قليلة إلى حد الندرة هي الأعمال التي تجسد التعقيدات السياسية والاجتماعية في حقبة زمنية ما. لكن فيلمًا مصريًّا يحمل اسم «البريء»، ويقوم ببطولته «آل باتشينو مصر»، الراحل أحمد زكي، يحكي قصة الدكتاتورية ببراعة غير مسبوقة. وإذا ما تمعنا في الفيلم، لوجدنا أنه يشي بالكثير بشأن مصر وفشل ثورة ميدان التحرير.

يجسد زكي في الفيلم شخصية «أحمد سبع الليل» الشاب الأميّ الذي يؤدي خدمة التجنيد الإجبارية في أحد السجون الواقعة في الصحراء، حيث يُعامل المعارضون بوحشية، ويعيشون في ظروف بالغة القسوة.

تتسم شخصية سبع الليل بالبساطة والسذاجة والتفاني في العمل والطاعة العمياء. وقد قام السجانون بحشو أفكاره بالغطرسة والكراهية، واصفين السجناء بأنهم «أعداء للوطن». يقتنع سبع الليل بهذا المنطق ويشارك في «التحفيلة»، حيث يجري استقبال السجناء الجدد بالضرب حتى يدركوا واقعهم المرير الجديد. ويصبح سبع الليل متفانيًا إلى الحد الذي جعله يطارد سجينًا فر من المعسكر إلى داخل الصحراء، حيث لحق به وصارعه وأجهز عليه. وكانت آخر كلمات ذلك السجين «أنت حمار. إنك لا تفقه شيئًا».

يبين الفيلم أن قصة القمع الحزينة تشمل المنكل ومن يعينونه على قمعه. بعضهم يدفعه الحقد الشخصي، وآخرون بدافع الخوف، وجماعة ثالثة ترفض الظلم ولكن لا ينظرون إلى ما يحدث بسبب اليأس. تتمحور قصة الفيلم عن الجهلة الذين يعينون المستبدين دون دراية منهم، بل ويجهلون أنهم لا يدركون ذلك.

يقول الكاتب إن الفيلم يظهر المعالم الميلودرامية لثورة عام 2011. لا شك الآن أن الثورة قد فشلت بعد أن وصل رجل المؤسسة العسكرية القوي عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم في 2014. منذ صعوده بعد انقلاب 2013، زج السيسي بالآلاف في السجون، وقُتل آلاف الأبرياء، وسيطرت الدولة على كافة مناحي الحياة.

 

متفرجون في وطنهم

يمكن القول إن سبب فشل الثورة هو افتقار الثوار إلى الشجاعة، أو لأن الدولة العميقة عصية على التدمير. لكن السبب الرئيسي لفشلها ليس هذين الفريقين، فهما أقلية في بحر 90 مليون مواطن، وإنما هم الأغلبية الصامتة الذين لا يساعدهم ضعف وعيهم السياسي إلا على الوقوف متفرجين في أفضل الأحوال، أو المشاركة في الجريمة في أسوأها. لقد فشلت الثورة بسبب جهلهم وتغاضيهم عن عنف الدولة وكراهيتهم للحريات.

يقول الكاتب إن ثورة 2011 لم تنزع الغشاوة عن أعين تلك الأغلبية. تساءل العديد منهم عن سبب مظاهرات ميدان التحرير، وكأنها تحدث في بلاد بعيدة، وليس في قلب العاصمة القاهرة. واليوم، أمست تلك الأغلبية تكيل الاتهامات للثورة، مرددة كلام الإعلام الرسمي من أنها مؤامرة كونية على البلاد. وبذلك ضمنوا العفو للقتلة من النظام القديم، ووصموا الثوار بالخيانة. بل ويصف بعضهم حسني مبارك بالبطل الذي يستحق الاعتذار.

إن حال التعليم في مصر سيئ. وصلت معدلات الأمية إلى 25%. وفي عام 2015، حلت مصر في المرتبة قبل الأخيرة في تقرير التنافسية العالمي من حيث جودة التعليم المدرسي والجامعي. قال باحث في المركز الوطني المصري لبحوث التعليم والتنمية: «التعليم في مصر في أسوأ فتراته على الإطلاق». وقد أظهرت صفحة الفيسبوك الخاصة بوزير التعليم المعين حديثًا العام الماضي وقوعه في أخطاء لغوية وإملائية فادحة، بما يؤشر على تدني مستوى القراءة لدى الخريجين الجامعيين.

يشير الكاتب إلى أن ذلك كان له آثار عظيمة في المجتمع. أظهر استطلاع للرأي أجراه مركز بصيرة المصري أن 23% فقط يعرفون السنة التي وقعت فيها أزمة السويس، وهي أحد أهم الأحداث في تاريخ البلاد، ما يؤشر على الأمية السياسية لدى الناس في مصر. دفع الكسل الثقافي الناس إلى القبول بما يعرضه الآخرون، ما جعلهم مثل «القطيع الحائر» كما يصفهم والتر ليبمان.

يسيطر الخطاب العاطفي وغياب التفكير المنطقي على مصر. يخشى المصريون بشدة من التفكير ويعميهم الغضب عن التأمل.

يقول الكاتب إن الأقلية المستنيرة يمكنها إشعال ثورة تغير بها السياسة التي تتحكم في مجتمع بهذه العقلية، لكن تحديد أهدافها على المدى الطويل يتطلب أكثر من مجهودات أقلية صغيرة. قال الزعيم السياسي الفرنسي روبسباير إن «سر الحرية يكمن في تعليم الناس، بينما يكمن سر الدكتاتورية في الحفاظ على جهلهم». وقد حثت وسائل الإعلام التي ترعاها الدولة المناهضة للثورة الناس على الاعتقاد بأن الثورة خطيئة، وأن الدكتاتورية ليست بهذا السوء، وأنه لا مفر من التعذيب لإسكات المعارضين.

كان معظم السجناء في فيلم البريء هم من المفكرين والكتاب، وكان سجانوهم المتوحشون من الجهلة. وقد بدا هذا جليًا في ثورة عام 2011 عندما وقعت اشتباكات في ميدان التحرير بين المحتجين المثقفين، وجنود الأمن المركزي الذين يتم انتقاء معظمهم من الأميين. وصفت النيويورك تايمز المشهد بالقول: «نادرًا ما شهدنا اشتباكات ملحمية بين قوى النور والظلام». فقد هزم آلاف المحتجين جنود الأمن المركزي المدججين بالسلاح، وأطيح بمبارك عن سدة الحكم، وبدا أن فجرًا جديدًا في طور البزوغ.

أجهضت الثورة، كما يقول الكاتب، وعادت المؤسسات المتوحشة السابقة لتثبت قصتها بطريقتين: التنكيل بالأقلية المعارضة، وترويج الأساطير الكاذبة للأكثرية.

 

مهرجون بمنزلة مُرَبّين

المشكلة في مصر تكمن في أن الأكاذيب والإشاعات تجد آذانًا صاغية وقلوبًا مفتوحة. ثمة حاجة لاتفاق شرف بين سلطة تسعى للبقاء، وشعب يسعى خلف لقمة العيش منذ شروق الشمس وحتى غروبها. تُركت مهمة تثقيف المجتمع لصحفيين ومقدمي برامج متوسطي الثقافة، رغم شعبيتهم الجارفة، بينما تخلصت الدولة من المفكرين الحقيقيين ونفتهم إلى خارج البلاد، فخرجوا بحثًا عن السلام في الدول الأجنبية.

يقول الكاتب إن ثورة يناير استهدفت ثقافة الرضا عن النفس التي يروج لها الإعلام، بوصف الثورة بالعمل المخزي، والنظام الذي يرعى تلك الثقافة. يقاوم ذوو النفوذ التغيير الجذري خشية أن يسلبهم مصالحهم ويحاكمهم على ما اقترفته أيديهم. ثمة اعتقاد سائد أن النظام يسيطر على منافذ الإعلام ويستخدمها حسب حاجته، ويجبرهم على الصمت عن جرائمه. فهم واجهة النظام القديم أمام الشعب.

في ذروة فيلم البريء، يتحرر سبع الليل من الوهم. وفي غمرة إحدى «التحفيلات»، يقوم بضرب صديق طفولة من القرية، والذي هو على يقين من أنه ليس عدوًا للدولة. فيستفيق فجأة على حقيقة أنه كان غبيًا وعنيدًا، أو حمارًا إن صح التعبير. يتصاعد الغضب لديه فيثور ويتحرر من أفكاره السابقة.

أخطأ شباب ميدان التحرير حين هتفوا بالحرية لشعبٍ غافلٍ. كان يتعين عليهم إيقاظهم من سباتهم قبل أن يتوجهوا صوب الميدان.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد