عادة ما يرتبط إصدار أحكام إعدام جماعية بأنظمة مثل نظامي هتلر النازي أو الخمير الحمر. لكن حكام مصر العسكريين الحاليين انضموا إلى مصاف تلك الأنظمة، بإجرائهم محاكمات هزلية معروفة النتائج مسبقًا. وقد نتج عن هذه المحاكمات الحكم بالإعدام على 529 شخصًا في أبريل من عام 2014، وفي نفس الشهر، حكُم على 683 بالإعدام، ويبدو أن الأمر في تصاعد مستمر.

وفي الشهر الماضي، حُكم على 107 أشخاص، من بينهم محمد مرسي أول رئيس مصري منتخب، بالإعدام بزعم تورطهم في هروب جماعي من السجن إبان انتفاضة 2011 التي اندلعت ضد الرئيس السابق حسني مبارك. كما اتُهم مرسي بالتآمر مع جماعات مسلحة أجنبية، هي حزب الله وحماس، من أجل تحرير السجناء السياسيين في مصر.

وبعد ذلك بفترة وجيزة، جرى تنفيذ حكم الإعدام على ستة متهمين في القضية التي عُرفت إعلاميًّا باسم “عرب شركس”، على الرغم من الانتقادات المحلية الدولية للمحاكمة التي أحاطتها إجراءات معيبة. فوفقًا لأحمد حلمي، محامي أربعة من المدانين الستة، فقد أرادت الحكومة إرسال رسالة في أعقاب الحكم على مرسي مفادها أنها جادة في تنفيذ الأحكام. أما موكلوه والآخرون فليسوا سوى “كبش فداء”.

بالمجمل، أصدرت المحاكم المدنية المصرية ما يزيد على 1000 حكم بالإعدام منذ أن أطاح الجيش بمرسي في 2013. تثير السير الذاتية للمدانين الدهشة، فعلى سبيل المثال، عماد شاهين هو أكاديمي عالمي درس في جامعة هارفرد والجامعة الأمريكية في القاهرة، أما سندس عاصم فهي باحثة شابة وناشطة سياسية واعدة.

وما يجعل الأمور أسوأ، هي عمليات القتل خارج نطاق القانون التي تقوم بها عناصر قوات الأمن على نطاق واسع. وقد وقعت أكثر تلك الحلقات خطورة عندما فتحت قوات الشرطة المصرية النار على أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي في ميدان رابعة العدوية في القاهرة، فقتلت ما يزيد على 1000 من المحتجين خلال أقل من عشر ساعات.

ومؤخرًا، عُثر على إسلام عطيتو، طالب في كلية الهندسة في جامعة القاهرة وأحد مناصري جماعة الإخوان المحظورة، مقتولًا في الصحراء على مشارف القاهرة، وقد زعمت وزارة الداخلية المصرية أن عطيتو متورط في اغتيال ضابط شرطة، وأنه قد قُتل خلال تبادل لإطلاق النار مع القوة الأمنية التي هجمت على مخبئه.

ولكن وفقًا لاتحاد طلاب كلية الهندسة في جامعة القاهرة، فقد اعتُقل عطيتو خلال اختبار نهائي داخل حرم الجامعة. حيث يُزعم أن الحكومة كانت قد اختطفت عطيتو وقتلته ردًّا على أنشطته. وبحسب محام يتابع القضية، فإن هذه ليست سوى إحدى حالات عديدة لا تخضع لتحقيق جاد.

تعكس أحكام الإعدام وعمليات القتل غير القانونية عمق الأزمة الحالية في مصر. فـ”الصقور” الذين يسيطرون على الأجهزة الأمنية والعسكرية يبدو أنهم عازمون على استرجاع نظام مبارك، ولكن مع فرق جوهري، وهو أنهم يعتقدون أن مبارك لم يفعل ما يكفي لقمع المعارضة.

وبالنسبة للقيادة المصرية الحالية، فإن الأساليب الوحشية التي استخدمها أمثال معمر القذافي وبشار الأسد من المرجح أن تنجح في الحالة المصرية أكثر من تلك الدول. فاحتمالية حدوث تدخل عسكري دولي كما حدث في ليبيا معدومة تمامًا، كما أن احتمالية اندلاع ثورة مسلحة شاملة (كما يحدث في سوريا) تظل محدودة للغاية. ولكن الاعتماد على القوة فقط في قمع المعارضين في بلد يشكل الشباب ممن هم دون سن الثلاثين حوالي 70% من سكانه هو تحد كبير، إن لم ينتج عنه حمام دم.

كما أن السياسات المتوحشة التي يتبعها الصقور في مصر غيرت من المعارضة. في 2013، إبان اعتصام أنصار المعزول محمد مرسي، أطلق المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، محمد بديع، ما غدا بعدها نداءً شهيرًا بين أنصاره قائلًا: “سلميتنا أقوى من الرصاص”. ولكن، ومنذ أن حُكم على بديع بالإعدام على خلفية قضايا عدة، أصبح ذلك الشعار محط سخرية شديدة بين النشطاء السياسيين، بمن فيهم أعضاء جماعة الإخوان المسلمين.

كان موقع “رصد الإخباري”، المحسوب على الإخوان المسلمين، قد نشر رسالة كتبها الأمين العام السابق للجماعة، محمد غزلان، يؤكد فيها على أن الثورة ستظل سلمية. إلا أن الموقع ذاته نشر انتقادات حادة لموقف غزلان أطلقها شباب الجماعة، وهو تطور لافت في جماعة نادرًا ما يتم فيها توجيه انتقادات علنية إلى القيادات.

في الواقع، لقد ازدادت حدة الغضب بين شباب الجماعة لدرجة أنه يُزعم أن جماعة الإخوان المسلمين أجرت تغييرًا في قيادتها طال حوالي 65% منها، وذلك وفقًا لما صرح به أحمد عبد الرحمن، رئيس المكتب الإداري للإخوان المسلمين في الخارج (هيئة جديدة تضم الآلاف من أعضاء الجماعة المنفيين). وقد تبنت الجماعة نهجًا أكثر حدة، معلنة بشكل صريح أن النهج الإصلاحي الذي اتبعته الجماعة بعد فوزها بانتخابات البرلمان في 2011 وانتخابات الرئاسة في 2012 كان خطأ، وأن إقصاء المجموعات الشبابية الثورية من غير الإسلاميين كان خطأ كبيرًا.

وبالنظر إلى أحكام الإعدام الجماعية، والعنف خارج نطاق القانون، وهيمنة الصقور على الأجهزة الأمنية والعسكرية، كل هذا إلى جانب التغيرات التنظيمية والسلوكية داخل الإخوان المسلمين، فإن فرص المصالحة تتلاشى يومًا بعد الآخر. وفي بيئة تعتبر فيها كلمة “تسوية” كلمة قذرة، فإن مستقبل مصر لا يبدو مشرقًا بالمرة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد