ذات جمعة في مارس، وبينما كانت تهب نسمة باردة على منتجع شرم الشيخ ويستمتع السيَّاح الروسيُّون بمنظر البحر، كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجتمعًا في مكان قريب بأكثر من 2000 من كبار رجال الأعمال وقادة العالم. في مركز ماريتين الدولي الفاخر للمؤتمرات، كانوا يناقشون مناخ الاستثمار في مصر، ويكشفون النقاب عن خطة طموحة لبناء عاصمة مصرية جديدة.

الرسومات والمخطَّطات تعيد إلى الأذهان مشاريع عملاقة أخرى مثل برج خليفة لمحمد العبَّار. العبَّار هو مؤسس صندوق الاستثمار العقاري للمساهمين في مشروع العاصمة الجديدة، وهو المموّل الأساسي للمشروع. ستضم المدينة 1.1 مليون وحدة سكنية، 1000 وحدة إدارية ومطارًا أكبر من مطار هيثرو بلندن، بتكلفة تتجاوز 45 مليار دولار، مما يعكس تطلع مصر إلى مدينة عالميّة حقيقية.

المحرك الأساسي للمشروع هو الحاجة لإعادة توزيع إسكان المصريين؛ إذ يعيش 96% من سكان مصر على 4 في المائة من مساحة الأرض المصرية. محاولات إبعاد الناس عن النيل إلى حدود الصحراء يعود تاريخها إلى عام 1978، حين حاول الرئيس أنور السادات نقل العاصمة إلى مدينة السادات؛ والتي تقع على بعد 58 ميلًا شمال غربي القاهرة. كان الأمر بلا جدوى، إذ تم اغتيال السادات عام 1981.

بعد 4 عقود، وبعد بناء مجموعة أخرى من المدن الصحراوية الجديدة، والتي تمَّ الترويج لها جميعًا بأوصاف تثير السخرية مثل «أكثر من توقعاتك»، فإن كلًّ المدن الجديدة تقريبًا تكافح من أجل اجتذاب السكان؛ هذا على الرغم من الاختناق في القاهرة، والتوقعات بأن يتجاوز عدد سكان القاهرة الكبرى 30 مليونًا، بحلول عام 2030.

عملية تجميل القاهرة الأحدث بدأت عام 2008، تحت مسمَّى «القاهرة 2050»، والتي تشرف عليها منظمات دولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبرنامجها للإسكان. تهدف الخطة إلى إعادة إسكان ثلثي القاهريين والذين يعيشون في مناطق عشوائية، وإفساح المجال للحدائق والطرق الواسعة، وافتتاح المتاحف. القاهرة 2050 خطة جاءت على غرار خطط أخرى لتطوير مدن عالمية، مثل سيدني 2030 وباريس 2020 وأبو ظبي 2030.

يجادل منتقدو خطة القاهرة 2050 أن هذه النماذج للحداثة لا يمكن إسقاطها على القاهرة دون الإضرار بالفقراء. «إنها مجنونة، بل هي جنون مطلق»، يقول ديفيد سيمز الخبير الاقتصادي الأمريكي والخبير بتخطيط المدن، والذي يقيم منذ فترة طويلة في القاهرة. عدم الوضوح بشأن من هم الـ5 ملايين الذين يخطط أن يسكنوا العاصمة الجديدة وبشأن جدوى المشروع من الأساس، هو أمر يفتح الجرح الذي ترفض الحكومة المصرية الاعتراف به: المدن الجديدة فاشلة.

بدأ بناء المدن الجديدة عام 1996، تمكنت الدولة من بناء تلك المشاريع فقط بدعم من عائدات النفط الخليجية والشركات المصرية الخاصة مثل أوراسكوم، والتي تعود ملكيتها إلى عائلة ساويرس الغنية والقوية. إذا تم بناء عاصمة جديدة، سيتم تمويلها بالكامل من أموال الخليج، الأمر الذي يجعل مصريين كثرًا يقلقون بشأن أمر السيادة على العاصمة. «لقد كانت مصر هنا لأكثر من 5000 عام» يقول الدكتور رضا حقَّاق، أستاذ التخطيط الحضري بجامعة القاهرة. «والآن، يجري بناء عاصمتنا من قبل إماراتيّ؟ لندعه يبنِ 100 مدينة في مصر، ولكن ليس عاصمتنا» يضيف حقاق.

gattvi539k

تلوثت مشاريع المدن الضخمة في مصر بفضائح فساد إبان عهد حسني مبارك والذي استمر لـ30 عامًا. في عام 2010، كان الرأي العام غاضبًا عندما بيعت أراضي الدولة لمجموعة طلعت مصطفى بأقل من سعر السوق. المجموعة كانت مسؤولة عن “مدينتي”، مشروع سكني يحوي 120 ألف وحدة سكنية شرق القاهرة، وتبلغ قيمته 16 مليار دولار أمريكي.

مشاريع مثل مديني والقاهرة 2050 تستبعد من عملية تخطيطها المصريين العاديين، والذين غالبًا ما تقتصر مشاركتهم على العمل المضني بأجور أقل من الحد الأدنى المقبول. يشير سيمز إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة والمسؤولة عن المدن الجديدة باعتبارها «جمعية سرية»، وذلك بسبب افتقارهم للشفافية. «حينما يكون هناك ارتباك ونقص معلومات، المصالح الشخصية تشق طريقها بشكل جيد للغاية» يقول سيمز.

مشاريع المساكن الحكومية المدعومة في مصر عادة ما تأتي ضمن صفقات المليون وحدة، وهي لا تزال غير كافية لتلبية الطلب المتزايد للسكن من منخفضي ومتوسطي الدخل. المضاربات العقارية هي التي تحدد شكل التنمية في مصر. حيث تقام من جهة مجمّعات فاخرة ذات حراسة وبوابات وأسماء مثل دريم لاند، بيفرلي هيلز أو لي ريف، بينما تتمدد من الجهة الأخرى المناطق العشوائية بسكانها الذين يتجاوزون 17 مليون نسمة.

معظم مساكن المصريين غير رسمية، بنيت بأيديهم. هي عمليّة يرحب بها القاهريون والحكومة على حد سواء، لأنها تكلف كليهما مبالغ أقل كثيرًا. كما تكسب السلطة منها أموال الرشاوى، ويتخلق من خلالها نسيج معقد من العلاقات الاجتماعية وفرص عمل للسكان. عاصمة جديدة ستحرم القاهريين من شبكتهم من العلاقات الأسرية والأصدقاء، هذا إذا نجحت في أن تصبح مدينة مستقلة وليس مجرد امتدادٍ للقاهرة.

سارة فتاة مصرية تنتظر الزواج، اكتفت بذكر اسمها الأول، هي تخطط لإقامة حفل زواجها منذ عام ونصف. تعمل سارة في وكالة سفريات، وخطيبها يعمل في المملكة العربية السعودية؛ مع هذا فهي تضطر لحرمان نفسها من شراء الملابس الجديدة لتوفر المال اللازم لزواجها. كمواطنة من حلوان، والتي تم بناؤها في ستينيات القرن الماضي لتصبح مدينة صناعية، تريد سارة أن تبقى في حلوان. تقول سارة: «المدن الجديدة بعيدة جدا وكبيرة جدا. الأزواج الشباب الذين يعيشون في المدن الجديدة يمضون الأسبوع في مدنهم ثم يعودون إلى القاهرة في نهاية الأسبوع لرؤية أسرهم».

العاصمة الجديدة تواجه مشاكل تعجز الحكومة عن تمويل حلها. المواصلات، أولى هذه المشاكل. حاليًا، فإن أيًا من خطوط مترو القاهرة الثلاثة لا يصل إلى المدن الجديدة، كما أن طريق السويس الذي سيقود إلى العاصمة الجديدة لا يستطيع استيعاب تنقلات العدد المستهدف للسكان وهو 5 ملايين نسمة.

هناك أيضّا مشكلة المياه. القاهرة هي مدينة غبارية. على الرغم من كونها مبنية على الضفاف الخصبة لنهر النيل، فإن الصحراء تظهر نفسها في كومات صغيرة في كل زاوية. يوفر النيل مياه الشرب لـ97% من السكان، وطبقًا لليونيسيف فإن 6.5 مليون مصري ليس لديهم صنابير مياه داخل منازلهم، خاصة في المناطق الريفية لصعيد مصر. بالإضافة إلى ذلك، فإن ما يقرب من نصف الأسر في جميع أنحاء البلاد تفتقر إلى نظام صرف صحي مناسب. السلطات تميل إلى التغاضي عن تهديدات الأمن المائي في العشوائيات المصرية التي يبلغها عددها 1221 منطقة، حتى إنها تقر بأن العاصمة الجديدة ستستهلك 100 ألف لتر من المياه يوميًا.

بالأخذ في الاعتبار تجربة المشاريع العقارية الفاشلة السابقة مثل مدينة الفيوم الجديدة، والتي لم ينتقل لإشغال وحداتها الـ54000 إلا عدد غير قابل للتصديق وهو 4 أسر طبقًا للدكتور حقاق، فإن ثمة تغييرات يجب أن تحدث في سياسات الإسكان نفسها. يقول حقَّاق: «هناك 5.5 مليون شقة سكنية شاغرة في القاهرة الكبرى، ومعدلات المباني الشاغرة في المدن الجديدة سواء للوحدات السكنية أو الإدارية يتراوح بين 61 إلى 79 بالمائة». ثم يضيف: «ثمَّة قول مأثور بخصوص هذا: تستطيع أن تكذب على الجميع، سيكون هذا ذكيًا، لكن الغباء يبدأ حينما تبدأ بالكذب على نفسك».

المعدلات المرتفعة للمباني الشاغرة في المدن الصحراوية يمكن تفسيرها بالتضخم السريع في أسعار العقارات والذي يتجاوز معدلات زيادة الدخل. سارة تجسد المأزق الذي يواجه العديد من الأزواج الشباب في القاهرة. بوظيفتها ذات الدوام الكامل في وكالة سفر، والتي تكسب منها حوالي 1500 جنيه في الشهر، ووظيفة زوجها المستقبلي في السعودية، فإنهما غير قادرين على جمع المبلغ المطلوب دفعه كمقدم – وهو حوالي 37000 جنيه -، لتملك شقة بالتقسيط في حلوان.

يبدأ السعر المعقول للمنازل في المدن الجديدة بـ100 ألف جنيه مصري، حتى لو عملت سارة وزوجها المستقبلي معًا في المملكة العربية السعودية ليجمعا أموال بيتهما، فإن حلم المنزل في المدن الصحراوية سيبقى بعيد المنال. «عليك أن تبني للأشخاص الذين لا يستطيعون دفع ثمن تلك المنازل. هذا واجب الحكومة ومسؤوليتها، أنت لست مصرفًا أو مستثمرًا، أنت حكومة» يقول حقّاق.

في حين أن تطوير القاهرة أمر لا جدل في ضروريته، فإن بناء عاصمة جديدة قد لا يكون الحل الأمثل لإعادة توزيع السكان. طالما أن المدينة الجديدة – والتي ستكون بحجم سنغافورة – ستتبع نموذج الحكومة للازدهار الاقتصادي من خلال المضاربات العقارية ستستمر مصر في بناء مدن السراب الصحراوية بينما القاهرة الكبرى وسكانها الـ22 مليون يعانون من مخاطر المساكن العشوائية  ومن نقص المساكن بأسعار معقولة.

«أعرف مصر ومشاكلها وأستطيع أن أراها كما أراكم الآن، وأعرف الحلول أيضًا، كما أراكم الآن». يقول السيسي في المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ. هذا المشروع يأتي في لحظة حرجة في تاريخ مصر، بعد ثلاث سنوات يدعي فيها الجيش امتلاك الشرعية على الرغم من عدم الاستقرار، حتى مع محاولات السيسي تنشيط الاقتصاد المتعثر.

«مصر تحتاج ما لا يقل عن 200 أو 300 مليار دولار ليكون هناك فرصة حقيقية لسكانها الـ90 مليون أن يعيشوا بجد، ويعملوا بجد، ويصبحوا سعداء بجد»، يقول السيسي، بينما يشاهده ملايين القاهريين من خلال التلفاز في منازلهم، تلك التي يحيون فيها بجدٍ، أوضاعًا يبدو أن الرئيس ونخبته لا يفهمونها بعد.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد