أعلنت الحكومة المصرية في أغسطس (آب) الماضي، عن إنشاء محطة الفضاء المصرية الأولى، وتبع هذا الإعلان جدلًا بين المصريين، خصوصًا في ظل الحالة الاقتصادية المتعثرة للبلاد. وتناول موقع مجلة «نيوزويك» الأمريكية في تقرير نشر مؤخرًا، هذا الموضوع بالشرح والتحليل، ليجيب عن سؤال محدد، وهو «كيف يمكن للحكومة المصرية إنفاق الملايين على مشروع وكالة الفضاء في ظل الأزمة الاقتصادية؟».

وتقول روث مايكلسون معدة التقرير في البداية: «مبنى زجاجي أزرق يلمع تحت ضوء الشمس في موقع صحراوي مليء بالغبار في منطقة تقع على أطراف محافظة القاهرة. بُني ذلك المجمع ليكون مقرًا لـ«وكالة الفضاء المصرية»، وهو إعادة إحياء للبرنامج المهمل منذ ستينات القرن الماضي، والذي قالت عنه الحكومة المصرية التي تفتقر للسيولة، إنه من أجل إنتاج أقمار صناعية لدفع الابتكار واستكشاف الموارد، التي قد تكون مختبئة تحت صحراء مصر الواسعة».

وأضاف التقرير أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يعاني من أجل إثبات أنه قادرٌ على إنقاذ الاقتصاد، منذ استيلائه على السلطة بانقلاب عسكري شعبي منذ أربع سنوات تقريبًا، إذ أدت الأحوال الاقتصادية السيئة إلى طوابير طويلة على محطات الوقود، وارتفاع ضخم في أسعار المواد الغذائية، كما دفعت مواطنًا لإشعال النار في نفسه.

على رغم المؤشرات المؤقتة –مثل تحسن قيمة الجنيه المصري- بعودة ثقة
المستثمرين الأجانب في مصر، إلّا أنه في يناير «كانون الثاني» الماضي، وصل
صافي التضخم إلى أعلى مستوياته.

ووصف التقرير برنامج وكالة الفضاء الأولى بأنه محاولة أخرى للسيسي لتنشيط الاقتصاد المصري، ضمن سلسلة من المشروعات العملاقة، بداية من العاصمة الإدارية الجديدة، وحتى قناة السويس الثانية. وعلى رغم من أن الاستثمار في البنية التحتية قد يخلق فرص عمل، ويعطي انطلاقة للنمو الاقتصادي، إلّا أن الكثير من المصريين يتساءلون عما إذا كانت الدولة يمكنها تحمل مشروعات السيسي، في ظل حياة الفقر التي يعيشها الكثير منهم؟

وكانت مصر أعلنت إنشاء وكالة الفضاء في 3 أغسطس «آب»، أي تقريبًا في نهاية صيف متأزم، إذ يستعرض التقرير ما حدث خلال ذلك الشهر: «ففي الشهر ذاته تسلمت البلاد 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، وبحسب المحللين، فإنها كانت محاولة للإبقاء على الاقتصاد، وسد العجز المالي جزئيًّا، والذي نتج من انخفاض هائل في السياحة، بالإضافة إلى الخروج من أزمة سعر صرف العملات الأجنبية.

ويقول التقرير: «وكأحد شروط القرض، ألزم صندوق النقد مصر باستمرار رفع الدعم الحكومي عن الوقود، كما ألزمها بتعديل قانون الضرائب. وعلى رغم المؤشرات المؤقتة –مثل تحسن قيمة الجنيه المصري- بعودة ثقة المستثمرين الأجانب في مصر، إلّا أنه في يناير «كانون الثاني» الماضي، وصل صافي التضخم إلى أعلى مستوياته منذ تسلم قرض صندوق النقد، ما جعل أسعار المواد الغذائية مثل الخضار، والفاكهة تتضخم».

بنهاية الصيف الماضي تسبب ارتفاع أسعار السلع المستوردة في نقص في كميات حليب
الأطفال المدعم، وفي السلع الأساسية مثل السكر، بالإضافة إلى الأدوية بما
فيها حبوب منع الحمل.

ويقول تيموثي قلدس الباحث غير المقيم في معهد «التحرير لسياسة الشرق الأوسط»، المتخصص في الأبحاث، ومقره واشنطن: «واحدة من التزامات مصر باتفاق قرض صندوق النقد هي خفض العجز الحكومي، لذلك فالوقت غير مناسب لإيجاد طرق جديدة لتبديد المال، مثل الإنفاق على برنامج فضاء».

وينقل التقرير عن اقتصاديين رأيهم بأن الحكومة تحتاج بشدة لذلك القرض؛ لتتأكد من قدرة أفقر الأسر على شراء الطعام، ولمنع انتفاضات الجياع من المواطنين. ويضيف: «بنهاية الصيف تسبب ارتفاع أسعار السلع المستوردة في نقص في كميات حليب الأطفال المدعم، وفي السلع الأساسية مثل السكر، بالإضافة إلى الأدوية بما فيها حبوب منع الحمل. وبنهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، وبعد مرور أكثر من شهر على إعلان السيسي بناء وإطلاق قمر صناعي، طلب الرئيس من المصريين التبرع بالـ(فكّة) لخفض الدين الحكومي، ما أثار سخرية مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بمشاركة صورة متحركة ساخرة تصور السيسي على أنه دجاجة تخطف العملات المعدنية».

فالمصريون أصبحوا أكثر استعدادًا للحديث علنًا عن الأوضاع الاقتصادية المتأزمة، ما يدل على اليأس في دولة تخنق المعارضة. وفي منتصف أكتوبر، أضرم سائق تاكسي في الإسكندرية النار في نفسه؛ احتجاجًا على ارتفاع الأسعار، وتوفي الرجل بعد ذلك. وفي الشهر ذاته انتشر مقطع مصور لأحد سائقي «التوكتوك» يصرخ بحديث عن وضع الاقتصاد.

واقتبس التقرير كلمات مما قالها السائق: «احنا بنشوف مصر في الصور شبه فيينا، لكن لما ننزل الشوارع نلاقيها بنت عم الصومال، المواطن الفقير مش لاقي كيلو الرز، بنشوف المسؤولين بيطلعوا على التلفزيون بيقولوا مصر بتتطور وبيجمعوا فلوس عشان مشاريع قومية، واحنا عندنا مستوى تعليم أقل مما تتخيل».

وتدخل وكالة الفضاء الجديدة ضمن تلك المشروعات القومية التي اشتكى منها سائق الـ«توك توك»، وهي المبادرات التي لها تاريخ من الفشل في تحقيق منافع اقتصادية. ويستعرض التقرير ما حدث عام 2014، حينما قررت الحكومة توسيع قناة السويس، عن طريق إنشاء قناة أخرى موازية للأصلية، ووعدت بعد تكلفة إنشاء وصلت إلى 8.4 مليار دولار، بأرباح ستصل إلى 13 مليار دولار من الرسوم والجمارك سنويًّا، بحلول عام 2023.

ويستدل التقرير بإحصاءات الحكومة المصرية: «الواقع مختلف قليلًا، فالعائد الشهري لقناة السويس خلال 2016 انخفض مقارنة بالعام الذي قبله»، ويتابع: «واجهت العاصمة الإدارية الجديدة -التي خطط لها لتكون في صحراء القاهرة لتخفيف الضغط عن العاصمة المزدحمة- عقبة في يناير (كانون الثاني)، بعد انسحاب ثاني مطور عقاري عالمي من المشروع على خلفية خلاف مالي».

وتشرح مايكلسون خبرة مصر في مجال الأقمار الصناعية: «يعتبر غزو الفضاء خصوصًا أحد الطرق الواعدة لأي دولة حتى تنفق عليه أموالها، ولكن مصر لم تثبت أنها الأفضل فيما يخص ذلك، ففي عام 2010، فقدت مصر اتصالها بالقمر الصناعي غير التجاري الأول لديها (إيجيبت سات 1)، والذي أطلقته بالتعاون مع أوكرانيا عام 2007، وهو خطأ نادر الحدوث في هذا المجال. وسجلت البلاد نجاحها الأفضل في الفضاء ضمن شراكة دولية لإطلاق قمر صناعي تجاري لبث قنوات تلفزيونية في أنحاء الشرق الأوسط. وفي عام 2014، اشترى الجيش المصري قمرًا صناعيًّا للتصوير الضوئي بقيمة 43 مليون دولار، وتفاخر الجيش بأنه استخدم القمر الصناعي للتجسس على أستراليا، وعلى منطقة سد النهضة الأثيوبي، مصدر الخلافات بين مصر وإثيوبيا، ومع ذلك فشل في تفسير التهديدات الأمنية التي تشكلها أستراليا، أو سد النهضة».

من جهة أخرى يقول التقرير: «وبخلاف هذه المشروعات المبهرجة، فإن لمصر محاولات حقيقية في إصلاح الاقتصاد. فبعد أيام من قرار تعويم العملة، أعلنت الحكومة رفع الدعم عن الوقود، ما أثار الجدل، وأدى إلى ارتباك وطوابير على محطات الوقود في أنحاء البلاد، لكنها خطوة دعمها كثير من العاملين في القطاع المالي. وعلى رغم من أن الكثيرين يتوقعون أن رفع الدعم سيحقق نموًا على المدى البعيد، لكن البنك الدولي تنبأ بتقلص إجمالي الناتج المحلي للبلاد ليصل إلى 4% بنهاية العام الحالي، مقارنةً بـ4.3% العام الماضي».

في عام 2014، اشترى الجيش المصري قمرًا صناعيًّا للتصوير الضوئي بقيمة 43 مليون
دولار، وتفاخر الجيش بأنه استخدم القمر الصناعي للتجسس على أستراليا، وعلى
منطقة سد النهضة الإثيوبي.

وعن علاقة الرئيس السيسي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يقول التقرير: «قد يكون السيسي يأمل بصداقته مع رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب في زيادة المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر سنويًّا، والتي تقدر بـ1.3 مليار دولار، لكن في غضون ذلك فكل الآمال معلقة على القمر الصناعي».

وينقل التقرير عن الاقتصاديين اعتقادهم بأن برنامجًا فضائيًّا هو سبيل جيد للاستثمار، بشرط التزام الحكومة بتطوير فريق عمل يتمكن من إدارته. ويقول قلدس: «نظريًّا، لا يعتبر برنامج الفضاء شيئًا مروعًا، حتى بالنسبة إلى دولة لديها الكثير لتقلق حياله حاليًا»، ولكنه يعتقد أنه بغير الاستثمار في الجامعات وتحرير الأبحاث من «المحسوبية والرقابة»، فإن وكالة الفضاء قد تكون أحد الحلول قصيرة المدى الفاشلة للحكومة المصرية. ويقول: «فهذه الطريقة المتبعة لإصلاح الموقف الاقتصادي أو السياسي أو الأمني، تقوض قدرتنا على إحراز تقدم حقيقي، فلا يوجد سياسي واحد سينقذ مصر، كما لا يوجد مشروع واحد سيصلح اقتصادها، فالوضع على الحقيقة أكثر تعقيدًا».

وعلى رغم الانتقادات، إلا أن الحكومة تجادل بأن القمر الصناعي نوع من الاستثمار المبتكر الذي تحتاجه مصر. ويقول محمد عادل يحيى مدير الوحدة الوطنية المصرية للفضاء والاستشعار عن بعد: «يتساءل الناس عما إذا كان الاختيار بين رغيف العيش وبين الفضاء، لكن القمر الصناعي هو طريقنا لاستكشاف الموارد». مبررًا بأن أجهزة الاستشعار المثبتة على هذا النوع من الأقمار الصناعية يمكنها جمع بيانات من تحت سطح الأرض للعثور على المعادن والبترول، أو تحديد موارد مهمة تحت سطح الرمال مثل الماء، ويقول يحيى: «إن ذلك أساسي بالنسبة إلينا، حتى نتمكن من تقديم أرغفة الخبز لهؤلاء، وحلمنا هو استخدام التكنولوجيا لتطوير اقتصاد بلادنا».

ولم يصرح يحيى عن أي معلومات تخص الإنفاق المخصص لهذا المشروع، لكن التقرير يقول: «لم يبدِ أي شيء سوى ابتسامة ذات معنى، وتأكيد أن الميزانية ضخمة»، وذكر التقرير أن القائمين عليه عادوا إلى الموازنة العامة 2016-2017، ولم يجدوا أي جدولة تخص برنامج الفضاء.

كما ينقل التقرير عن الخبير الاقتصادي مختار الشريف المؤيد للحكومة حديثه لصحيفة «الأهرام»، بأنه عند وقت معين في الأزمة الاقتصادية توفر الاستثمارات واسعة النطاق بنية تحتية مواتية لقيادة البلاد خارج الفقر، قائلًا: «لا يمكنك تشييد بناء دون وضع أساساته أولًا».

فيما يصر عادل يحيى على أنه إذا لم تطلق مصر القمر الصناعي الخاص بها قد تتخلف عن دول أخرى في المنطقة، كانت أطلقت برامج فضاء ضخمة، بما فيها الإمارات والجزائر. بالإضافة إلى أن جيران مصر أصروا على المنافع الاقتصادية لمثل هذه المبادرات، فإسرائيل مثلًا تؤكد أن زيادة برنامج الفضاء لديها قد يوفر صافي عائدات تصل إلى 6 مليارات دولار. فيما تعول الإمارات على أن برنامج الفضاء لديها، متضمنًا خطط المهمة إلى المريخ، قد يساعد على خلق فرص للعمل، متخذة عدد موظفي وكالة «ناسا» مثالًا على ذلك، إذ يزيد عدد العاملين فيها على 1700 موظف.

فيما يقول التقرير: «الكثير من المصريين غير مستعدين لأخذ الحكومة على محمل الجد»، وينقل عن مطور ويب شاب رفض ذكر اسمه خشية الانتقام منه لمعارضة الحكومة: «كل ما تقوله الدولة لا يمكن الوثوق به». ويضيف التقرير: «فالشاب 22 عامًا، وخبير تقني مثالي ليكون أحد المواطنين الذين يلهمهم برنامج الفضاء، لكنه غير مقتنع»، ويقول الشاب: «تحصل مصر على الكثير من الأموال فربما لدينا التمويل، لكننا لم نعلم أبدًا أين تذهب تلك الأموال، وأشك أن ذلك البرنامج سيظهر علنًا من الأساس».

ويختتم التقرير إجابته عن سؤاله الأساسي، فيقول: «الاقتصاد على وشك الاستفادة من الشريحة المقبلة من قرض صندوق النقد الدولي في الربيع الحالي، لكن الاستقرار الاقتصادي طويل المدى في مصر يعتبر صعب المنال، كالجانب المظلم من القمر».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد