المؤيدة للنظام الحالي.

ويضيف أنَّ الحكومة وضعت تشريعاتٍ مقيدة ضد المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، وعززت قوانينها الصارمة الخاصة بمكافحة الإرهاب، من بين تدابير أخرى، لتكميم الأفواه وإسكات المعارضة من أي نوع. وأوضح أنَّ التعذيب والمعاملة السيئة منتشران في السجون والمرافق الأمنية في مصر

إليك الترجمة الكاملة لنص حلقة «سي بي إس» الأمريكية مع السيسي ومحمد سلطان

ومع ذلك، يرى الكاتب أنَّ حملة الاعتقال المتصاعدة للحكومة المصرية لا تتعلق ببساطة بمجرد احتجاز المعارضة، بل تهدف إلى ما هو أكثر من ذلك، القضاء على أي ثغرة قد تؤدي إلى ظهور المعارضة.

يرى إسكندر أنَّ مصر تحت حكم الديكتاتور السابق حسني مبارك كانت مثل العديد من الديكتاتوريات الحديثة، تتمتع بنظامٍ إداري حيوي يشمل أجهزة أمن وحشية، وحزب حاكم، ومعارضة خاضعة للسيطرة، ووسائل إعلام تزعم أنَّها حرة.

وأضاف أنَّ السيطرة على الإسلاميين كانت تتم من خلال مزيجٍ من الصفقات السرية واستخدام القوة الصارمة، وأنَّهم مُنحوا في بعض الأحيان مساحةً للتحرك، وفي أوقاتٍ أخرى واجهوا إجراءات أمنية مشددة. وظلت السلطة القضائية تحت السيطرة في معظمها، في حين كانت هناك فرص للاستقلالية تُمنح للقضاة إذا اختاروا استخدامها، ولا سيما في مجالات مثل المحاكم الإدارية ومحاكم النقض.

وأوضح أنَّ أي معارضة في زمن مبارك كان يجري استهدافها من خلال ترسانةٍ من الأسلحة تراوحت بين التهديدات البسيطة، والضغوط المتعلقة بممارسة الأعمال التجارية، وحتى الاختفاء القسري.

ويشدد إسكندر على أنَّ هذا الشكل القديم للحكم السلطوي يختفي الآن في مصر، إذ يقول إنَّه في حين أنَّ الجهاز الأمني بشكل عام هو في الأساس نفس الجهاز الذي كان في عهد مبارك من حيث أدواته وتكتيكاته، فإنَّ هناك تحولًا استراتيجيًا ملحوظًا من مصر مبارك إلى مصر السيسي، من حيث كيفية استخدام هذه التكتيكات ومن يستخدمها.

بحسب الكاتب، في ظل حكم الرئيس السيسي، أصبح نهج النظام أقل تساهلًا بكثير مع أي معارضة، حتى داخل صفوف الموالين للدولة والمعادين لأي شكلٍ من أشكال المقاومة الثورية. إذ يقول إسكندر إنَّ الحكومة لم تعد متسامحةً حتى مع أبسط إيماءات الديمقراطية الزائفة التي كانت موجودةً في عهد مبارك، مهما كانت رمزية ولا معنى لها. لم يعد هناك حزب حاكم، ولا قبول لدور المعارضة الذي كان يمارسه مؤيدو النظام في السابق، ولا حتى التظاهر بوجود صحافة حرة. ويشير إلى أنَّ هذا التحول الاستراتيجي في أهداف القمع صاحبه تحول كبير في توازن القوى بين الأجهزة الأمنية مثل جهاز أمن الدولة (الذي أعيد تسميته الآن باسم قطاع الأمن الوطني المصري)، والاستخبارات العامة، والاستخبارات العسكرية.

تحت حكم مبارك، سيطر جهاز أمن الدولة على الفضاء الداخلي المصري من حيث الاستراتيجية والتنفيذ. وبعد اندلاع الثورة في عام 2011، تحول التوازن بينهما، إذ تدخل الجيش لممارسة مزيدٍ من النفوذ على الشؤون الداخلية من خلال فرع الاستخبارات العسكرية، وبلغ ذروة تدخله مع إطاحة محمد مرسي في عام 2013.

«فورين بوليسي»: ليس أفضل من مبارك.. هكذا تغيَّرت مصر في عهد السيسي إلى الأسوأ

وعلاوةً على ذلك، لم يعد النظام بحسب الكاتب يستشهد بمخاوف الإرهاب والأمن كذريعة للاعتقالات، بل يجري استهداف المعارضين دون سبب وجيه، وبدون حتى المستندات الواهية التي كانت تبرر مثل هذه الاعتقالات في الماضي. ويشدد إسكندر على أنَّ التوجه الحالي للدولة هو اتهام المعتقلين بنشر معلومات كاذبة والانضمام إلى مجموعة محظورة، وأنَّ هذا الاتهام يضمن إحالة المعتقلين لمقاضاتهم أمام جهاز أمن الدولة، مما يؤدي بدوره إلى ضعف الرقابة القضائية.

وفي رأي إسكندر، لم يوجد في تاريخ مصر الحديث هجوم أوسع نطاقًا أو أكثر قسوة من الهجوم الحالي الذي تشنه الدولة ضد الحقوق. فمحاولة السيطرة على المجال الاجتماعي والسياسي تشير إلى حدوث تغيير كبير في نظرة النظام الحالي للحكم السلطوي في أعقاب الثورة الشعبية التي اندلعت في 25 يناير (كانون الثاني) 2011.

وبعد ثمان سنوات، على الرغم من سيطرة النظام الصارمة على الشارع ومؤسسات الدولة، تحذر تصريحات السيسي حول ثورة 2011 في كثيرٍ من الأحيان من العزم على منع تكرارها، وأشار إسكندر إلى قول السيسي: «ما حدث قبل سبع أو ثمان سنوات لن يتكرر مرة أخرى في مصر. ما لم ينجح وقتها، لن ينجح الآن. لا … يبدو أنَّكم لا تعرفونني جيدًا».

وينوه كاتب المقال على أنَّ هذه الحالة غير المسبوقة من القمع لم تكن ممكنة دون ترسيخ السيسي للسلطة داخل مؤسسات الدولة في مصر منذ عام 2013، والفوز بدعم وتواطؤ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، جنبًا إلى جنب مع الدعم المالي من حلفاء مصر في الخليج مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وكذلك البيئة الدولية والإقليمية المتساهلة على نحوٍ متزايد مع الحكام المستبدين والسلطويين، والتي يتبناها الرئيس ترامب بشدة، على النحو الذي ظهر في خطاب بومبيو في القاهرة.

تقييد فضاء المعارضة

هناك عددٌ من العوامل التي تغذي التكهنات حول سبب حدوث القمع المتصاعد الآن، خاصةً وأنَّ معظم الاعتقالات تتم بدون تهم واضحة، أو أدلة، ولا تمثل ردًا على أي أعمال تهديد أو أعمال غير قانونية قام بها معظم المعتقلين.

يقول إسكندر إنَّ مصر تواجه حاليًا مصاعب اقتصادية متنامية، يُشار إليها غالبًا كعامل يغذي رغبة الدولة في إبقاء الشارع تحت السيطرة. وقد أدت ما يسمى «الإصلاحات الاقتصادية»، وطباعة النقود بمقدار كبير من قبل البنك المركزي إلى زيادة التضخم وانخفاض مستوى المعيشة بشكل عام.

بالإضافة إلى ذلك، عانت الشركات الخاصة في ظل استغلال الشركات المحسوبة على الجيش لهيمنته على السياسة للحصول على حصةٍ أكبر من السوق في مختلف الصناعات. ويشير الكاتب إلى أن نفوذ الجيش المتنامي في ظل التدهور الاقتصادي يجعله ينظر إلى المواطنين العاديين باعتبارهم العدو الذي يجب إرغامه على قبول السياسات الجديدة.

يضيف إسكندر أنَّ هناك أيضًا تكهنات بأن الحكومة تستعد لتغيير الدستور لتمديد حكم السيسي (لم يكن قد تم الإعلان عن هذه الخطوة وقت نشر المقال الأصلي) أو أنَّ الحكومة ربما تكون قد أعدت الأرضية لتبني صفقة إدارة ترامب المثيرة للجدل المعروفة باسم «صفقة القرن» بين إسرائيل والفلسطينيين، والتي قد تنطوي على دور مصري كبير في غزة.

مترجم: ليس أسوأها مد فترة الرئاسة.. 6 تعديلات أخرى للدستور المصري لا يتحدث عنها أحد

ويلفت كاتب المقال الانتباه إلى أنَّه رغم كل العوامل الموجودة على الأرض في مصر، يرى نظام السيسي سقوط مبارك على أنَّه تحذير لما قد يحدث عندما يُسمح بإتاحة مساحة كبيرة للمعارضة، حتى لو كانت معارضة خاضعة للسيطرة. وبالتالي، يُنظر إلى فكرة وجود حزب حاكم خادم للنظام، وقضاء مُذعن له إلى حد كبير، ووسائل إعلام تعمل داخل قبضته، على أنَّه تساهل كبير لدرجة أنَّه لن يضمن بقاء النظام: فالسياسة بحد ذاتها هي العدو. والنظام يتشبث بعقيدة واحدة مفادها أنَّ صوتًا سياسيًا واحدًا موحدًا هو وحده ما يمكن أن يدفع مصر إلى الأمام. والأكثر من ذلك، أنَّ حملة النظام القمعية تجاوزت قمع المعارضة العلنية أو السرية، لتصبح معركةً ضد الساحات القائمة والمحتملة حيثما يمكن أن تكون هناك معارضة في المستقبل.

ويضيف إسكندر أنَّ هذا التحول الأوسع في السلطوية المصرية في ظل السيسي لا يتضح من حجم حملة القمع فحسب، بل أيضًا من خلال نمط الاعتقالات والسياسات القمعية الأوسع الذي حدث منذ عام 2013، والذي اتخذ منعطفًا قاسيًا في العام الماضي.

عند توليه السلطة في عام 2013، قدم السيسي تشريعًا يُغلق الطرق المحتملة للمعارضة من أجل ترسيخ حكمه. وتشمل الأمثلة الأولى على ذلك قانون التظاهر، الذي أعقبته معركة طويلة للتخلص من هشام جنينة، الرئيس السابق للجهاز المركزي للمحاسبات، والتي بدأت بإصدار تشريع لمنح الرئيس الحق في إقالته. ثم ألقت السلطات المصرية القبض عليه، وحُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات.

ويوضح إسكندر أنَّه على الرغم من السلطات التشريعية التي يوطدها السيسي للتحكم في المعارضة، تبقى الاعتقالات هي الأسلوب المركزي للتخلص من أصوات المعارضة، حتى الأصوات من داخل الصفوف الموالية للدولة، وأنَّ نطاق الاعتقالات تجاوز كثيرًا الحدود التقليدية.

ويشير إلى أنّّه في حين أنَّ العديد من الأفراد الذين اعتُقلوا هم من النشطاء السياسيين المعروفين أو شخصيات معارضة معروفة مثل وائل عباس، وعبد المنعم أبو الفتوح، وشادي الغزالي حرب، فإنَّ النظام يعتقل أيضًا أشخاصًا أقل شهرةً قاموا بتشكيل فضاءٍ اجتماعي أو سياسي في مصر، مثل محمد رضوان، المعروف باسم محمد أوكسجين نسبةً لقناته على موقع يوتيوب «Oxygen Egypt»، والمدون الساخر شادي أبو زيد. واعتقلت قوات أمن الدولة أيضًا الكثير من الشباب الذين تعاونوا مع المغني رامي عصام في إنتاج أغنيته «بلحة»، وهو يعيش في منفى اختياري خارج البلاد.

وأضاف كاتب المقال أنَّ عددًا من أنصار النظام السابق والمقربين منه تعرضوا للاعتقال على نحوٍ متزايد، واستشهد على ذلك بوضع أحمد شفيق قيد الإقامة الجبرية في فندق ماريوت مؤقتًا بعد ترحيله من الإمارات، بسبب إعلانه ترشحه للرئاسة عام 2018 من هناك، حيث أُرغِم فورًا على الانسحاب من سباق الرئاسة. وتابع إسكندر موضحًا أنَّ النظام فرض إجراءاتٍ أكثر صرامة ضد رئيس أركان الجيش المصري السابق الفريق سامي عنان، الذي اعتُقل وظل رهن الاعتقال لدى النيابة العسكرية لمجرد إعلان نيته الترشح للرئاسة، فضلًا عن اعتقال السفير السابق والمسؤول العسكري السابق معصوم مرزوق، بسبب انتقاده السيسي ودعوته إلى تنظيم احتجاجات.

ووفقًا لإسكندر، استُهدفت شخصيات أخرى من داخل النظام بإجراءاتٍ قمعية عندما انحرفت وجهات نظرهم بعض الشيء عن مسار القيادة العليا، مثل ما حدث مع محمود حجازي، رئيس أركان الجيش السابق، وأسامة عسكر، مساعد القائد العام للقوات المسلحة لشؤون تنمية سيناء، وصدقى صبحى، وزير الدفاع السابق.

ومن الشخصيات المثيرة للجدل التي تعرضت للاعتقال حازم عبد العظيم، الذي كان مؤيدًا قويًا للسيسي، وعضوًا في حملته الرئاسية في مرحلةٍ ما، إلا أنَّه اعتذر عن دعمه للسيسي بعد وصوله للرئاسة، وكشف عن أنَّ الانتخابات البرلمانية كانت مُرتبةً وراء الكواليس، وأصبح من أشد المنتقدين لنظام السيسي. بيد أنَّ إسكندر يرى أن اعتقال عبد العظيم ليس هو الاعتقال الأكثر إثارة للدهشة بعد أن اعتُقل مقدم البرامج التليفزيونية خيري رمضان، والذي كان من متشددي النظام، وأُفرج عنه بكفالة سريعًا. إلا أنَّ الخطوة نفسها، بحسب الكاتب، كانت بمثابة رسالة قوية بأنَّه حتى لو كنت ضمن صفوف النظام، عليك ألا تحيد ولو قليلًا عما يمليه عليك.

حتى أنَّ أبناء مبارك، جمال وعلاء، أُلقي القبض عليهم في شهر سبتمبر (أيلول)، إذ اتهم أحد الصحفيين المقربين من النظام جمال مبارك بمحاولة إعادة الاستحواذ على السلطة، وتوطيد علاقاته بجماعة الإخوان المسلمين، مما كان مسوغًا للقبض عليه.

ويؤكد إسكندر أنَّ معركة النظام لم تعد تدور حول قمع الأصوات المعارضة، بل تمتد لتستهدف كل الساحات والمنصات التي من الممكن استخدامها للتعبير عن أصوات المعارضة، سواء كانت ساحات سياسية أو اجتماعية أو رياضية. ودلل على ذلك بمنع المشجعين من حضور المباريات الرياضية تخوفًا من تعبيرهم الحر عن أنفسهم، والذي كان ينطوي غالبًا على أعمال تخريبية، بالإضافة إلى إغلاق الحكومة للمكتبات والمنصات الإعلامية التي أسسها الناشط الحقوقي المعارض جمال عيد.

وبحسب الكاتب فإنَّ القضاء على جميع الأصوات، والساحات التي يُحتمل أن تكون معارِضة هو مؤشر واضح على أنَّه لا يمكن أن يكون هناك أي مظهر من مظاهر المعارضة. حتى عندما حان وقت الانتخابات، التي كانت نتائجها مفروغًا منها، أقصى السيسي كل منافسيه. ولولا أنَّ نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس اشترط أن يكون هناك متنافس آخر في الانتخابات الرئاسية في عام 2018، لخاض السيسي الانتخابات بمفرده كما أوضح كاتب المقال. وأضاف أنَّ السيسي فوض أحد أنصاره لخوض الانتخابات ضده، وهو رجل كان يلتف حول السيسي حتى أثناء خوضه الانتخابات الرئاسية.

التواطؤ الدولي

يرى إسكندر أنَّ مثل هذه التحركات الجريئة والقمعية لم يكن لها أن تتحقق دون الدعم الذي حصلت عليه مصر من الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ودول الخليج. ونوه على أنَّ ثناء الرئيس ترامب على الحكام الديكتاتوريين، وازدرائه لحقوق الإنسان والديمقراطية، إلى جانب صعود الأحزاب السلطوية في عددٍ من الدول الأوروبية، كلها عوامل مكَّنت النظام المصري من انتهاك قوانين حقوق الإنسان والإفلات من العقاب.

بالإضافة إلى ذلك، كانت كلٌ من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ملتزمتين بدعم حكومة مصر وسياساتها من خلال حزم الدعم الاقتصادي الهائلة، ومن خلال الضغط على الحكومات الغربية للاعتراف بالحكومة المصرية واحتضانها دون انتقاد انتهاكاتها لحقوق الإنسان.

ويوضح الكاتب أنَّه في حين أنَّ المرحلة الحالية ربما تشجع على صعود المستبدين، إلا أنَّ العديد من الدول الغربية لديها مصالح تجارية وأمنية مهمة في مصر لا تجعلها تغض الطرف عن انتهاكات البلاد لحقوق الإنسان فحسب، بل تجعلها تقدم دعمًا مفتوحًا للنظام.

وأردف إسكندر مثالًا على ذلك بتعرض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للانتقادات لرفضه الحديث عن سجل حقوق الإنسان في مصر، خاصةً وأنَّ مصر كانت أكبر متلقٍ للأسلحة الفرنسية بين عامي 2013 و2017، وكانت فرنسا تقدم معدات المراقبة وغيرها من الأجهزة المستخدمة لاستهداف النشطاء.

وأشار الكاتب أيضًا إلى تعرض سفير بريطانيا في مصر جون كاسون للانتقادات بسبب تردده في الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، على الرغم من أنَّ بريطانيا من الداعمين الرئيسيين للأجهزة الأمنية المصرية. وهناك العديد من المصالح الأخرى التي تربطها بمصر، بما في ذلك قرض صندوق النقد الدولي الذي سيدفع المتأخرات لشركات النفط الدولية، بما في ذلك شركة «بريتيش بتروليوم».

«بلومبرج»: لماذا لن يحل صندوق النقد الدولي مشاكل مصر الاقتصادية؟

وأشار إسكندر أيضًا إلى ألمانيا، التي لديها علاقات تجارية وأمنية وثيقة مع مصر، وفي المقابل، قللت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل من شأن انتهاكات حقوق الإنسان التي تحدث في مصر. وما تزال التجارة بين مصر وألمانيا مربحة، بما في ذلك بيع غواصة هجومية ألمانية الصنع لمصر، وإبرام صفقة بقيمة ثمانية مليارات يورو لصالح شركة «سيمنز» الألمانية لبناء محطات لتوليد الكهرباء، والتي منحتها مصر المناقصة مباشرةً دون منافسة مع شركاتٍ أخرى.

دعمت اليونان وقبرص أيضًا الحكومة الحالية في مصر، وقام ممثلوها بمنع العديد من محاولات الاتحاد الأوروبي لاتخاذ إجراءاتٍ ضد مصر بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان. ويبدو أنَّ السبب هو الاتفاق المربح حول استكشاف ونقل الغاز الطبيعي من حقول الغاز القبرصية إلى مصر لإعادة تصديره إلى أوروبا.

ويضيف الكاتب أنَّ إسبانيا وإيطاليا ظلتا صامتتين إلى حدٍ كبير بشأن تصرفات الحكومة المصرية، وأنَّه من المقرر أن تدفع مصر لهما أكثر من ملياري دولار بسبب نزاعٍ حول الغاز الطبيعي في إطار مشروعهما المشترك «يونيون فينوسا جاس». وعلى الرغم من مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، الذي تورطت الحكومة المصرية في مقتله، تحاول إيطاليا إيجاد طريقة للعودة إلى العلاقات الطبيعية السابقة بين البلدين بدلًا من السعي إلى تحقيق القصاص من قاتل مواطنها. وبعد عامين ونصف فقط من مقتل ريجيني، حصلت شركة الطاقة الإيطالية «إيني» على ترخيصٍ من السلطات المصرية لاستكشاف منطقةٍ في البحر المتوسط.

قمعٌ شامل

بينما تتصاعد حملة الحكومة المصرية من الاعتقالات التعسفية الواسعة، وتمديد الحبس، تقل فرص محاربة هذا القمع.

ويشدد كاتب المقال على أنَّ النظام المصري يهدف الآن إلى القضاء على جميع ساحات المعارك السياسية أو الاجتماعية القائمة أو المحتملة، بدلًا من بناء قدرة الدولة على التعامل مع هذه الساحات والفوز فيها بشرف، مستخدمًا أحكام الإعدام الجماعية التي تُنَّفذ أحيانًا، والاختفاء القسري الذي ينكره.

ويعتقد إسكندر بأنَّ الإجراءات الأخيرة التي اتخذها النظام لم تقض فقط على شخصياتٍ معارضة حقيقية أو محتملة، بل أنَّها قضت على أي فضاء كان من الممكن أن تُخاض فيه معركة من أجل الحقوق. ويضيف أنَّه في أي دولة استبدادية، غالبًا ما تكون هناك آليات ومنصات للطعن، مثل الصحافة، والمحاكم، والانتخابات، وغيرها من المواقع، وأنَّ المعارك تندلع في هذه الساحات، إلا أنَّ ما يفعله النظام الحالي الآن هو القضاء على قدرة المواطنين على الطعن في حكمه من خلال أي من هذه العمليات التقليدية القائمة على المؤسسات.

ويرى الكاتب أنَّ مصر قد أتقنت طريقة عمل تقضي على ساحات المعارك بدلًا من الاشتباك فيها. ويقول إنَّ الترسيخ الداخلي للسلطة هو عملية دقيقة تنطوي على التأكد من أنَّ كلًا من مؤيدي النظام ومعارضيه لا يحيدون عن هوى النظام، مهما كانت التكلفة. وفي الوقت نفسه يبدو أنَّ النظام قد نجح في صد الضغط الخارجي من المجتمع الدولي، والذي يمكنه أن يعيق عملية ترسيخ النظام الداخلي.

بيد أنَّه يشدد على أنَّ قمع الفضاء السياسي لم يتحقق دون تكلفة سياسية. ومن أجل ضمان الدعم الدولي، فقد أجهدت مصر اقتصادها بالديون، وبلغ التضخم أعلى مستوى له على الإطلاق. وبحسب الكاتب، أثرت الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها معظم المصريين تأثيرًا سلبيًا على شعبية السيسي، رغم أنَّ هذا الاستياء يجري احتواؤه من خلال جهازٍ أمني صارم. فضلًا عن أنَّ الاعتقالات الجماعية لمعارضيه، سواء بتهمٍ حقيقية أو ملفقة، تخلق المزيد من الأعداء للنظام. ويؤكد إسكندر أنَّ السيسي الذي كان يتمتع بشعبيةٍ كبيرة ذات مرة، يلعنه الناس الآن، على الرغم من أنَّهم على علمٍ بثمن الإفصاح عن ذلك علنًا.

وبهذا، يخلص الكاتب إلى أنَّ مصر نجحت في إعادة تأسيس الاستبداد بطريقة أكثر وحشية مما كان في عهد مبارك، إذ تمكنت من السيطرة على الشارع في الوقت الذي تُقوض فيه القضاء ومؤسساتها الأخرى، وتحولت هيمنة الجيش على الاقتصاد إلى سيطرة كاملة. وينوه إلى أنَّ ساحات المعارضة المدنية التي كانت تُنافس الجيش قبل ذلك، وإن كان يتم التحكم فيها، حطَّمها النظام الحالي. ويضيف أنَّ الدور المتناقص لمؤسسات وهياكل الدولة قد أدى إلى سيطرةٍ أكثر مركزية للنظام على جميع جوانب الحكم، والقضاء على النظام التقليدي لحكم المؤسسات.

هذا ويوضح الكاتب في نهاية مقاله أنَّ الشعب يُحكم من خلال الخوف، وليس على استعدادٍ للمخاطرة بالتعرض لوحشية النظام التي قد تصاحب المطالبة بحقوقه. وهذه المعادلة، بحسب الكاتب، تضفي على الدولة مظهرًا من الاستقرار النسبي، لكن في ظل تدهور الاقتصاد الذي يؤثر على معيشة أغلبية المصريين، يتساءل إسكندر: هل سيستمر ذلك الوضع في ظل غياب هياكل الدولة والمؤسسات التي كانت بمثابة متنفسٍ للضغوط؟

ويرى أنَّ الزمن سيوضح ما إذا كانت شمولية السيطرة السياسية هي معادلة ناجحة للمستبدين المعاصرين، أم هي مجرد بيت مصنوع من الورق سينهار بسهولة عندما تندلع أزمة جديدة أو حدث جديد يثير غضب الجماهير.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s